ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

الراي والقناوة والمزود والشاوي: موسيقى المقاومة والتمرّد في المغرب الكبير

3 سبتمبر 2025
موسيقى المغرب الكبير (شبكات تواصل اجتماعي)
موسيقى المغرب الكبير (شبكات تواصل اجتماعي)
سلمى قويدرسلمى قويدر

تتجاوز الموسيقى في بلدان المغرب الكبير بُعدها الجماليّ العامِ للتحول إلى تجلًّ ثقافيّ. لهذا تغدو – مع مرور الوقت – وسيلة قوية للحفظ، وترسيخ الهوية والمقاومة.

في هذه المنطقة الجغرافية الّتي تضمّ باقةً منوّعةً من الثّقافات والانتماءات، تتجاوز وظيفة الموسيقى كلّ الحدود وتتحوّل إلى فعلِ تحدٍّ حقيقيّ في وجه الظّلم، القهر، الكبت والسعي تجاه الطّمس الثقافي.

من خِلالِ أنماطٍ موسيقية متنوّعة كالرّاي، القناوة، المزود التّونسي، والطّابع الشّاوي، تجسّد الأنغام الشّعبية المغاربية منذ عقود، نضالات أفرادٍ وجماعات حملتها دائمًا على المستويات الاجتماعية، والسّياسية والرّوحية أيضًا، ويتجذّر كلّ نمط موسيقي من هذه الأنماط في سياقاتٍ تاريخيةٍ خاصّة، ليشكّل وسيلة تعبيرٍ تُمكّن الجماعات المهمّشة أو المُضطهدة من إثبات وجودها، نقل صورتها الجمعية، ومواجهة الرّوايات السّائدة عنها.

في هذه المنطقة الجغرافية الّتي تضمّ باقةً منوّعةً من الثّقافات والانتماءات، تتجاوز وظيفة الموسيقى كلّ الحدود وتتحوّل إلى فعلِ تحدٍّ حقيقيّ في وجه الظّلم، القهر، الكبت والسعي تجاه الطّمس الثقافي

من هنا، يُعدّ تناول الموسيقى كفعل نجاةٍ في المغرب الكبير – بمثابة استيعاب لثراء تراثٍ صوتيٍّ – تتداخل فيه الآلام مع الأمل، والتّمرّد مع الاحتفال، والذّاكرة مع المستقبل، كما أنّها اعتراف بصدى حيّ لشعوب متجاورة، رغم الضّغوطات التّاريخية والمعاصرة.

_____

الرّاي: بين الاحتجاج الاجتماعي والتّحرّر 

ولد الرّاي في غرب الجزائر، في منطقة وهران وما جاورها من مدنٍ، وهو ينتمي في أصله إلى تقاليد الشّيخات والشّيوخ الذين برزوا خلال  عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حيث غنّوا نصوصًّا شعبية جمعت بين الحبّ والمعاناة، الثّمالة والتهميش.

استمدّ الرّاي أصوله من الموسيقى البدوية، وتأثّر بالألحان الأندلسية، والإيقاعات الإفريقية والأوروبية منذ بداياته، كما حمل علامات التّمرّد على الأعراف الأخلاقية والاجتماعية والدّينية، لأنّه منح صوتًا للفقراء، الشباب، المهمّشين، والنّساء.

خلال السّبعينيات والثّمانينيات، ومع ظهور أسماء مثل الشاب خالد، الإخوة زرڨي، الشابة الزهرة والشيخة الريميتي، الشاب عبد الحق والشاب مامي، والشاب حُسني، وغيرهم الكثير، أخذ الراي بُعدًا آخر مع دخول موسيقى الروك والآلات الحديثة وتأثيرات البوب أيضًّا، ومن هُنا، تحوّل إلى موسيقى تحاكي ذوق الشّباب الجزائري وأسلوبه.

غنى هؤلاء عن الحبّ المحرّم، عن الجنس واليأس، عن البطالة والمخدرات، وحتى عن الملل والمشاكل النفسية، وقد كانت هذه الأمور من محظورات مجتمع محافظ لا يدرك ماهيته، تحت رحمة السياسة، وتسلّط الأعراف والدّين، مع ذلك، استمر الرّاي في المقاومة والثبات حتى وصل إلى العالمية.

مع وصوله إلى أوروبا، أصبح الراي خلال التسعينيات متنفسًا للشتات الجزائري، مُعبرًا عن الاغتراب، والعنصرية والضياع في الهوية، لكنّه جسّد أيضًّا إرادة الحياة الحُرة، ومن خلال إيقاعاته الراقصة، مثّل شكلًا من أشكال العصيان المبتهج ومجالًا للتحرر الجماعي.

لا يُمكن اختزال موسيقى الراي إذن في كونها مجرّد فنّ شعبيّ؛ لأنّه لطالما كان الراي مُتنفّسًا للاحتجاج ووسيلة للتحرّر، وحمولةً كبيرة من أصوات المهمّشين، الشّباب الباحثين عن مستقبل أفضل، والنّساء اللّواتي كسرن جدار الصّمت المفروض عليهن من خلال غنائه.

مع وصوله إلى أوروبا، أصبح الراي خلال التسعينيات متنفسًا للشتات الجزائري، مُعبرًا عن الاغتراب، والعنصرية والضياع في الهوية، لكنّه جسّد أيضًّا إرادة الحياة الحُرة، ومن خلال إيقاعاته الراقصة، مثّل شكلًا من أشكال العصيان المبتهج ومجالًا للتحرر الجماعي

لقد حوّلت هذه الموسيقى الألم إلى غناءٍ، والتمرّد إلى نغماتٍ، كما أنّ رحلته من هوامش الجزائر إلى العالمية برهنت على قدرته على تجاوز الحدود ومخاطبة العالم.

القناوة: شواهد العبودية وإيقاعات التحرر

أخذت موسيقى القناوة  المنتشرة في المغرب والجزائر وأنحاء متفرقة من المغرب الكبير، جذورها من التاريخ المؤلم للعبودية عبر الصحراء الأفريقية الكُبرى. فالقناوة هم أحفاد الأفارقة بجنوب الصحراء والذين نُقلوا قسرًا من أوطانهم إلى حالة العبودية.

تجذّرت موسيقى القناوة في الرّوحانيات الصّوفية وبعض التّقاليد والممارسات غير الاعتيادية، حيث أصبحت ترنيمة للذّاكرة والتّحرر، ووسيلة لتجاوز الألم واستعادة الكرامة والتّنفيس عن عذابات الرّوح والجسد.

تُعزف هذه الموسيقى بواسطة آلة القمبري (آلة ذات ثلاثة أوتار)، والقرقابو  (مصفقات معدنية)، إضافة إلى الطبول القوية، كما ترافقها مراسم التلبس أو "الحال والجدبة"، وهو نوع من الغيبوبة الروحية، وقد تتم خلالها جلسات استحضار، ابتغاءً للشفاء من الأمراض النّفسية والجسدية.

لا تقتصر هذه الممارسة الروحية على العلاج فقط، بل هي حالة تحرّر أيضًّا، فمن خلال إنشاد تاريخ استعبادهم والرقصات والحركات والممارسات العنيفة أحيانًا، يحيي القناوة ذاكرة ضدّ النّسيان لتصبح الموسيقى أداة لاسترداد الذات وتأكيد الهوية.

في المغرب، وبفضل أسماء مثل حميد القصري ومهدي قاموم، وانطلاق مهرجانات مثل مهرجان القناوة في الصويرة، حظيت هذه الموسيقى باعترافٍ عالمي، حيث تتمازج أحيانًا مع الديوان أو أنماط محلية أُخرى لتشكل تعبيرًا موسيقيًا فريدًا يجمع بين الجذور الأفريقية والتأثيرات المغاربية.

في المغرب، وبفضل أسماء مثل حميد القصري ومهدي قاموم، وانطلاق مهرجانات مثل مهرجان القناوة في الصويرة، حظيت هذه الموسيقى باعترافٍ عالمي

أمّا في الجزائر ، فتظهر آثار هذا الإرث بشكلٍ خاص في مناطق الغرب والجنوب الغربي، كبشار وتندوف، وفي الشرق عبر من يسمونهم ب"لخوان" أو "الوصفان" في قسنطينة، حيث حافظت أخويات وعوائل  القناوة على طقوسها لعقود عديدة.

هكذا، لا تقتصر موسيقى القناوة على كونها أحد أشكال الفنون الصوفية الروحانية فحسب، بل هي فعل مقاومة، وصمود أمام تاريخ الاستعمار والعبودية، ومساحة لاسترداد صوت المقهورين.

المزود: صوت شعبيّ من عمق تونس

يعدّ المزود من الأنماط الموسيقية الأكثر رمزية في تونس الشّعبية، ولطالما كان هذا الفنّ محطّ ازدراء من قِبل النُّخب وتم تهميشه في الدّوائر الرّسمية، لكنّه مع ذلك يمثّل الصّوت المسموع للطّبقات العاملة، والأحياء الحضرية والرّيفية المحيطة، ولأولئك الّذين يُطلق عليهم – غالبًا – "المغيّبون" في المجتمع التونسي.

يأتي اسم هذا النّمط من الآلة الموسيقية الأساسية التي ترافقه. فالمزود هو مزمار تقليدي يُصنع يدويًا من جلد الماعز وتتّصل به أنابيب من القصب، ويُصدر صوتًا قويًّا، فريدًا، ومُلِحًا.

بعد ثورة 2011، استعاد المزود زخمًا جديدًا. وقد أصبح في الوقت ذاته رمزًا للهوية ووسيلة للتّعبير عن الحرية. كما كان شاهدًا على حاجة عميقة للاعتراف الثّقافي والاجتماعي.

في تونس، يمتزج المزود أحيانًا مع موسيقى الرّاب والإضافات الإلكترونية، وكذلك الريغي في مشاريع فنية مبتكرة، مع حفاظه على وظيفته الأساسية: أن يكون صوت من لا صوت لهم.

يعكس المزود في وضوح: كيف يمكن لموسيقى شعبية متجذرة في التّقاليد أن تتحوّل إلى شكل من أشكال المقاومة الفنية؟ أو لغة احتجاجية مسموعة، ومساحة لإعادة بناء الهوية في مجتمع ينتقل بسرعة بين الانقلابات التاريخية.

بعد ثورة 2011، استعاد المزود زخمًا جديدًا. وقد أصبح في الوقت ذاته رمزًا للهوية ووسيلة للتّعبير عن الحرية. كما كان شاهدًا على حاجة عميقة للاعتراف الثّقافي والاجتماعي

هناك شخصيات بارزة مثّلت موسيقى المزود في تونس، أمثال الهادي حبوبة، فوزي بن قمرة، فاطمة بوساحة، وسمير لوصيف.

نجح هؤلاء وغيرهم في تحويل المزود إلى سجلّ اجتماعيّ حقيقي، حيث تناولت أغانيهم معاناة المهمّشين، والمآسي العائلية، أو عنف الحياة اليومية، وأيضًّا الحب والشّرف، وذلك عبر لغةٍ شعبية نابضة سهلة الوصول.

الموسيقى الشاوية: ذاكرة الثوّرة وصوت الشّباب

في أعالي الأوراس؛ المنطقة التاريخية شرق الجزائر، يتردّد صدى موسيقى مكثفة، عضوية: الموسيقى الشّاوية  الأمازيغية. 

تمثّل هذه الموسيقى الموروثة من التقاليد الأمازيغية القديمة التي تمتد لآلاف السنين، التجسيد الصوتي للمقاومة والكرامة والتمسك الشديد بالأرض. فهي تعتمد بشكل رئيسي على إيقاع البندير (طبلة الإطار)، وأحيانًا ترافقها القصبة (ناي من القصب)، وهي تستند إلى أناشيد قوية، غالبًا ما تكون أُحادية اللحن، تعبّر عن مشاعر عميقة.

الموسيقى الشاوية ليست مجرد فن؛ بل هي شكل من أشكال البقاء الثقافي.

خلال فترة الاستعمار الفرنسي، كانت وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وقصص البطولة، والدعوات للمقاومة.

خلال حرب التحرير في الجزائر، استغل فنانون مثل عيسى الجرموني وبقار حدّة وعلي الخنشلي الغناء لتمجيد شجاعة المجاهدين، ولإدانة الظلم، ولنقل رسائل مشفرة بين قرى الأوراس، حيث لم تنفصل هذه الموسيقى عن النّضالات، وتُعزف في المناطق الجبلية، والخيام، والتجمعات السرية.

بعيدًا عن دورها السّياسي، عكست الموسيقى الشاوية كونية خاصة مرتبطة بدورات الفصول، والطّقوس الزراعية، والعلاقات الاجتماعية في المجتمع.

تناولت كلماتها ثيمات الغربة، والمعاناة، وأيضًّا الحبّ والتضحية والطبيعة القاسية.

خلال فترة الاستعمار الفرنسي، كانت وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وقصص البطولة، والدعوات للمقاومة

ساهم فنانون مثل حورية عيشي، ديهيا، ماسينسيا في نشر هذه الموسيقى خارج نطاق الجبال. كما دمجت بعض الفرق الشبابية هذا التراث مع الروك أو الموسيقى الإلكترونية وحتّى الميتال مثل لي باربار، إيوال، تافريكت ونوميديان كيلين ماشين، مع الحفاظ على روحها. ولا يزال الغناء الشاوي في المخيلة الجمعية الجزائرية صوت الفخر، والعصيان، والأصالة.

فعل المقاومة في الموسيقى المغاربية

من خلال الرّاي، القناوة، المزود والموسيقى الشّاوية، تتجلّى قصص التّهميش والمعاناة، وأيضًا قصص الشّجاعة والصّمود، لأنّ كلّ نمط من هذه الأنماط يمثّل شكلًا خاصًا من أشكال الاحتجاج، سواء كان اجتماعيًّا، سياسيًّا، ثقافيًّا أو روحيًّا.

تعكس هذه الموسيقات المغاربية التي غالبًا ما تنبع من الأوساط الهامشية، دورا محوريًّا في الإبداع وفي بناء الهويات لمواجهة تحديات الماضي الاستعماري والواقع المعاصر.

إنّ دراسة الموسيقى كفعل مقاومة في المغرب الكبير تسمح بفهم جزئية مهمّة من التاريخ الثقافي لهذه المنطقة. كما تعني إدراك قوة شعوب متجاورة متداخلة الثقافات، تقاوم الطمس وتواصل النّضال عبر الفن، ومن خلال أناشيدها ورقصاتها وطقوسها، تطالب بلا هوادة بحريتها وحقها الكامل في الوجود.

كلمات مفتاحية
سوزان ساراندون في مهرجان البندقية السينمائي الدولي عام 2026.

سوزان ساراندون: ما زلت أخسر أدوارًا في هوليوود بسبب موقفي من غزة

وقالت ساراندون: "ما زالت أفلام تُسحب مني حتى وقت قريب، لأن هناك وكالات لا تزال تطلب من الناس عدم توظيفي"، قبل أن تضيف: "لكن هذه هي بنية السلطة"

فدوى روحانا

عين على فلسطين

ربما ما يشدّ فدوى روحانا إلى الصورة ليس الحدث نفسه، بل ما يسبقه: لحظة الترقّب الصامتة، ذلك الكمون الذي تستقرّ فيه اللحظة داخل الزمن قبل أن تتكشّف في العدسة

أديب شماس

عن ناسك يبحث عن جائعين يطعمهم

يكتب في هذا العدد أديب الشماس، ابن وادي النصارى. بدأ طريقه في دراسة اللاهوت ثم غادره، لكن الأديرة لم تغادره تمامًا

مراكز البيانات
علوم

طفرة مراكز البيانات تهدد العالم بـ"تسونامي" من النفايات الإلكترونية

يهدد سباق بناء مراكز البيانات المختصة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج كميات هائلة من النفايات الإلكترونية السامة، قد تصل إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها الحالية خلال السنوات الـ25 المقبلة

نتنياهو
قول

الصهيونية التصحيحية.. كلمة السر في عقيدة بنيامين نتنياهو

إن الإبادة الجماعية لم تكن انحرافًا أتى به متطرفو هذا العصر كما يحاول البعض الترويج، بل كانت، ولازالت، جزءًا من الفكرة الصهيونية نفسها، نتيجة حتمية لكُرة الثلج

حيوانات
مجتمع

ماذا يخبرنا إيذاء الحيوانات عن مجتمعاتنا؟

السلوك قد يبدأ بأذية حشرة، ثم يتطور إلى ضرب القطط وركلها، أو رمي الحجارة على الكلاب وربطها، وقد يمتد في بعض الحالات إلى العلاقات العاطفية، وتعنيف الشريك وممارسة العنف الأسر

سيارات كهربائية
أعمال

كيف أبطأت سياسات ترامب نهضة مصانع السيارات الكهربائية في أميركا؟

التراجع الأميركي عن دعم صناعة السيارات الكهربائية قد يجعل الشركات الأميركية أقل قدرة على المنافسة في سوق عالمية تتجه نحو مزيد من الاعتماد على التكنولوجيا الكهربائية