الراء الفاصلة بين مصيرين

الراء الفاصلة بين مصيرين

منذر جوابرة/ فلسطين

في السير بين الأخ والآخر، أنت تحول الوردة إلى قنبلة، والشجرة الواحدة إلى معارك كثيرة، والأرض إلى تربة شك.

في السير بين الأخ والآخر يصير التاريخ مجرد سيرة دامية، ويصير العبث، الغائية الوحيدة التي تحكم الوجود.

من قال إني أخوك؟ إطلاقاً! أنا آخرك، وأنت الجثة التي تتحرك أمامي، مقلقة مناماتي التي لم تبدأ بعد.

مع أن فمك يشبه فمي، ورمشك يرتعش في حضرة الشمس مثل رمشي، ويدي ترتعش في غيابة الجبن مثل يدك، وفزعك يسلك مسلك فزعي، ومواطن لذائذك هي مواطن لذائذي، وإشراقة الفرح في عينيك، تضيء عيني، حتى أن ضحكتك تنتشر على وجهي، وبكاؤك يهزّ كياني، ويصيب عيني.

الطبيعة التي تتحدث فيك، هي طبيعتي التي تنصت إلى نفسها.

أنهاري تولد من مياهك، بحاري تلتقي ببحارك، أرضي تشبه أرضك، هوائي يأتي من نوافذك، وألمي هذا الماثل في رعشة الجسد مثل مطلق وحيد، هو ألمك، ألمك أنت.

أرأيت وجهينا تحت قوس الألم كم تشابها؟

حين اختلجت شفاهنا غابت القسمات - قسماتنا أنا وأنت – وولدت حركة واحدة، تقود التغضّنات إلى شكل واحد، شكل أبديّ، للوجع، للحياة.

إذًا ما لذي يهب يدي كل هذا التوق، لشحذ الحديدة إلى سكين، والمدى إلى مُتنَـزَّه قذيفة! من؟

من الذي يدسّ تحت جلدي نار الكراهية، وتحت جلدك جمرة الحقد؟

من الذي يضعنا مثل قطارين متقابلين على سكّة واحدة، ويعطي الفولاذ كل الحق، في قيادة الروح تحت عنجهيّته إلى بؤسها؟ من؟

الحديد الجائع إلى كلينا، أنا وأنت آخري، أنت وأنا آخرك، يعمينا.

الحديد يغلق منافذ الروحين على مكيدته، الحديد يشحذنا؛ لنتضرَّع إلى إلهينا، أنا أتضرّع إلى إلهي أن يمحقك، وأنت تتضرّع إلى إلهك أن يمحقني، أنا أصلّي، وأدعو الله لينتقم منك، وأنت تصلّي، وتدعو الله لينتقم منّي!

الحديد الذي يقود كوكبنا، في متاهة تناسله ونمائه، الحديد الكائن القادم من كوكب الشرر، إلى مسيرة الشرّ، الحديد الذي يستعمرنا كلانا؛ لنرويه من دمنا، ونطعمه من لحم أطفالنا، ويجندنا لنطوّح عن طيب خاطر، عوالمنا الهادئة على أعتاب مدنيته، الحديد الماثل في دروبنا، كتهديد أبدي.

*

 

راء بائسة بين الأخ والآخر، راء ينحدر العقل المظلم عليها إلى حضيضه، ليرتعد بين هلاكين، فنائه وفناء العالم.

راء واحدة تشعل كل هذه الحرائق، وتصيّر الأخ آخرَ، قابلًا لكل أشكال سوء الفهم، وسوء العاقبة، راء الرؤية التي تكتشف بصيرة الفولاذ المسنون، وهو يشق الدروب في مخمل البشرية، راء تظل الحربة التي تجر الخاء إلى دمارها.

يوم دخلت على قابيل، ذبح الأخُ الأخَ! افتعلت حربًا بين أخوين، يوم صيّرتهما آخرين.

راء كالرحى، يقطر منها الرعب، الرجم، الريبة، الرهبة، الرجس، الرعد، الردى... إلخ.

أين يجد الفولاذ كتابًا أبلغ من الراء؛ ليتزود به؟

 

اقرأ/ي أيضًا:                           

آثار جانبية.. ديون قديمة

موت آخر ونلتقي