ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

"الرجل السابق" لمحمد أبي سمرا.. تمرد سردي على سُلطة الجمال المثالية

18 ديسمبر 2025
book-web-sawt.jpg
غلاف رواية "الرجل السابق" (موقع دار الجديد)
نسرين النقوزينسرين النقوزي

كتب محمد أبي سمرا روايته «الرجل السابق» بعد عمله الروائي «بولين وأطيافها» في طبعتها الأولى عن «دار الجديد» عام 1995، ثم في طبعتها الثانية عن «دار النهار» عام 2006، قبل أن تُترجم لاحقًا إلى الفرنسية. في هذا العمل، لا يقف أبو سمرا عند حدود السيرة، بل يذهب نحو ما يشبه الحفر البطيء في طبقات القبح الداخلي التي صاغت شخصيته منذ الطفولة. لا يحاول أن يصنع بطلًا، ولا أن يستدرّ عطفًا أو أن يرمّم صورته؛ بل يكشف نفسه كما هي، بجرأة تشهد له في تاريخ الرواية العربية: رجل يكره أمه، يكره جسده، يخجل من ماضيه ومن بيته ومن صوته، ويعيش علاقة متصدّعة مع زوجته وأولاده. كأنّه يقول للقارئ: هذه حكايتي، وهذه بشاعتي، ولن أستعير مفردة جمال واحدة لتزيينها.

منذ الصفحات الأولى، نرى شخصية مأزومة تُقدّم نفسها من الداخل، من منطقة النفس المخفية التي لا تخضع للرقابة، مستعيدة طفولة في حيّ سليم مسعد، بين فقر ووسخ وصوت أمٍّ جارح. ثم نراه في فرنسا، في ليون، يحاول أن يكون أبًا وزوجًا، لكنه يبقى أسيرًا للولد الذي كان، وللنظرة التي كوّنتها الأم عنه، وللاحتقار الذي سكن جسده وروحه. ليس غريبًا أن تبدو الرواية كلها كتمرين على التحرّر من الأم، أو بالأحرى من سلطة الجمال التي فرضها المجتمع بوصف الأم رمز الخير الأصلي. أبو سمرا يفكّك هذا الرمز، ويقول ما لا يُقال: أمي كانت قبيحة وقاسية، وأنا ابن هذا القبح، بل صنيعة له.

يظهر ذلك بوضوح في المقطع الذي يرويه عن شعوره حين تناديه أمه باسمه:

«كنت كلما سمعت أمي تناديني باسمي أشعر أن جسمي أشبه بدودة تسبح في سوائل كرش ضخم، تمامًا كما كنت أتخيله في بطنها، قبل أن تلدني من مؤخرتها، وهي تعوي عواءها الكلبي الذي ما تزال أصداؤه منغرسة في لحمي».

يقدّم الراوي هنا ذاكرة مرتبطة بالولادة كفعل طرد، لا كفعل احتضان. الأم لا تلد من فضاء الأنوثة الطرية، بل من المؤخرة، من مكان العار، والصوت لا يشبه صوتًا أموميًا ناعمًا، بل «عواءً كلبيًا». إنّها أمّ تعيد صياغة الولادة بوصفها إهانة، فينمو الابن على شعور أنه خرج إلى العالم كوسخ حيّ، لا ككائن محبوب. وما يضيفه الراوي: «من مؤخرتك أنجبتِنا أيتها الأم التعيسة…»، كتعبير عن غضب حاد صيغ لاحقًا كرغبة في التبرؤ من الأصل، من المادة التي صنعته.

هذا الشعور بالوصم يجعل العلاقة مع الأم علاقة مع العار نفسه. يمقتها ويرى أنه مسجون في ما تركته عليه من لزوجة ووسخ وصوت. ينتقل هذا العار إلى النظرة التي يرى فيها نفسه، فيقول عن مراهقته: «كنت أشعر أنني لست سوى عبء على كل فتاة أتعرف إليها… وفي قرارة نفسي كنت أعلم أنها لا تدل من يراني إلا على ما أنا فيه من بؤس وإهمال لا تفارق علاماتهما عيني ووجهي». هنا تتحوّل الأم إلى معيار داخلي يراقب كل رغبة فيرى نفسه كما صوّرته الأم: كائنًا فائضًا عن الحاجة، مُلقيًا في العالم بلا حقّ في الجمال.

مقالة عناية جابر المنشورة في السفير سنة 1995 التقطت هذه النقطة حين قالت إنّ الراوي لا يكره أمّه كراهية مباشرة، بل لأنه يرى نفسه فيها، ولأنه يكتشف أنّ كثيرًا مما يحتقره في شخصيته هو امتداد لما كان يحتقره فيها. ولهذا، يكتب عنها بحدّة ليست غضبًا بل خوفًا من التماهي. كل عبارة ضدّ الأم هي محاولة نجاة من الشبه. لكن الرواية تعترف بأن هذا الشبه لا يمكن الفرار منه، وأنّ الكاتب مهما صرخ، يظلّ ابن هذه المرأة، صورتها مطبوعة عليه، وصوتها داخل صوته.

حين ننتقل إلى علاقته بجسده، نرى امتداد هذا القبح في الداخل. الراوي ينظر إلى جسده كما لو أنه امتداد لجسد الأم، يحمل وصمتها. لذلك يصف نفسه بالمراهق الذي لا يجذب أحدًا، والذي يختبئ مثل "خلد يحفر أنفاق رغبته المستحيلة". الرغبة عنده تجري في العتمة، في الأنفاق، في الخجل. وهنا تبرز الفلسفة النفسية للنص: القبح إحساس ممتد في التاريخ الشخصي، يبدأ من الأم، يمرّ بالجسد، ويصل إلى العلاقة مع الآخرين. كل ما يلمسه الراوي يبدو له نجسًا أو ناقصًا. حتى البيت الزوجي، الذي يفترض أن يكون أعمق مساحات الطمأنينة، يتحوّل إلى فضاء كريه: «أكاد أحدس أي قرف يصيب من يدخلون بيتنا… الروائح الكريهة… الوسخ الذي تحول إلى دبق لزج». البيت في النص انعكاس للقبح الداخلي: وسخ الأم، وسخ الحيّ القديم، وسخ الذات نفسها. كأنّ الماضي يتحوّل إلى مادة حسّية تلتصق بالأثاث، وتنبعث منه رائحة لا تُحتمل.

من هذا المخزون من الاحتقار الذاتي، نفهم لماذا اختار زوجته الفرنسية كما يروي: «انعدام جاذبيتها ربما، بل دمامتها وعمرها الذي يزيد عمري بخمس سنوات، حملتها على الصبر والاحتفاظ بي…». الزوجة هنا أبعد ما تكون عن شريكة بالمعنى الرومانسي، هي استمرار لسيرورة العار. هي نسخة أخرى من الأم: امرأة أكبر سنّاً، ذات حضور سلطوي، تحتضنه مثلما تحتضن الأم ولدها، لا رجلها. لا يحتاج القارئ إلى جهد كبير ليرى أن الراوي اختارها لأنه يعرف أنه لن يحتمل امرأة جميلة، لأن الجمال بالنسبة إليه سُلطة لا يستطيع مواجهتها. يختار امرأة لا تطلب، لا ترفض، امرأة يمكنه أن يختبئ وراء ضعفها، وأن يخفي بؤسه في ظلّ بؤسها. ومع الوقت ينقطع كل اتصال جنسي بينهما، لأن الجنس بالنسبة إليه امتحان للقيمة، يشعر دائمًا أنه سيرسب. فيقول: «كنت قد بدأت أرغم نفسي عليه… وكل منا يخفي سأمه من الآخر». هذا الجسد الذي لا يريده، والذي لا يرغب به، هو أيضًا امتداد لصورتين مخيفتين: صورتها وصورته.

تبدو الزوجة وكأنها تنظر إليه كما تنظر الأم، وتعامله كابن، لا كزوج. وهو يشعر بالامتنان والذنب، الشعورين اللذين رافقاه في طفولته. الامتنان لأن امرأة "احتضنته"، والذنب لأنه عاجز عن ردّ هذا الاحتضان بما يكفي. لذلك، كل ما يفعله الراوي معها محكوم بتلك النظرة القديمة: "أنت لا تستحق". والبيت الذي يعيش فيه معها، بكل روائحه وأوساخه، يبدو كأنه استمرار مباشر لحيّ سليم مسعد.

تبدو الهوّة بين الأب وأبنائه كأنها نتيجة طبيعية لانقطاعه عن نفسه. كيف سيمنح أولاده لغة وهو لا يملك لغة يسكن فيها؟

ثم يأتي الأبناء، ليكشفوا الوجه الأكثر إيلامًا لهذا التمزّق. لا يستطيع الراوي أن يكون حاضرًا في حياتهم. يعودون من المدرسة وهو في العمل، يدخلون غرفهم وهو يهرب إلى الخارج. يخجل من لغته العربية أمامهم، ومن ماضيه، ومن صوته، ومن يديه. اللحظة التي يسخر فيها الابن منه حين يسأله عن لبنان، هي لحظة ذروة في الرواية: الابن لا يرى في أبيه تاريخًا، بل يرى فيه غريبًا يحمل حكاية لا تستحق الاهتمام. هنا ينكسر الأب تمامًا. فالابن الذي يفترض أن يرمّم الأبوة، يتحوّل إلى مرآة جديدة للقبح. يسأل الابن: «أهذا هو بلدك؟» وكأنه يقول: أهذا هو أنت؟

تبدو الهوّة بين الأب وأبنائه كأنها نتيجة طبيعية لانقطاعه عن نفسه. كيف سيمنح أولاده لغة وهو لا يملك لغة يسكن فيها؟ كيف سيعطيهم صورة للهوية وهو يرى هويته وصمة؟ الأب الذي لم يتصالح مع أمه، والذي كره جسده، والذي اختار زوجة تشبه أمه، لا يستطيع أن يكون أبًا. يقف طوال الرواية على أرض رخوة، حيث كل خطوة هي سقوط في الماضي. لذلك يشعر أنه «أصغر من الأبوة»، وأنّ أبناءه يتقدّمون في الحياة فيما هو يعود إلى الطفولة.

الرواية تغوص بسرد هذه العلاقات الشائكة فتقدّمها كمدخل لتحليل فلسفي عن القبح والجمال. فالقبح هنا بنية للوعي السردي انطلاقًا من اللاوعي. الأم تجمع بين القبح والصوت الفظّ والمشهد البدائي للولادة. الزوجة تحمل قبحًا آخر: قبح العلاقات المتآكلة، قبح الاعتياد، قبح النزف البطيء في الحياة الزوجية. الأولاد يضعون الأب أمام قبحه الداخلي. البيت نفسه يتحوّل إلى فضاء مادي للقبح، كأنّ التاريخ الشخصي يقطر من جدرانه. ومع ذلك، في هذا التراكم، يولد الجمال الأدبي. يولد نصّ يواجه منطق المجتمع، يفكّك كل أوهامه.

هذا ما فعله الأدب العالمي حين اشتغل على الكبت الجسدي والقبح كقوة تكوين: دوستويفسكي جعل القبح نافذة على الروح، وكافكا حوّل التشوّه إلى استعارة كونية، ودوراس أعادت صياغة أمّها القاسية لتكتب أجمل نصوصها. وفي الأدب العربي، نجد هذا عند منيف، الطيب صالح، وإميل حبيبي، الذين كتبوا عن المدن القبيحة والهزائم المكسورة. لكن أبو سمرا يذهب أبعد: فالقبح عنده ليس سياسيًا ولا اجتماعيًا فقط، بل جسدي، أمومي، بيولوجي، حميمي. لا يكتب عن قبح العالم، بل عن قبح البيت، الغرفة، السرير، الجسد، الصوت.

جمال الأدب يتبلوّر بين هذه الصفحات: جمال قاسٍ، غير مطواع، جمال ينفر القارئ ثم يجذبه. إنه جمال الصراحة، جمال كشف الطبقات الداخلية بلا رحمة. لأنّ الجمال، كما يقدّمه أبو سمرا، ليس نقيض القبح، بل قدرته على الاعتراف به. الجمال ليس الصورة المثالية للأم، بل القدرة على القول إنّ الأم قد تكون مخيفة. ليس الزواج المتوافق، بل القدرة على رؤية هشاشته. ليس الأبوة الناجحة، بل القدرة على المواجهة، شبه المواجهة، أو ربما الاستسلام التام.

كلمات مفتاحية
حيدر الغزالي

حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب

تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

قصائد حسن عامر.. عن النسيان الدرامي ومواجهة مسرحة الحياة

قراءة في تجربة الشاعر حسن عامر

book-web-sawt.jpg

"الأرض التي ملكت قلبي" .. محاولة غير مقنعة لتكريم أبطال لم يتوقف عندهم التاريخ

مراجعة رواية "الأرض التي ملكت قلبي" للكاتب المصري محمد المشد

ارتفاع أسعار السجائر
مجتمع

إمبراطورية التبغ في مصر: أسعار تشتعل وضرائب تتضخم

شهد المدخنون في مصر صدمة جديدة، اليوم الخميس، بعد إعلان شركة "اليابان الدولية للتبغ" (JTI) عن زيادة رسمية في أسعار منتجاتها من السجائر التقليدية ب

الجيش السوري
قول

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

نوتنغهام
رياضة

إقالتان في يوم واحد.. توتنهام يتخلى عن توماس فرانك ونوتنغهام يطيح بشون دايتش

في يوم واحد فقط، أقيل مدربان من قيادة فريقيهما في البريميرليغ، في مؤشر على تخبط إداري واضح بالدوري الإنجليزي

أوروبا
مجتمع

تربية الأبناء في أوروبا.. عن التحديات التي يخوضها العرب في الغربة

تخوض العائلات العربية المقيمة في أوروبا معركة دائمة لتربية الأبناء والبنات