الذين لا يطالهم السلاح في الصومال

الذين لا يطالهم السلاح في الصومال

نساء في قرية صومالية (Getty)

في الاجتماع الصومالي هناك فئات لا يطالهم السلاح ويطلق عليهم مصطلح "Birmageedu"، يشكلون اثنتي عشرة فئة شملها هذا المفهوم، وهؤلاء ليسوا بالضرورة صوماليين، وهذه الفئات لا يجوز الاعتداء عليها بدنيًا في عرف المجتمع التاريخي، والذي يشكل سياق قانوني يعود إلى هذا التراث، حيث منحت الفئات الاثنتا عشرة حصانة المجتمع، وألا يتم الاعتداء عليهم في ظل أي ظروف، فقيمُ الصوماليين منحت هؤلاء حق الحياة وضرورة حماية حياتهم في كل الأحوال.

منحت قيم الحياة الصومالية فئات اجتماعية عديدة حق الحياة والحماية في كل الأحوال التي يمر بها المجتمع

تشمل تلك الفئات النساء، الأطفال، المفكرين والأدباء، رجال الدين، شيوخ القبائل، السجناء وأسرى الحرب، الجرحى، محكمي الصراعات، القاطن مع الجماعة، الوفود، الضيوف، اللاجئين، إذ كفل الدستور التقليدي المعروف بـ"الحير" Xeer سلامة وتقدير تلك الفئات وعدم التعرض لحياتهم.

اقرأ/ي أيضًا: الصومال بين حزم ورعد وغياب

فلسفة الحصانة انطلقت من نظرة رأت أن تلك الفئات غير قادرة على حماية ذاتها، ناهيك عن تقدير ممثلي المجتمع، حماية الآخر أكان صوماليًا أو أجنبيًا وذلك عند تواجده في هذه الأراضي، أكانوا في هيئة ممثلين لجماعاتهم بصدد التواصل، أو في ظل واقع مأساوي من لجوء أو حالة أسر.

على سبيل المثال، فإنه لم يكن مقبولًا قتل المرأة لأي سبب، وفي حال قتلها لرجل أو امرأة كان قومها يلتزمون بدفع دية المقتول ولا تقتل قصاصًا، وفي المقابل لم يكن مسموحًا أن تقتل، وفي حال ارتكابها الزنى أو تعرضها للحمل خارج عقد الزواج لم تكن تقتل بذريعة حماية الشرف، بل كان قدرها معنويًا يتراجع على الصعيد الاجتماعي.

بالنسبة لطفل فإن قتله كان يمثل أمرًا غير مقبول ويسبب الهوان والمسبة لمن يرتكب ذلك، خاصة أن نظرة المجتمع للأطفال كانت في مقام العمومة أو الخؤولة، الجميع يحرص على رعايتهم وحمايتهم، والتعرض لطفل كان يوازي الإبادة البشرية ولا مبرر يمكن قبوله باستثناء حادث غير مقصود.

في حين أن فئة المفكرين والأدباء كانت تمثل مثقفي المجتمع ونخبته وتجسيد وعيه الفكري، وشكلوا الذاكرة التاريخية المحافظة على التراث الجمعي، كما أن المكونات الصومالية كانت حريصة على مكانة مفكريها وأدبائها الذين مثلوا ذاكرتهم التاريخية والجهة التي كانت تجيب على التساؤلات التي صاحبتهم في حياتهم.

رجال الدين بدورهم نالوا تقديرًا عاليًا ولم يكن من مهامهم المشاركة في الحروب، إلا أنه على صعيد المحاباة لم يكن غريبًا أن ينحاز رجل الدين إلى جماعته القبلية، وفي هذا السياق جاءت مقولة "الفقيه لا يفارق قومه نحو الجنة" بل إنه يتوحد مع مواقفهم، أما المغزى الرئيسي من العبارة فهو إشارة إلى أن الرجل الدين يعتبر شخصًا ذا ارتباط عضوي مع جماعته، ورغم الصراعات المسلحة بين الجماعات إلا أنه بمعزل عن هذا المنحى، وليس هناك أحد يمكنه أن يتعرض لحياته، فالقوم حريصون على ما له صلة بالإسلام.

القيادات التقليدية ممثلةً بشيوخ القبائل والعشائر حضورهم الاجتماعي لم يكن يوازيه مثيل آخر، لقد مثّلوا إرادة المجتمع، والجدير بالإشارة، أنهم لم يكونوا يتخذون القرار إلا بالعودة إلى قواعدهم، والتعدي عليهم معنويًا أو ماديًا كان يشكل تجاوزًا في حق من يمثلونهم، وفي حال وقوع قتل لشيخ تقليدي فإن القصاص كان باهضًا في عقابه، وفي حال قبول الديّة فإنها عادة ما تكون مضاعفة، وتصيب الجهة التي ينتمي لها القاتل بمقتل مادي وهو دفع دية غير اعتيادية.

أما بالنسبة للمساجين والأسرى والذين عادة هم من خارج دائرة الصوماليين، فلم يتم التعرض لحياتهم تعذيبًا أو قتلًا، بل كان يتم الحرص على سلامتهم، ومن المفارقة أنه حين تم تبادل الأسرى بين الصومال وإثيوبيا في عام 1988، بلغ مجموع الأسرى الصوماليين بحدود 260 أسيرًا حاولت أديس أبابا إخفاء بعضهم وقتل قسم منهم سابقًا كما أكدت شهادات مساجين صوماليين، بينما الأسرى الإثيوبيون في الصومال قارب عددهم 6000 أسير، ولم تتم المساومة على عددهم الكبير كورقة ضغط مقابل مطالب أخرى، وتجاوزت مقديشو تلك الوقائع ولم يتم التعرض لحياة أقرانهم الإثيوبيين.

وفيما يخص القاطنين المنتمين إلى مكون صومالي آخر، فعادة ما كانوا في واقع تحالف مع أهالي جهوية ما ومن صلاحياتها حمايتهم، وفي حال وجود صراع بين كلا المكونين، فإن ذلك لم يكن يؤثر إطلاقًا على الأفراد الذين اختاروا التحالف، وفي حال مقتل أحدهم لأي سبب فقبيلته هي الجهة المخولة بأخذ ديته أو الثأر له، أما حدود مسؤولية من تحالف معهم فلا تتجاوز حمايته خلال محياه في أوساطهم.

في الصومال، السجناء والأسرى الذين عادة هم من خارج دائرة الصوماليين، لم يتم التعرض لحياتهم تعذيبًا أو قتلًا

مبدئيًا فإن العرف حرص على سلامة المجتمع عامة، حيث نصَّ على عدم إشهار السلاح على أي مسالم، وبطبيعة الحال إن التعاطي مع حقوق الفئات الاثنتي عشرة، كقاعدة لم يخلُ بدوره من تجاوزات استثنائية تم استهجانها، لا سيما في ظل مراحل التعثر والانقسام، ورغم ذلك فإن القاعدة الدستورية ما زالت تشكل مرجعية اجتماعية قانونية تساعد في تخطي الكثير من التحديات الطارئة، وفي ظل وجود قوانين دولية مماثلة إيجابيًا فإن ذلك عاملًا مساعد لتكريس استمرارية قاعدة من لا يطالهم السلاح والعنف.

اقرأ/ي أيضًا: الصومال.. حين استعادت "العمامة" مكانتها

أما معضلة الحاضر فتكمن في أن هناك من يستخدم أدوات سياسية تعمل باستمرار على مقتل العديد من تلك الفئات، ناهيك عن أن حروب القوى السياسية خلال التاريخ الصومالي الحديث، لم تعطِ أدنى اهتمام لحياة وسلامة هؤلاء وهو ما أسفرت عنه جملة من المآسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العيسى بين مكونات القرن الأفريقي

الصومال الواقف ضد مشروع التقسيم الإماراتي.. البحر الأحمر ليس لكم