الرئيس الذي لا يمرض

الرئيس الذي لا يمرض

روزفلت مع ابنته (Getty)

ما الذي يجعل من رئيس قوي مثل روزفلت الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية من 1933 حتى وفاته 1945 مصرًّا على إخفاء مرضه عن شعبه طيلة فترة رئاسته؟ وأنه طيلة تلك الفترة كان يتنقل على كرسي متحرك، إلا أنه لم يظهر ولا مرة واحدة أمام شعبه على ذلك الكرسي المتحرك، ومع ذلك فقد فوجئ الأمريكان أنه مات!

عادة يذهب الرأي إلى أن الرؤساء في الدول غير الديمقراطية يخفون أمراضهم على شعوبهم نتيجة انعدام وجود مؤسسات ديموقراطية تسيّر أمور البلد

عادة يذهب الرأي إلى أن الرؤساء في الدول غير الديمقراطية يخفون أمراضهم على شعوبهم نتيجة انعدام وجود مؤسسات ديموقراطية تسيّر أمور البلد، الأمر الذي يعني أن الرئيس هو الذي يقرر كل شيء في الدولة ما يجعله مثل إله لا يمرض! لكن ذلك وإن كان صحيحًا إلا أنه لا يفسر قيام رؤساء في بلدان ديمقراطية ومؤسساتية بإخفاء أمراضهم، أو التقليل من شأنها لو تم كشفها.

اقرأ/ي أيضًا: شيفرة حافظ الأسد

قبل روزفلت حكم ويلسون (الرئيس الثامن والعشرون للولايات المتحدة) من 1919 حتى وفاته بسكتة دماغية، إلا أنه قبل سنتين من وفاته لم يعد يستطيع الحكم، فحكم عبر زوجته التي اتخذت دور الوسيط بينه وبين مستشاريه وحكومته وشعبه.

بعضهم مات ولم يتم الإعلان عن وفاته مثل شارون (الزعيم الصهيوني) إلا بعد 8 سنوات!

عندما تولى الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران الحكم كان مريضًا وقد توقع الأطباء أنه سيموت خلال 3 سنوات، إلا أنه استمر رئيسًا لمدة 15 سنة، حتى توفي بعد انتهاء فترته الرئاسية الثانية، ولم يعلن عن مرضه. وكذلك فعل الرئيس الفرسي جورج بومبيو الذي توفي بسبب مرضه بالسرطان عام 1974 ولم يعلن عن مرضه أيضًا.

لم يكن أحد يتوقع أن الرئيس الأمريكي الشاب جون كينيدي (34 عامًا) يمكن أن يكون مريضًا، إلا أنه كان يتناول ثمانية أنواع من الأدوية خلال اليوم الواحد، فقد كان مصابًا بمرض "اديسون"، وكان مرضه مميتًا لذلك استلزم عناية طبية بدون توقف، مع هذا فقد تم التعامل مع مرضه بأقصى درجات السرية.

من عاصر فترة حكم حافظ الأسد من السوريين يدرك أنه كان مريضًا بعدة أمراض: سكر، قلب، سرطان... وأنه في العام 1984 عين ثلاثة نواب له نتيجة مرضه، والسوريون يعرفون أن الحديث عن مرض الرئيس يعتبر حديثًا في السياسة ما يعني أنه من المحرمات، لذلك كان حديثهم عن مرضه مشوبًا بالسرية كحديثهم عن طغيانه. وخلال فترة مرضه كان يظهر دومًا بمظهر القوي الذي لا يمرض، لذلك كان مرضه مخفيًا ولم يتم الإعلان عنه رسميًا. فالأسد لا يمرض!

قبله مات جمال عبدالناصر بجلطة في الشريان التاجي 1970، وكان قبلها مريضًا بالتهاب أعصاب وبتصلب في الشرايين وبالجلطة التي أصيب بها عام 1969 ومات بسببها، إذ أنها عاودته 1970، وكل تلك الأمراض كانت مخفية ولم يتم الحديث عنها. من يصدق أن عبدالناصر يمرض؟

من القصص المرضيّة المستمرة إلى الآن هي قصة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، فقد كان مريضًا بالعديد من الأمراض منها: التهابات المعدة وحصى في المرارة وغيرها... إلا أنها لم يتم الإعلان عنها حتى مات الزعيم، بشكل غامض،  في إحدى مشافي فرنسا. السلطة الفلسطينية تتهم إسرائيل بقتله، إلا أن حجة إسرائيل كانت حاضرة وهي أنه كان مريضًا طيلة الوقت وأن أمراضه كانت مميتة وقد توفي بسببها. وحتى الآن لم يتم الإعلان عن السبب الحقيقي لوفاته.

لطالما غاب الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين عن الوعي، ولطالما عولج في الاتحاد السوفييتي (سابقًا) فقد كان مصابًا بنوع خاص من سرطان الدم، ولم يعرف الشعب الجزائري عن ذلك شيئًا.

كان هواري بومدين مصابًا بنوع خاص من سرطان الدم، ولم يعرف الشعب الجزائري عن ذلك شيئًا

ولم نزل نعيش، على نحو ما، أحداث الثورة الجزائرية التي أطاحت بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي حكم طويلًا على كرسي متحرك، لم يستطع التحرك ولا التكلم ولا رفع يده للسلام... كان أشبه بجثة على كرسي متحرك، مع هذا، ومع أنه كان يعالج باستمرار خارج الجزائر، إلا أن مستشاريه وفريقه الطبي بقي يقول حتى لحظة خلعه من قبل الثورة أن مرضه هو "مجرد قرحة في المعدة"!

اقرأ/ي أيضًا: دكتاتوريات الإجهاض

ترتيبات توريث السلطة جارية على قدم وساق في البلدان العربية ملكية كانت أم جمهورية. عندما عاد الملك الأردني الحسين بن طلال بعد رحلة علاج إلى الأردن عام 1998 وقد أدرك أن مرضه هو مرض الموت، كان أن عزل أخاه الأمير حسن الذي بقي وليًا للعهد منذ 1965 وعين ابنه الملك عبدالله خلفًا له، في (الساعات الأخيرة) من حكمه وحياته. وكذلك فعل حافظ الأسد، فبعد أن مات وريثه باسل، كان قد رتب أمور الحكم لوريثه الاحتياطي بشار بعد أن أدرك أيضًا أنه سيموت مثل باقي خلق الله! 

صرح ترامب، الرئيس الأمريكي الحالي، أنه: "أفضل الرؤساء صحة في تاريخ أمريكا"، وذلك على خلفية ظهور منافسته هيلاري كلينتون (68 عامًا آنذاك) مترنحة من شدة المرض في أحد الفيديوهات خلال المنافسة بينهما على رئاسة أمريكا. كلينتون كانت مصابة بارتجاج في المخ وبجلطات دموية، مع هذا فقد أعلن فريقها مرارًا أنها تماثلت للشفاء، الأمر الذي استغله ترامب (70 عامًا آنذاك) ليعزف على وتر الصحة البدنية للرؤساء والمرشحين.

أثيرت في الصحافة العالمية مسألة مرض الرؤساء وصحتهم على نحو قوي خلال استقبال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك للرئيس الأمريكي السابق أوباما. وقد بدا الأمريكي في حيوية كبيرة، نزل مدرج الطائرة ركضًا (…) فيما لم يستطع مبارك التقدم خطوة واحدة باتجاهه من شدة المرض والتقدم في السن. مع هذا فقد كان مبارك مصرًا ليس على الرئاسة فقط، بل على توريث السلطة لابنه. وكان يظهر دائمًا مصبوغ الشعر وفي صحة جيدة، فالرئيس لا يمرض!

خلال هذا العام 2019، ظهرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ثلاث مرات وجسدها مرتجف بالكامل. وقد تساءل الألمان والصحافة العالمية عن صحة ميركل وقدرتها على الاستمرار في منصبها. في الثقافة السياسية الألمانية تعتبر صحة المسؤول شأنًا خاصًا، مع ذلك فقد طالبت الصحافة الألمانية أن تعلن ميركل أنها ذهبت للطبيب وأن توضح حقيقة رجفانها. المستشار الطبي لها قال إنه مجرد نقص في السوائل وأن الأمور عادت إلى نصابها، وكانت أكدت المستشارة أنها بعد أن شربت ثلاثة أكواب من الماء عادت صحتها قوية، لكنها بعد ذلك أصيبت، على مرأى العالم، مرتين بالرجفان، دون توضيح القصة الحقيقية لهذا المرض.

عام 1989 خضع المستشار الألماني هلموت كول لعملية جراحية في الوقت الذي سيجتمع فيه حزبه لاختيار زعيم له، وكان أحد منافسيه حاضرًا في الاجتماع الأمر الذي يهدد كول بسحب رئاسة الحزب منه، فما كان منه إلا أن حضر الاجتماع وهو خارج من غرفة العمليات نكاية بمنافسه!

ظهرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ثلاث مرات وجسدها مرتجف بالكامل. وقد تساءل الألمان والصحافة العالمية عن صحة ميركل وقدرتها على الاستمرار في منصبها

وقد اعترف المستشار هلموت شميت في العام 2014: بأمراضه المزمنة وقال: "لم أكن معافى أبدًا بشكل تام". وقد عثر عليه موظفوه مرارًا فاقدًا الوعي في مكتبه، ومع هذا فقد تم إخفاء مرضه على نحو احترافي!

اقرأ/ي أيضًا: المفتي حسون.. تعالوا إلى ذلكم!

لكن يبقى إخفاء روزفلت مرضه هو الأكثر احترافية بين عمليات الإخفاء التي تمت والتي عرفناها، نحن الشعوب المحكومين بمرضى، فاستطاع الحكم 10 سنوات، دون أن يشاهده الأمريكان ولا العالم ولا مرة واحدة على كرسيه المتحرك. 

حتى نعثر على تفسير مقنع لإخفاء مرض الرئيس عن شعبه نبقى مقتنعين أن الرئيس لا يمرض!

 

اقرأ/ي أيضًا:

دبلوماسية الآيس كريم ومصير خفض التصعيد

الاستعمارية وما بعدها