الربيع العربي.. عودٌ على بدء؟

الربيع العربي.. عودٌ على بدء؟

لافتة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي (Getty)

بعد ثماني سنوات من ثورات الربيع العربي استطاعت قوى الثورة المضادة أن تعزز مواقعها في مصر. ليتابع اليوم المشاهد العربي عمومًا، والمصري خصوصًا، تداعيات الفضائح التي تتوالى على لسان رجل الأعمال المصري محمد علي، والردود الهزلية التي تأتي على لسان الرئيس السيسي.

الحقائق التي يكشفها المقاول المصري محمد علي تعطي مثالًا صارخًا عن الطابع المافيوي الذي تقاد به الأمور في دائرة السلطة المصرية

 وإذا أردنا أن نقيّم الموقف بناء على المعطيات المعروضة أمامنا، يتوجب علينا أن نعيد طرح السؤال التالي: من هو محمد علي؟ 

اقرأ/ي أيضًا: للمرة الأولى.. السيسي يرد على محمد علي دون التطرق لفقر مصر!

تفيد المعلومات التي يؤكدها محمد علي نفسه، بأنه مقاول عمل لصالح مؤسسة الجيش منذ 15 سنة، وبالتالي فهو مستمر في علاقته مع هذه البنية منذ عهد حسني مبارك مرورًا بعهد الإخوان المسلمين الذي شغل فيه الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي منصب وزير الدفاع، وبقي يعمل مع هذا الكيان بعد إطاحة الأخير بالرئيس الأسبق محمد مرسي.

من هذه الزاوية نستطيع القول أن ما حدث ليس مجرد كشف للحقائق، بل إعطاء مثال صارخ عن الطابع المافيوي الذي تقاد به الأمور في دائرة السلطة في مصر، بدلالة نوعية الخلاف، فمما لا شك فيه أن محمد علي قد قام بأعمال مشابهة في عهد الرئيس حسني مبارك، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار أن السيسي وماكينته الإعلامية قد وصلت إلى ترسيخ قناعة بأن ثورة "25 يناير" هي مؤامرة، وبالتالي تكون مهمته هي إعادة الأمور إلى نصابها الأول. غير أن الفرق بين الحالتين بأن رئيس المافيا في ذلك الوقت كان أكثر حنكة ومقدرةً على عدم السماح لمثل هذه الفضائح أن تحدث.

لكن ما الذي فعلته وتفعله فيديوهات محمد علي رغم أنها تؤكد المؤكد؟ في الحقيقة إن الأثر الذي تتركه هذه الفيديوهات، والانتشار الساحق الذي حققته، والتداول السريع لوسم "#كفاية بقى يا ياسيسي" وما تلاه؛ يساهم في إعادة صياغة اللا شعور السياسي، لدى الشارع المصري، بوصفه المفهوم الذي يحكم الظاهرة السياسية، بما تقدمه من إمكانية إحداث ترابطات بين أفراد المجتمع، وبالتالي تؤثر في ما يقومون به، من خلال تأسيسه لعلاقات سياسية اجتماعية،  كما قدمه الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي"، وذلك بعد أن استطاع نظام السيسي أن يُقزّم مفعول هذا المفهوم من خلال ابتزازه للشارع المصري عبر مقولة الإرهاب، ومن خلال ممارسته لإرهاب الدولة على نطاق واسع، ضد قوى المجتمع الحية.

وبالتالي فهي تتيح إمكانية إحداث شرخ في المخيال الاجتماعي الذي استطاع النظام المصري تكريسه وتأطيره خلال الفترة الماضية، من خلال الوعود الرنانة التي أطلقها رأس النظام في بداية عهده، وتنازله السريع عنها لكن بطريقة مبرمجة، بالتأكيد على مَواطن الضعف في الاقتصاد المصري، وتكريس فكرة "إحنا فقرا أوي"، وتقديم نفسه بصورة البطل الذي يعيد بناء كل شيء من جديد. 

ليتضح ومن خلال هذه الفضائح، أن ما يبنيه لا يعدو أن يكون هدمٌ لما سبق، وإعادة بنائه من جديد دون إجراء أي تعديلات عليه، ببناءٌ للقصور على أنقاض قصور نظام حسني مبارك البائد، وبناء للسجون، وحفر قناة سويس جديدة موازية للقناة السابقة تشير جميع التقارير بأنها لم تحدث فرقًا نوعيًا على الصعيد الاقتصادي، ومقبرةً لأمه.

كما أن نجاح الثورتين السودانية والجزائرية بتكريس حق التظاهر وفاعلية هذه الأداة الثورية، وقيام انتخابات رئاسية في تونس بصورة لم يسبق لها مثيل في العالم العربي؛ يؤكد حتمية حدوث هذا الشرخ في المخيال الاجتماعي للشارع المصري، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن جميع هذه الأحداث تحدث في فضاء الوعي المحسوس للمشاهد المصري.

كل ذلك يؤكد على ضرورة التعامل بجدية مع الدعوة التي أطلقها محمد علي للتظاهر يوم غدٍ الجمعة، وضرورة اغتنام الفرصة، خصوصًا وأن القوى الداعمة للثورات المضادة اليوم، والمتمثلة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والنظام الإيراني، في وضع لا يحسدون عليه.

يتضح من الفضائح التي كشفها محمد علي أنّ ما يبنيه السيسي لا يعدو كونه هدم لما سبق وإعادة بنائه من جديد دون إجراء أي تعديلات عليه

ويضاف إلى ذلك، أن التأكيد الساذج الذي أطلقه الرئيس السيسي "الدكتاتور المفضل لدى الرئيس ترامب"، بأن بناء الدولة مقترن ببناء القصور والمقابر، قد استثار في اللا شعور السياسي المصري، قصيدة الشاعر زين العابدين فؤاد التي غناها الشيخ إمام: "شيد قصورك ع المزارع".  

 

اقرأ/ي أيضًا:

#كفاية_بقى_ياسيسي يتصدر عالميًا.. ودعوة لمظاهرات لساعة واحدة فقط!

رحلة السيسي للبحث عن جهازٍ أمني من أبنائه