الرقة تذبح بصمت

الرقة تذبح بصمت".. قصة حملة "سلمية"

داعش تلاحق الثورة (حسين ناصر/الأناضول/Getty)

عبر الإنترنت والأدوات الذكية ومجموعة من الناشطين الإعلاميين، بدأت حملة "الرقة تذبح بصمت"، عملها على نقل وتغطية أخبار مدينة الرقة، المدينة التي يتخذ منها "تنظيم الدولة الإسلامية"مقرًا له. رغم كل الصعوبات تمكن أعضاء الفريق من نقل الصورة الإعلامية في مدينة التعتيم فيها يصل أقصى درجات متخيلة، الحملة خدمت الصورة الإعلامية لاختراق الجهاديين عبر شبكات التواصل الاجتماعي وموقع إلكتروني ممول من منظمة غير رسمية، رغم أن كادر الحملة بغالبيته من غير المختصين في الإعلام، تمكنوا عبر الأدوات الذكية من خوض معركة إعلامية وإلكترونية ضد تنظيم يحاربه تحالف دولي-عربي.

المعادلة الإعلامية التي فرضها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق لم يتمكن من فرضها في سوريا، الدور السلبي للتنظيم اخترقه فريق الحملة، وأصبح الفريق ميالًا لوضع كل انتهاكات التنظيم من عقوبات يمارسها بقطع الرأس والرجم والجلد، وطقوسه الدينية التي يفرضها على أهالي المدينة من ملبس ومأكل ومشرب وأسلوب حياة بالعموم، ورصد للحالة الاجتماعية من فقر وجوع ودمار جلبتها الرايات السوداء للمدينة التي تحولت فيها المقابر إلى فعل لحظي، كل هذه السلوكيات وضعتها الحملة تحت مجهر النقد، وأصبحت جسر وصل بين وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية.

حملة مبتكرة

الابتكار الإعلامي لفريق الحملة جعل العلاقة مع الجمهور وفي المدينة على وجه التحديد متنامي ومتفاعل، على عكس ما يحصل في العراق حيث يتواجد نفوذ داعش. وأثبت فريق الحملة قدرته على التفوق على وسائل الإعلام التقليدية، واستطاعت الحملة أن تلعب دورًا في وظائف الإعلام ورصد الانتهاكات الحقوقية. الدور الإلكتروني الذي لم يستوعبه المشتغلون في مجال الإعلام من الشرائح العمرية المتقدمة في السن، استطاع أعضاء فريق الحملة الصغار في السن إدراكه، وأصبحت الحملة الذاكرة الحية لمدينة تذبح بصمت بسكاكين التنظيم وطيران النظام.

ففي بداية الثورة السورية، كان سكان مدينة الرقة حال كل سكان سورية، يتحلقون حول شبكات التلفزة متل الجزيرة والعربية وغيرها، ينتظرون أخبارًا عن مجريات التظاهر والاحتجاجات في البلاد ضد النظام، ولكن بعد سيطرة الرايات السوداء أصبح الناس ينتظرون ما تنشره صفحات الحملة على شبكات التواصل الاجتماعي وموقعها الإلكتروني. إذ بات فريق الحملة ينتج أخباره وينشرها بالتو واللحظة عن أقوى تنظيم عرفته البشرية في تاريخها المعاصر.

حرب إلكترونية ضد الجهاد

مع ظهور الحملة حدث تحول في المعادلة الإعلامية في مدينة الرقة، حيث بات إنتاج الخبر وبثه الفوري، يشكل خرقًا إعلاميًا للتنظيم، يقول المواطن الصحفي عبد العزيز الحمزة، أحد مؤسسي الحملة وعضو الفريق فيها لـ"آلترا صوت": "لا أحد يستطيع القول أنه قادر على اختراق دماغ التنظيم، تمكنا من خرق قيادات في التنظيم ليست في مراكز القرار العليا، وهذا يمكننا من معرفة مجريات ما يحصل". ومن أشهر الأمثلة على هذا الاختراق للتنظيم تمكن فريق الحملة من معرفة مصير الطيار الأردني معاذ الكساسبة، الذي سقطت طائرته في مدينة الرقة، وأحرقه التنظيم في مشهد بصري دموي وبربري، حيث عرفت الحملة مصيره على أيدي التنظيم قبل بث الإصدار المرئي لإعدامه. ويكمل عبد العزيز الحمزة ل"آلترا صوت": "نجمع معلوماتنا من مصادر متعددة، ونتحقق من صحتها من مصادر متعددة، كذلك نتمكن من الحصول على وثائق مسربة".

ولد المشروع على أيدي ناشطين مناهضين لنظام الأسد، غالبيتهم اشتغل في الحراك السلمي منذ بداياته، ثم أصبحوا مناهضين لتنظيم الدولة الإسلامية بعد بسط نفوذه على المدينة عمل فريق الحملة عبر طرق غير مألوفة في الإعلام التقليدي، وحرص الفريق على نشر مواده الإعلامية التي ينتجها ونشرها باللغة الإنجليزية، غير مكتفي بالنشر باللغة العربية. وأنتجوا موادًا إعلامية عبر كاميراتهم المخفية، تظهر حجم الممارسات التي يرتكبها التنظيم بحق من يخرق قواعده المفروضة قسرًا. وبما يخص تمويل الحملة، يقول الحمزة لـ"آلترا صوت": "لا يوجد دعم من أي دولة أو جهة حكومية، هناك تمويل للموقع فقط من منظمة أهلية، والمنشورات وماشابه يتحمل الفريق بالتضامن تكاليفها ذاتيًا".

ومع توافر نشرة إخبارية يومية وموقع على الويب، استطاعت الحملة اجتذاب جمهور كبير، ومنحت صفحة الحملة على موقع "فيس بوك" الشارة الزرقاء، ثم زاد تنبه الناس أكثر لأهمية الحملة بعد قدرتها على أن تكون مصدرًا إخباريًا لوكالات الأنباء ووسائل الإعلام والصحفيين، لمعرفة حقيقة ما يجري في المدينة، مشكلين غرفة أخبار بأدوات ذكية، تولت تغطية الأحداث ببراعة.

حصل فريق الحملة على جائزة حرية الصحافة من لجنة "حماية الصحفيين الدولية"

جوائز عالمية تترجم نجاح الحملة

بالتزامن مع توقيت حضور فريق الحملة لاجتماع "قادة العالم"، الذي انعقد أخيرًا في مدريد، وحصول فريق الحملة على جائزة حرية الصحافة من لجنة "حماية الصحفيين الدولية" والتي تتخذ من نيوريوك، مقرًا لها، وجائزة Amercia aboard Media، ودعوة من الأمم المتحدة للفريق، ودعوة من وزارة العدل النرويجية، بالإضافة لترشيح فريق الحملة لثلاث جوائز دولية أخرى. استيقظت مدينة أورفا التركية صباح الجمعة الفائت على خبر مقتل عضو فريق الحملة إبراهيم عبد القادر وصديقه فارس الحمادي، بعد أن وجدوا منحورين على يد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تبنى العملية على إحدى حساباته في"توتير". وكان التنظيم قد أعدم الناشط الإعلامي المعتز بالله إبراهيم ووالد عضو الفريق حمود الموسى، في وقت سابق على عملية الذبح الأخيرة. ومازالت التهديدات مستمرة من قبل التنظيم بحق أعضاء الفريق المقيمين في تركيا.

ترهيب التنظيم للحملة

يقول الناطق الإعلامي باسم فريق "حملة الرقة تذبح بصمت"، إن هذه الجريمة البشعة لن تثني فريق الحملة عن متابعة نشاطاته، وفي تصريحاته لـ"ألترا صوت" قال محمد الصالح الناطق الإعلامي للحملة: "الجريمة وقعت مع بداية صباح يوم الجمعة الفائت، حسب ما رشح عن التحقيقات حتى الآن، ولم يخرج الجناة من المنزل حتى الساعة الخامسة صباحًا"، ويرجح الصالح لـ"ألترا صوت" حسب معلومات حصل عليها: "أن الجناة غادروا الأراضي التركية ظهر يوم الجمعة المنصرم، عبر معبر كلس، كما رشح عن التحقيقات" حسب تعبيرات الصالح.

اقرأ/ي أيضًا: ألا يخيفكم هذا العالم؟

وعن الطريقة التي نفذت فيها الجريمة، يقول الصالح: "الجناة من تنظيم الدولة الإسلامية، ذبحوا فارس الحمادي بسكين حاد وفصلوا رأسه عن جسده، وعضو فريق الحملة أحمد عبد القادر ذبح بنفس الطريقة، وفصل رأسه عن جسده بنسبة ثمانين في المائة"، وأضاف الصالح: "أن الأسباب وراء حادثة الاغتيال معروفة، ويشتبه بتورط شخص يدعى طلال سرور كان قد بايع تنظيم الدولة الإسلامية، وادعى لاحقًا الانشقاق عنهم، وقدم إلى تركيا قبل بضعة أشهر، حيث كان متواجدًا معهم في المنزل، وبعد عملية الذبح لم يعثر له على أثر"، وزاد: "تنظيم الدولة الإسلامية أباح دمنا ورصد مكافأة مالية تصل حتى خمسين ألف دولار، لأي شخص ينفذ أو يسهل تنفيذ عمليات قتل بحق أعضاء فريق الحملة".

الجناة من تنظيم الدولة الإسلامية ذبحوا فارس الحمادي بسكين حاد وفصلوا رأسه عن جسده

ورجح الصالح أن تواجد القتلة لمدة تزيد عن خمس ساعات بعد تنفيذ عملية الذبح، يشي بقيام المنفذين بعملية تحقيق وتصوير مع الشهيدين قبل التنفيذ، يقول الصالح "أرجح أن يظهر إصدار مرئي للعملية كما عودنا التنظيم في كل جرائمه البشعة". وبما يخص عدم توافر حماية من قبل الأمن التركي لفريق الحملة، رد الصالح قائلًا: "نحن نعمل من دون ترخيص على الأراضي التركية، وهذا لا يمنحنا حق طلب الحماية، وفي تركيا الكثير من مقرات المعارضة الرسمية وشخوصها والناشطين، ولا يمكن أن يضطلع الأمن التركي بكل هذه الأعباء". ويضيف: "أورفا تحديدًا يوجد فيها الكثير من الخلايا النائمة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية".

وردًا على سؤال لـ"ألترا صوت" بما يخص الإجراءات المتخذة من قبل فريق الحملة بعد العملية الأخيرة، يوضح الصالح: "نحن نتواصل الآن مع العديد من الجهات للخروج بحلول تؤمن حياتنا وعملنا"، ويضيف: "عموما نحن دحريصون عند التنقل وعقد الصلات مع الناس، ونتجنب الظهور بالأمكنة العامة". وحسب الصالح، غداً سيصدر تقرير مبدئي عن الشرطة التركية بما يخص عملية الذبح، وستسلم الجثث لذوي الضحايا".

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام المصري على الفلسطينيين لا معهم