الرؤوس البشرية في الحرب.. بين الترميم والاستباحة

الرؤوس البشرية في الحرب.. بين الترميم والاستباحة

من مجموعة ل آنا كولمن لاد

تستنهض الحروب صراعات نفسية متشعبة وكثيفة، تستفز البشر أفرادًا وجماعات، وأحد أخطر المواقف هو وضعهم على المحك مع إرثهم الحضاري، بما يتضمنه من بنية جامدة فنية أو معمارية أو غيرها، أو من موروث فكري تراكمي. وربما يستدعي هذا الموقف تأملًا نحو إعادة التفكير في معنى الإرث الحضاري في حد ذاته، أي كمفهوم وليس فقط كبنية. لو اعتبرنا جسد الكائن البشري بوجوده الفيزيائي جزءًا منه ونظرنا إلى التاريخ من هذا المنظور، لوضعنا يدنا على أحداث لافتة.

موكوموكاي هي رؤوس بشرية محنطة للسكان الأصليين من الماوري، تم فصلها عن الجسد بعد الوفاة

خلال حروب الماوري التي تفجرت بسبب تنازع عدة دول على القسم الشمالي، خصوصًا من نيوزيلاندا، ابتداءً من عام 1863، قام الضابط الإنجليزي برتبة لواء هوريشيو جوردن روبلي (Horatio Gordon Robley)، الذي قدم مع قوات بلاده إلى نيوزيلاندا، باقتناء قطع أثرية قيمة جدًا. تمثل هذه القطع عمق حضارة الماوري، السكان الأصليين لتلك البلاد والذين قطنوها منذ أواخر الألف الأول للميلاد.

اقرأ/ي أيضًا: شيرين نشأت وأزمة الجسد الإيراني

هذه القطع التي لقيت اهتمام وعناية من قبل الضابط صاحب الميول الفنية، عبارة عن رؤوس بشرية محنطة للسكان الأصليين من الماوري، تم فصلها عن الجسد بعد الوفاة، تعرف باسم موكوموكاي (Mokomokai). كان أصحابها من نساء ورجال يحملون على وجوههم وشوم دقيقة منمقة بإبداع وتناظر بديع، وتظهر الحالة الجيدة للوجوه مهارة عالية في تقنيات التحنيط باستخدام التفريغ والتجفيف والتزييت. وتجدر الإشارة إلى أن لتلك الوشوم دلالات متفق عليها في تقاليد شعب الماوري، فللرجال نقوش مركزة على الجبهة والخدين تختلف عن تلك التي للنساء التي تتركز غالبًا على الشفاه والذقن، واللافت أن كل وجه يحمل وشمه الخاص، ما يشبه مجازًا شيفرته الوراثية، فيحمل رمزًا يشير إلى قبيلته ونسبه ومرتبته الاجتماعية. بعد عدة أعوام من عودة الضابط روبلي، كانت حصيلة ما جمعه بحدود خمسة وثلاثين رأس من الموكوكاي. وفي كتابه "Moko or Maori Tattooing" الصادر عام 1869 خصص عدة أقسام لشروح دقيقة ومطوّلة عن هذه الوشوم وفرادتها، ولاحقًا في عام 1908 عرض بيع مجموعته للحكومة النيوزيلاندية مقابل مبلغ ألف جنيه إسترليني، لكن هذه الأخيرة رفضت عرضه حتى انتهى الأمر باقتنائها من قبل المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي.


هوريشيو جوردن روبلي مع مجموعته

في المقابل، خلال الحرب العالمية الأولى، بحدود عام 1917، برز اسم الطبيب الضابط الإنجليزي هارولد جيليس (Harold Gillies) المولود في نيوزيلاندا الذي كان قد التحق بالجناح الطبي للجيش الملكي البريطاني.

يعتبر جيليس مؤسس الجراحة التجميلية المعاصرة، إذ قام بتطوير تقنيات وإجراءات طبية بالدرجة الأولى بهدف تخفيف التشويه الذي طرأ على وجوه العديد من الجنود والضباط خلال الحرب بسبب إصاباتهم البالغة التي أدت إلى تدمير هيئة وجوههم وتفتت أقسام من عظام الجمجمة بشكل لا يمكن ترميمه.

ابتدأت تجاربه ومحاولاته باقتطاع أجزاء من الجلد السليم من جسد المصاب ولصقها على الوجه حتى تتماهى معه تدريجيًا، ثم يعود لإجراء جراحات تجميلية لتحسين الشكل ما أمكن. قام جيليس بما يقارب أحد عشر ألف عمل جراحي لما يقارب خمسة آلاف مصاب من الجنود والضباط. ولذا تعتبر بصمته الطبية وكذلك نشأة الجراحة التجميلية في هذا السياق مناصرة لأسمى القيم الإنسانية، فقد كان لمظهر هؤلاء البشر الذين حاربوا، كل لصالح بلاده، جرحًا عميقًا لم يكن ترميمه من الناحية النفسية بالأمر اليسير. ولكن في بعض الحالات المستعصية بدت للجنود وجوههم مفزعة وخشي العديد منهم العودة إلى عائلاتهم، زوجاتهم وأولادهم، وأصبحت مهمة ترميم الوجوه حاجة ملحّة في فترة ما بين الحربين.

قامت النحاتة آنا كولمن بتكريس مهارتها التقنية من أجل ابتكار حل جديد بأن يواري المصاب الجزء المتضرر من وجهه خلف قناع جزئي يرمم التشوهات بصريًّا

لذا، قامت النحاتة الأمريكية الأصل آنا كولمن لاد (Anna Coleman Ladd) التي كانت قد استقرت في باريس بتكريس مهارتها التقنية إلى جانب نظرتها المبدعة من أجل ابتكار حل جديد بأن يواري المصاب الجزء المتضرر من وجهه خلف قناع جزئي يرمم التشوهات بصريًّا. كانت آنا لاد تقوم بأخذ طبعات للوجوه المصابة لتصميم أقنعة نحاسية متممة تطلى في كل مرة حسب لون بشرة المصاب. ولقد حازت النحاتة على "وسام الشرف" الفرنسي و"وسام القديس سافا الملكي" الصربي تقديرًا لدورها الاستثنائي والملهم في هذا الإطار. ومنذ ذلك الحين انتشرت الحشوات والإجراءات التجميلية كفعل مساعد للإنسان على تقبل جسده وتقبل الآخرين له بعد الحوادث العنيفة.

اقرأ/ي أيضًا: بيكاسو مظلّلًا بنسائه

إن أحداثًا كهذه، من ترميم الوجوه أو مراكمة الرؤوس كمقتنيات مادية جمالية أو أرشيفية، لدرجة تحويلها إلى مواد متحفية، لهي سبل لضم جسد الإنسان إلى مجموع الإرث الحضاري. وهي شهادة فريدة على عنف الحروب، تتراوح بين فعل الضابط جوردن روبلي الذي يكاد يتجرّد من الإنسانية، والحالة المعاكسة تمامًا عند محاولة تجميل الوجوه وسد الثغرات التي خلفتها عليها الأسلحة من قبل الطبيب جيليس أو النحاتة كولمن لاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سمعان خوّام.. فن ضد مجتمع الهيمنة

إسماعيل شموط.. يده هي التي ترى وقلبه هو الذي يرسم