الروائي والشاعر سليمان توفيق: الانتماء يتطور دومًا

الروائي والشاعر سليمان توفيق: الانتماء يتطور دومًا

سليمان توفيق (فيسبوك)

ولد الروائي والشاعر الألماني ذو الأصول السورية سليمان توفيق في بيروت 1953، ثم ترعرع في مدينته دمشق. يقيم في ألمانيا منذ عام 1971، بعد أن قرّر الهجرة إلى أوروبا وهو في ربيعه الثامن عشر. درس الأدب المقارن والفلسفة ليبدأ بعدها مسيرته الأدبية، حيث يمتلك العديد من الأعمال باللغة الألمانية من روايات ودواوين شعرية وكتب للأطفال، كما أنه ساهم في ترجمة أعمالٍ مختلفة من الأدب العربي إلى الألمانية.

سليمان توفيق: اللغة الألمانية أصبحت بشكلٍ عفوي جزءًا من ثقافتي ويومياتي

حاز سليمان توفيق على العديد من الجوائز الأدبية في ألمانيا، منها جائزة فالتر هازينكليفر الأدبية في مدينة آخن. هنا حوار معه.  


  • هل كانت هنالك أسباب سياسية دفعتك إلى الهجرة، أم أن ألمانيا هي التي جذبتك إليها؟

لم توجد أسباب سياسية لهجرتي، إنما أتيت إلى ألمانيا لأنني كنت أحب دائمًا الذهاب إلى أوروبا. كانت أوروبا حلمًا يرافقني دومًا، وكنت قد اخترت ألمانيا عن طريق الصدفة، بحثًا عن الحرِّية الفردية بمعناها الاجتماعي ومعناها الثّقافي. فقد تأثَّرت في مرحلة المدرسة بالحركات الطلّابية الأوروبية وأفكارها الفلسفية، التي كانت تصل إلى سوريا عن طريق المجلات اللبنانية. في الحقيقة كنت أشعر بضيق شديد في سوريا، لأنه لم تكن هنالك مساحة حقيقية لتطوير النفس اجتماعيًا وثقافيًا.

  • منذ تخرجك من الجامعة في مدينة آخن وأنت مقيم في هذه المدينة التي يقارب تعداد سكانها ربع المليون، هل يوجد سبب معين لعدم انتقالك إلى العاصمة برلين؟

تعلمت اللغة الألمانية في برلين أثناء إقامتي فيها لمدة سنة ونصف، ثم اخترت الانتقال إلى مدينة أخرى في ألمانيا الغربية. كانت مدينة كولونيا أحد الخيارات، لكني حصلت على القبول الجامعي من آخن، هذه المدينة التي لم أكن قد سمعتُ عنها قط. عندما وصلت إلى آخن، كانت مكتظة باحتفالات الكرنفال الشهير، لقد كانت صورة ساحرة. مع مرور الوقت أصبح لدي بعض الأصدقاء الجامعيين، وبدأت من خلالهم بالتعرف أكثر على آخن. بعد انتهائي من دراستي الجامعية لم أغادر هذه المدينة الصغيرة جدًا بالنسبة لكولونيا، كانت هنالك أسباب عديدة لقراري ذاك. الموقع الجغرافي للمدينة القريب من فرنسا وبلجيكا وهولندا أغراني في البقاء بصراحة. كما أنني كنت قد بنيت دائرة واسعة من الأصدقاء، الغالبية ما زالت هنا. علاوة على ذلك آخن مدينة أثرية وجامعية، لذلك لم أرغب في الرحيل عنها. بعد مرور عشرات السنين من إقامتي ما زلت أحب العيش فيها، على الرغم من أن عملي الإذاعي يتواجد خارج مدينة آخن.

  • هناك الكثير من الكُتاّب العرب أو الناطقين بالعربية ممن عاشوا في المهجر لكنهم كتبوا مؤلفاتهم بالعربية، أو في بعض الأحيان بالعربية ولغة البلد الذي لجؤوا إليه مثل جبران خليل جبران، كتب بالعربية والإنجليزية. لماذا كتبت أعمالك كلها بالألمانية عدا كتاب واحد؟

بصراحة لم أهتم بالنشر باللغة العربية. أنا أعيش الآن في هذه البلاد وتعلمت لغتها، وهذه اللغة أعطتني الحرية المطلقة على خلاف لغتي الأم. تلك الحرية نفتقدها في اللغة العربية، حيث توجد تابوهات كثيرة، لكن عندما تكتب بالألمانية لن تجد ذلك. يجب أن أذكر لك أن هذه اللغة- التي أحسبها اليوم أيضًا لغتي -ليست مقدّسة لدي، لكن هي التي خلقتني كاتبًا وكوّنت ثقافتي الاجتماعية، الأدبية والفلسفية. كل هذا ساعدني أن أكتب بالألمانية، خاصًة حين بدأت عملي في إذاعة WDR كإعلامي ثقافي.

اللغة الألمانية أصبحت بشكلٍ عفوي جزءًا من ثقافتي ويومياتي، أتكلم بها مع زوجتي الألمانية، مع أولادي وأصدقائي. لم أكن أتكلم العربية إلا وقت التواصل مع أهلي.

في الحقيقة، كتبت بالألمانية لأنني كنت أريد أن أخاطب الجمهور بلغته، وليس عن طريق كتاباتٍ مترجمة من العربية إلى لغتهم. وأنا الآن أعتبر نفسي جزءًا منهم، واعتَبر نفسي كاتبًا باللغة الألمانية من أصول سورية.

  • بالإضافة إلى أعمالك الألمانية قمت بترجمة العديد من الأعمال العربية إلى الألمانية لأدونيس، وأعمال أخرى لكُتاب عرب مثل غادة السمان وسركون بولص، برأيك ما مدى حضور الثقافة العربية في ألمانيا؟

عندما بدأت بالترجمة من العربية إلى الألمانية، كانت الكتب العربية المترجمة قليلة جدًا، ولم يكن هنالك أي اهتمام ألماني بالأدب العربي الحديث. ولكن كانت هنالك كتبٌ عربية تصدر في ألمانيا الشرقية لأسباب سياسية، طبعًا كانت ذات طابع محدد.

في حقيقة الأمر، الكتب العربية الأدبية المترجمة كانت ضئيلة جدًا على الساحة الألمانية، وكانت معظم هذه الكتب تاريخية. لم يوجد حضورٌ للأدب العربي الحديث.

سليمان توفيق: لطالما حولت تقوية حضور الأدب العربي في ألمانيا، لكن لم يساعدني أي شخص أو أية مؤسسة عربية!

هذا كان سبب شروعي في الترجمة. في البداية كنت أترجم بعض قصائد محمود درويش وأدونيس لمجلات ألمانية. بعدها ترجمت مختارات للشاعر أدونيس صدرت تحت عنوان "شجرة الشرق" إلى اللغة الألمانية، وكان ذلك بموافقته الشخصية طبعًا.

مع مرور الوقت بدأت بترجمة أعمال عربية أخرى، وأصدرت ثلاث أنطولوجيات مترجمة وهي: القصة العربية، الشعر الحديث، القصص النسائية. فيما بعد أصدرت كتابًا مهمًا جدًا، بالنسبة لي، وهو "بورتريه" لكاتبات عربيات. قمت مع أصدقاء آخرين بإصدار مجلة "ديوان" لترجمة الشعر العربي إلى الألمانية في برلين، صُدر 8 أعداد منها ثم توقفت. لقد ترجمت أكثر من 30 عملًا الى الألمانية.

كنت مهتمًا جدًا بمسألة الأدب العربي، وكنت أريد دومًا تقوية حضور الأدب العربي، لكن للأسف الشديد لم يساعدني أي شخص أو أية مؤسسة عربية. على خلاف ذلك بدأت دور النشر الألمانية هي التي تطلب مني ترجمة الأدب العربي إلى الألمانية. وهنا بإمكاني القول إنه للأسف الشديد المؤسسات العربية لا تهتم بالثقافة العربية. أتذكر أن الأدب العربي كان في عام 2004 ضيفًا على معرض الكتاب العالمي بمدينة فرانكفورت، وكانت هنالك مؤسسات أدبية من عدة بلدان حاضرة ومن بينها العربية. كوريا قامت وقتها بتمويل ترجمة 100 كتاب في السنة التالية للفعالية، بينما لم تدعم أية مؤسسة أدبية عربية ترجمة الأدب العربي. هذا مثال فقط. في كل بلدان العالم تقريبًا، أذكر منها تركيا، توجد مؤسسة ثقافية مهمتها فقط دعم ترجمة أدب بلادها إلى اللغات الأخرى. في الدول العربية لا توجد أية مؤسسة حقيقية من هذا القبيل.

كل العمل الكبير الذي أقوم به للتعريف بالأدب العربي والموسيقى لم تهتم به أية جهة عربية. للأسف لا أحد يذكر جهودي الكبيرة.

  • هل تعتبر نفسك الآن جزءًا من الثقافة الألمانية (الغربية) أم العربية؟

بلا شك أعتبر نفسي مزيجًا من الثقافتين. أنا أعتبر الثقافة ذاكرة، وهذه الذاكرة ممتلئة بالكثير من الأشياء التي أخذتها من الشرق وأتيت بها إلى ألمانيا. وفي هذه البلاد اكتسبت ذاكرة أخرى وهي أوروبية عالمية، لذلك أعتبر ذاكرتي أو ثقافتي أممية.


سليمان توفيق في مكتبه (فيسبوك)

في أحد نصوصك الألمانية "أفكار عن الهوية في الغربة" تتحدث عن مسألة الهوية لدى المُغترب في المهجر وتقول بأن المُغترب يعتقد بأنه يخسر هويته في البدايات، لكنه مع مرور الوقت يبدأ بالتعامل مع ماضيه ومستقبله، ثم يقوم بتكوين هويته الخاصة به. هل تقصد أن الغربة تعني التحرر من الهوية؟

سليمان توفيق: يجب على الإنسان المُغترب ألا يخاف من فقدان الهوية، لأن الآخر لا يسلب ذاكرة المغترب وهويته

أؤمن بأنه لا توجد هوية ثابتة، إنما الهوية تتغير وتتطور دومًا. عندما أتحدث عن الهوية لا أقصد القومية مثلًا، الهوية لها مقومات كثيرة غير ذلك. يجب على الإنسان المُغترب ألا يخاف من فقدان الهوية، لأن الآخر لا يسلب ذاكرة المغترب وهويته. الإنسان في الغربة يكتسب لغة جديدة وأصدقاء وفكرًا جديدًا، كل هذا يساعد المُغترب في فهم كل ما يدور من حوله لتكوين هوية ذات مقومات جديدة وذلك بإرادته، وأنا شخصيًا مع ألا تكون الهوية ثابتة.

  • هل تعتقد بأن الحركة الطلابية في أوروبا وألمانيا على وجه التحديد قد أثّرت على فكرك؟

بالطبع، الحركة الطلابية أثرت على تفكيري بشكل كبير جدًا، وأنا سعيد بأنني استطعت أن أشارك في مظاهراتها في برلين وآخن. لقد كانت حركة ثقافية اجتماعية ذات رسالة أممية، وكانت تمارس نقدًا كاملًا للمجتمع الألماني.

الحركة غيّرت وجه ألمانيا بشكل إيجابي، بعد أن كانت منهكة بعد الحرب العالمية الثانية. لقد كانت ثورة بمعنى الكلمة، وكانت ثورة على الجميع، وبشكل خاص على الأقرباء، كان المشاركون يتهمون أقرباءهم بأنهم ساعدوا أو ساهموا بشكل أو بآخر في وصول هتلر إلى الحكم، وقيامه فيما بعد بكل ذلك الدمار باسم الشعب الألماني.

  • آخر عمل لك كان في 2017 وهو ديوان شعري باللغة الألمانية بعنوان "أروّض الأمل". عنونت أحد فصولها بـ"أنا المغترب" هل تشعر بالغربة في بعض الأحيان؟

كل كاتب يعيش بالغربة إن كان في بلده أو خارجه، أعني هنا الغربة بالمعنى الفلسفي الوجودي وليس الجغرافي. كنت في سوريا أشعر بالغربة. أعتقد بأن الغربة الفلسفية هي أهم شيء بالنسبة لي. يجب استغلالها للتفكير والتمعن بالمصير. الغربة ليست سلبية، على العكس هي إيجابية. أنا شخصيًا إن لم أكن أشعر بالغربة لما كنت أستطيع أن أكتب شيئًا.

العديد من الناس يعتقدون أن الغربة تعني المعاناة، أنا لم أعانِ أبدًا، على العكس تمامًا ألمانيا كانت بالنسبة لي تجسّد الحرية المطلقة. في الغربة يكون المرء خارجًا عن المألوف القاتل، بإمكان المرء أن يخرج عن مسار عادات المجتمع المقوقعة التي فرضت عليه.

هنالك نقطة مهمة أود ذكرها هنا، وجودي هنا في ألمانيا لا يعني أنني أتنصّل من الثقافة الشرق الأوسطية. على العكس أنا أعيشها أكثر من أي ثقافة أخرى ربما، وأهتم بها، حتى أنه لدي مكتبة عربية كبيرة في منزلي. في الحقيقة، يجب أن نسعى دومًا لتذكير الغرب أنّ هنالك أشياء إيجابية في ثقافتنا، وهذا ما أنشره من خلال ترجمتي للأدب العربي، كما أنني كتبت عدة روايات عن الشرق مثل "مقهى دنيا". علاوة على ذلك قدّمت مئات البرامج الإذاعية عن الموسيقى والتراث العربي، الكُردي والسرياني وحتى التركي والفارسي.

أكرر مرة أخرى، أنا أنتمي إلى هذه الثقافة الشرقية، ولكن هذا الانتماء يتطور دومًا. لا يوجد شيء ثابت، الثبوت أعتبره موتًا.

هناك دومًا صراع، أقصد الفكري والنقاشي، وما ينقصنا في منطقتنا الشرق الأوسطية هي "ثقافة الشجار". لكي نتقدم في الشرق ينبغي علينا تعلم هذه الثقافة كما فعلها غيرنا. هذه الثقافة تحرض على الشجار النقاشي، ولكنها تشدد في نفس الوقت على سلمية الحوار، وبقاء أطراف الحديث أصدقاء على الرغم من آرائهم المختلفة.

  • هل هنالك عمل جديد لك قريبًا؟

نعم سوف يُصدر لي كتاب جديد في السنة القادمة وهو عبارة عن قصص قصيرة، لكن الأحداث تدور هذه المرة في ألمانيا. وفي هذه السنة ترجمت ديوان شعر للشاعرة الفلسطينية مايا أبو الحيات التي تعيش في القدس حاليًا، كما أنني أقوم حاليًا بترجمة عمل للكاتبة السورية وداد نبي.

  • أريد أن أختم هذه المقابلة بسؤال ربما يراود القارئ الآن. هل فكرت في ترجمة أعمالك إلى لغتك الأم أو هل سنرى أعمالًا لك باللغة العربية؟

لدي كتاب بالألمانية والعربية اسمه "في ظل الزقاق". أكتب حاليًا مجموعة قصصية للأطفال باللغتين. دار النشر التي أتعامل معها، ترحب بهذه الخطوة. في الحقيقة لا مانع لدي في النشر بالعربية، لكنني لا أجد الدعم الكافي من دور النشر العربية. عملية النشر في البلدان العربية لا تخضع إلى قواعد. كل إنسان يستطيع دفع تكاليف الطباعة سيجد ناشرًا لكتابه، أكان هذا النص جيدًا أم لا، كما سيجد من يكتب عنه في الصفحات الثقافية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إلياس مرقص في حواراته.. المفكّر الذي رأى

حوار | يانيس فاروفاكيس.. الحياة قصيرة الحرب أطول!