الرئاسات العراقية تحذّر من جرّ البلاد إلى الحرب وسط تصاعد العدوان على إيران
5 مارس 2026
يشهد العراق تصاعدًا في التوترات الأمنية والسياسية مع امتداد تداعيات الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في وقت عقدت فيه الرئاسات الثلاث اجتماعًا في قصر بغداد لبحث التطورات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل العراقي.
ويكتسب هذا القلق الرسمي أهميته في ظل الموقع الجغرافي والسياسي للعراق، الذي يجعله من أكثر الدول تأثرًا بالصراع الحاصل بين إيران وأميركا. فالعراق يحتفظ بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع إيران من جهة، وفي الوقت نفسه يستضيف قوات عسكرية أميركية ضمن التحالف الدولي من جهة أخرى، ما يضعه في موقع حساس بين طرفي الصراع. كما أن وجود فصائل مسلحة عراقية مقرّبة من طهران، إلى جانب القواعد العسكرية الأميركية، يزيد من احتمالات تحوّل الأراضي العراقية إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى المتصارعة.
وفي هذا السياق، تحاول الحكومة العراقية تبنّي خطاب يركز على تحييد البلاد عن المواجهة، إلا أن تشابك المصالح الإقليمية والداخلية يجعل هذا الهدف صعب التحقيق، خصوصًا مع استمرار الهجمات المتبادلة واتساع نطاق العمليات العسكرية في المنطقة.
اجتماع الرئاسات الثلاث في قصر بغداد
في هذا السياق، أفاد بيان للرئاسات الثلاث في العراق بعد عقد اجتماع في قصر بغداد لبحث التطورات في المنطقة وتداعياتها الخطيرة، بحضور رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، ورئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، إضافة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان.
وكان الرئيس السوداني أكد أن الدولة بمؤسساتها هي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم، مشددًا على أن الحكومة ستقف بحزم تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق إلى صراعات إقليمية
وبحسب البيان، ناقش المجتمعون الآليات التي تعتمدها الحكومة لمنع انجرار البلاد إلى أتون الصراعات الخارجية، مؤكدين دعمهم لإجراءات الحكومة في فرض الأمن والاستقرار وحماية سيادة البلاد، إضافة إلى الالتزام بحماية أمن البعثات الدبلوماسية.
وأشار البيان إلى أن الرئاسات شددت على ضرورة الحفاظ على دور العراق المحوري والمتوازن في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
كما جدّدت موقف العراق الثابت برفض استخدام أراضيه منطلقًا للاعتداء على دول الجوار أو تهديد أمنها، معربةً في الوقت نفسه عن رفضها الاعتداءات التي تطال مدن ومحافظات العراق وإقليم كردستان، معتبرةً إياها انتهاكًا للسيادة الوطنية.
وأكدت الرئاسات ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية في المنطقة واحترام سيادة واستقلالية الدول، داعيةً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل للحيلولة دون اتساع رقعة الصراع.
العراق بين ضغوط الحرب وتعدد الجبهات
يأتي بيان الرئاسات الثلاث في وقت تشهد فيه الساحة العراقية توترات متزايدة نتيجة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وانخراط فصائل عراقية مقرّبة من طهران في المواجهة، إضافة إلى استهداف القاعدة الأميركية في أربيل، وقاعدة فيكتوريا بالقرب من مطار بغداد.
كما تتضمن بيانات الفصائل المسلحة، مثل "المقاومة الإسلامية في العراق" و"سرايا أولياء الدم" و"سرايا أهل الكهف"، إشارات متكررة إلى تنفيذ "استهدافات في المنطقة"، من دون تقديم تفاصيل واضحة بشأن وجهة تلك الهجمات.
وفي المقابل، نفذت إيران أيضًا اعتداءات داخل الأراضي العراقية عبر طائرات مسيّرة استهدفت مناطق في أربيل وإقليم كردستان العراق عمومًا، في إطار ما تقول إنه استهداف لفصائل كردية إيرانية معارضة تنشط في تلك المناطق.
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن شخصًا واحدًا قُتل وأصيب ثلاثة آخرون في ضربات إيرانية استهدفت، يومي الثلاثاء والأربعاء، قواعد تابعة لمجموعتين كرديتين إيرانيتين معارضتين مختلفتين.
الفصائل المسلحة ومخاوف الانزلاق إلى الحرب
ومن جهة أخرى، تعرّضت مجموعات تابعة للحشد الشعبي العراقي لقصف أدى إلى مقتل وجرح عدد من عناصرها، بينهم مستشار ومسؤول ملف المتابعة في "كتائب حزب الله" أبو حسن الفريحي، وذلك إثر استهدافه بطائرة مسيّرة.
وكانت "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" أعلنتا الدخول في الحرب لمساندة إيران في اليوم الأول من العدوان على إيران، يوم السبت 28 من الشهر السابق، إلا أنهما لم تتبنّيا رسميًا أيًّا من العمليات العسكرية التي انطلقت من داخل العراق بعد ذلك.
وفي هذا السياق، نقل موقع "ألترا عراق" أنه تواصل مع أكثر من خمسة فصائل مسلحة معروفة للاستفسار عن الجهة المسؤولة عن العمليات الأخيرة، إلا أن جميعها أشار إلى أنها تتبع لما يُعرف بـ"تنسيقية المقاومة"، من دون تقديم توضيحات إضافية حول طبيعة هذه التنسيقية أو الجهات التي تديرها.
كما نشرت "حركة النجباء" تصميمًا يشير إلى الفصائل المشاركة في الهجمات، يضم أمينها العام أكرم الكعبي وأمين عام "كتائب سيد الشهداء" أبو آلاء الولائي، إلى جانب أمين عام "كتائب حزب الله" أبو حسين الحميداوي.
تحذيرات من جرّ العراق إلى صراع إقليمي
وفي السياق السياسي، نقل عن القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ماجد شنكالي قوله إن على الحكومة العراقية ضبط الفصائل المسلحة، محذرًا من أن استمرار تحركاتها قد يؤدي إلى إدخال العراق في حرب "لا ناقة له فيها ولا جمل"، على حد تعبيره.
وأضاف شنكالي أن الأخطر في الأمر أن معظم الضربات التي تنفذها تلك الفصائل تتركز على مدينة أربيل وعلى رادارات عراقية.
وكان الرئيس السوداني أكد أن الدولة بمؤسساتها هي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم، مشددًا على أن الحكومة ستقف بحزم تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق إلى صراعات إقليمية، مع الحرص على حماية المصالح العليا للشعب العراقي.
ساحة عراقية مفتوحة على ثلاث عمليات عسكرية
في المحصلة، يعيش العراق حاليًا حالة أمنية معقّدة تتداخل فيها عدة مستويات من العمليات العسكرية.
فالمستوى الأول يتمثل في الهجمات الإيرانية التي تستهدف ما تصفه طهران بالقواعد الأميركية ومواقع الفصائل الكردية الإيرانية المعارضة داخل العراق.
أما المستوى الثاني، فيتمثل في الهجمات التي تنفذها فصائل عراقية مقرّبة من إيران ضد القواعد العسكرية الأميركية، وفق ما تعلنه في بياناتها.
في حين يتمثل المستوى الثالث في الغارات التي تستهدف تلك الفصائل نفسها، والتي تشير تقديرات إلى أنها قد تكون أميركية أو إسرائيلية.
إلى جانب ذلك، يعيش العراق حالة من الاستقطاب السياسي الحاد نتيجة تعطّل عملية انتخاب رئيس الحكومة العراقية، في ظل ترشيح "الإطار التنسيقي" رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وما يرافق ذلك من اعتراضات بعض الأحزاب السياسية على ترشحه، فضلًا عن عدم اتفاق الأحزاب الكردية حتى الآن على مرشح لمنصب رئاسة الجمهورية العراقية.
هذا التداخل بين العمليات العسكرية وتعطّل اختيار رئيسي الحكومة والجمهورية يضع العراق في موقع بالغ الحساسية، مع تنامي المخاوف من تحوّله إلى ساحة مواجهة مفتوحة في خضمّ الصراع الإقليمي المتصاعد.
ويكتسب بيان الرئاسات الثلاث اليوم أهميةً لكونه ناتجًا عن إجماع بين المناصب الرسمية العليا الثلاث، التي تمثّل المكوّنات السنية والشيعية والكردية، حول ضرورة تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية. إلا أن السؤال يبقى مطروحًا حول مدى استجابة الفصائل المسلحة ومختلف الأطراف لهذا البيان.