الرشوة أسلوب حياة في مصر..

الرشوة أسلوب حياة في مصر.. "شخلل علشان تعدي"

اشتهرت قناة السويس باسم قناة المارلبورو بسبب رشاوى السجائر من هذا النوع (تيم مارتن/Getty)

"شخلل علشان تعدي"، عبارة شعبية، تعكس واقع المعاملات اليومية للمواطن المصري، إذ يلتزم المواطن المصري بدفع"رشوة" أو "إتاوة" للحصول على أي خدمة ومصلحة في غالب الأحيان، فإن كنت واحدًا من ملايين المصريين فإنك بالتأكيد قد قمت في أحد الأيام بـ"الشخلله" و"دفع الشاي" أو "فتحت مخك" أو "كرمشت خمسين جنيه".

صدم المصريون مما انتشر عن تقديم رشاوى لكل سفينة تمر عبر قناة السويس في شكل علب سجائر، مما جعلها تشتهر في العالم بقناة المارلبورو

وبالرغم من اعتياد المواطن المصري علي دفع الإتاوات إلا أن حالة من التعجب تصاعدت بين مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك بعد نشر أحد البحارة المصريين منشورًا حول تقديم الإتاوات الإلزامي لكل سفينة تمر عبر قناة السويس في شكل علب سجائر، وأشار المنشور إلى أن الاسم الرسمي لقناة السويس بين الملاحين في العالم تحول إلى "قناة المارلبورو"، نسبة للسجائر الأمريكية المعروفة التي يفرضها بعض المرشدين في القناة كإتاوات علي السفن المارة عبر القناة.

اقرأ/ي أيضًا: مستشار الرشوة الكبرى في مصر.. انتحر أم نحروه؟

قناة المارلبورو

كتب أمين واهب، قبطان مصري وواحد من فريق الملاحة على سفينة أجنبية، علي صفحته على فيسبوك منشورًا حول مروره من ممر قناة السويس، والتي قال إن اسمها تحول لـ"قناة المارلبورو" نسبة للسجائر الأمريكية الشهيرة، ثم حذف أمين المنشور بعد ذلك من على صفحته على فيسبوك بعد مرور نحو 20 ساعة على نشره وبعد أن أعيد نشره آلاف المرات، وأصدرت الهيئة العامة لقناة السويس بيانًا تهدد فيه باتخاذ الإجراءات القانونية ضد من قام بنشر ما اعتبرته اتهامات كاذبة.

المنشور باختصار أشار لإصرار المرشدين في القناة على الحصول على علب من سجائر المارلبورو للسماح بمرور السفن. ومنشور أمين لم يكن الأول من نوعه وأعاد النشطاء نشر تدوينات سابقة لبعض البحارة من بينها مقاطع فيديو تثبت ما ذكره أمين واهب.

كما تداول البعض نشرة لخفر السواحل الأمريكيين في عام 2014 نقلت بعض الشهادات حول تهديد عمال في الهيئة بتهريب السفن في حالة عدم حصولهم علي سجائر المارلبور، وبشكل ساخر نشر البعض مقطع فيديو من فيلم "سلام يا صحبي" بطولة عادل إمام وسعيد صالح، ويقول فيه قطاع طريق "شخلل علشان تعدي"،  ويرد عادل إمام "ليه هعدي القنال".

تدوينة أمين واهب

السيسي وجمع التبرعات وفرض الضرائب

النظام المصري يقوم، بين الحين والآخر، بفرض ما يراه بعض المصريين إتاوات ولكنه يسميها ضرائب وقد ارتفعت نسبتها بشكل كبير تزامنًا مع الأزمات الاقتصادية التي يعيشها المواطن المصري، فعلى سبيل المثال، أعلن النظام خلال الفترات السابقة عن مضاعفة القيمة الضرورية لاستخراج شهادات الميلاد والطلاق والزواج وكذلك رفع رسوم المرور في الطرق بحوالي 100%، كما رفع السيسي ضريبة تذاكر السفر وكذلك أقر البرلمان المصري بعد تشكيله عددًا من القوانين، التي رفعت الضرائب على كاهل المواطن العادي والتجار.

ومن أبرز عمليات فرض الإتاوات المقننة ما عرف بـ"صندوق تحيا مصر" والذي أعلن عن تأسيسه عبدالفتاح السيسي في 2014، وخلال الأعوام التي تلت ذلك كرر السيسي دعوة المصريين من مختلف الطبقات الاجتماعية للتبرع للصندوق، وأعلن تنازله عن نصف ثروته لصندوق تحيا مصر، وظهر الرئيس المصري في عدة مناسبات يطالب المصريين بالتقشف والتبرع من خلال عدد من الأفكار الجديدة من بينها مشروع الفكة و"صبح على مصر بجنيه"، بالرغم من مظاهر الترف التي نشاهد فيها مواكب الرئيس أو حضور حرمه بعض المناسبات، وأعلن بعض العاملين في مصالح حكومية وشركات خاصة اقتطاع الإدارة الخاصة بهم لجزء من أجورهم للتبرع باسم الجهة لصندوق تحيا مصر وهو ما اعتبره البعض إتاوة.

اقرأ/ي أيضًا: "سونطراك 1".. مفتاح فضائح الفساد في الجزائر

المصالح الحكومية والشارع المصري

ينتشر طلب الرشاوى في مصر ومنها الرشاوى الجنسية والتي يراها الكثيرون طريقًا للارتقاء الاجتماعي في أحيان كثيرة

بشكل غير رسمي، أنت مضطر لدفع رشوة/ إتاوة عندما تحاول أن تجهز أي أوراق خاصة بك في مصر فمهما كانت اوراقك سليمة، الموظف يمكنه أن يعطل المعاملات لأي سبب، من بينها "توقيع موظف غير موجود أو ختم غير واضح  أو أي حجة أخرى.

وخبرة المواطن المصري تمكنه من معرفة قيمة الإتاوة المطلوبة ويقوم بالدفع للموظف أو إلى وسيط عادة ما يكون "عامل البوفية"، وبمجرد تقديم الإتاوة يمكنك الحصول على الخدمة دون الأختام الكثيرة أو التوقيعات المتكررة، وفي حالة الضرورة يقوم الموظف بإنجاز الخدمة بنفسه والمواطن جالس في مكانه، وتختلف قيمة الإتاوة من مصلحة حكومية إلى أخرى ومن هدف إلى آخر.

وتتعدد أشكال الرشاوى والإتاوات في مصر، من بينها الهدايا القيمة سواء للموظفين الكبار أو مديري البنوك والشركات الكبرى، من ذلك ما عرف إعلاميًا بـ"هدايا الأهرام" وتورط فيها عدد كبار من رجال الدولة من بينهم مبارك والعديد من رجال نظامه، وطبقًا لتحقيقات النيابة وصلت قيمة الهدايا نحو 27 مليونًا و942 ألفًا و500 جنيه، خلال الفترة من 2006 وحتى 2011.

وارتفعت خلال الفترة السابقة ما عرف بـ"الرشاوى الجنسية" والتي تكون الرشوة فيها لحظات متعة لإنهاء طلب ما، ووفقًا لحوار أجرته الإعلامية بثينة كامل مع الإعلامي طوني خليفة، قالت إنها تعرضت لطلب جنسي من أحد رجال الأعمال غير المصريين، وأكدت في حوار مع الصحفي مفيد فوزي أن الرشوة الجنسية طريق للارتقاء في أماكن عديدة في مصر.

ومن أبرز المصالح الحكومية التي يقدم فيها الإتاوة تجديد ترخيص السيارة والحصول على رخصة قيادة، وتكون فيها التجاوزات بالجملة وفي حالة عدم الدفع سيكون من الصعب الحصول على الرخصة بسهولة، وفي الشوارع المصرية ينتشر نوع أخر من الإتاوات، في مواقف انتظار السيارات في المحافظات وبعض الشوارع الرئيسية في قلب العاصمة القاهرة، حيث ينتشر بعض الأشخاص تحت مسمى "سايس السيارات والكارته"، وفي حالة عدم دفع صاحب السيارة للسايس، الذي لا يتبع أي جهة، مقابل انتظار سيارته في الشوارع، غير المملوكة لأحد، يمكن أن يخرب له سيارته.

انتشار الارتشاء في مصر

انتشار الارتشاء في مصر

الرشوة.. جزء من فساد واسع

في مصر، لبعض الجمل معنى مبطنًا لطلب الرشوة أو الإتاوة، من بينها "عاوزين نشرب شاي وافتح الدرج وكلك مفهومية والمعلوم وكلك نظر والنبي قبل الهدية وكرمش له حاجة في ايديه وعرقنا وكل سنة وانت طيب".

والإتاوات والرشوة جزء من فساد الدولة المصرية بشكل عام، ففي النصف الأخير من عام 2015 كشف المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، أن تكلفة الفساد داخل المؤسسات المصرية خلال عام 2015 تجاوزت 600 مليار جنيه مصري (نحو 33 مليار دولار)، أما النظام المصري من ناحيته وردًا على هذه التصريحات فقد قدموا جنينة للمحاكمة، وأصدر عبدالفتاح السيسي مرسومًا رئاسيًا بإقالة هشام جنينة، ما اعتبرته منظمة الشفافية الدولية، في تقريرها السنوي لعام 2016، تعد على الهيئات المستقلة.

وأعلنت المنظمة في تقريرها "مؤشر مدركات الفساد لعام 2016"، أن مصر احتلت المركز 108 في مؤشر الفساد من بين 176 دولة، فيما كانت تحتل في عام 2015 المرتبة 88 من بين 168 دولة، ما يؤكد تراجع معدل الشفافية في البلاد وتفاقم الفساد، وأشار التقرير إلى أن الفساد باق في مصر في ظل غياب أي إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحته.

اقرأ/ي أيضًا:

"عاش المَعْطي".. أول رئيس مدني حَمَّال

مكافحة الفساد أو الحرب الكاذبة في تونس