الذكريات وصداها في باريس

الذكريات وصداها في باريس

صورة من الاحتجاجات الأخيرة في باريس (Getty)

حينما زرت باريس في ذلك اليوم كان الطقس باردًا، وأنفي متجمدًا، وكان الثلج قد بدأ يتساقط في الجوار، الرصيف مغطىً بطبقة من الإسفلت الناعم، لا يبدو أن مقاولًا كارهًا لوطنه قد صنعه، والمترو نفسه، هو الذي كان قبل مئة عام، والنساء وهن يعبرن الطريق لا يحدثن أي جلبة، جميلات على طريقتهن، وغير مكتنزات، حتى تخالهن عارضات أزياء على مسرحٍ مكشوف.

أدركت أن الثورة الفرنسية لم تكن محض عرض رومانسي وإنما تاريخ دموي انتهكت فيه الأرواح والمشاعر والقيم وكل شيء باسم الآلهة المجسدة

لم يبد أيضًا أن الخليط الغريب من أنماط الحياة يمثل عرضًا مؤقتًا للتعايش، لقد انصهرت الأشياء من حولي تقريبًا، هكذا توهمت، وغطى فرنسا وعي جديد مجاوز لحاجز اللون والعِرق، إلا أنه بالمقابل تزدهر فيها الروح الشعبوية شيئًا فشيئًا، مثل بقية عواصم القارة العجوز، والسيدة مارين لوبان أيضًا ربما تصعد حين غفلة فوق مِزاج الشارع المضطرب.

حاولت أن أطور علاقة حميمة مع الفندق الذي كنت أقطنه في محطة سانت وان، لكنه كان تقريبًا بلا نزلاء، وكان يبعث على الكآبة. غرفه الضيقة تشير إلى رسوخ تلك النزعة الفردانية، بحيث يتوفر لك سرير صغير بالكاد يحتويك. كان صاحب الفندق رجلًا قبطيًا عجوزًا يغطي جسده البالطو الفضفاض، يبتسم بصعوبة، ويحاول أن يكون لطيفًا، تقريبًا كان اسمه نبيل. السرير الذي يصلح أن يكون مقعدًا وأريكة في ذات الوقت، هو بالأساس على هيئة صليب، لوحة المفاتيح، وأثاث المطبخ، كلها كانت على هيئة صليب. يبدو أنني حللت ضيفًا على رجل متدين جدًا، أو بالأحرى أراد أن يشيد كنيسة تدر عليه دخلًا، وفي الوقت نفسه يؤدي فيها صلوات الشكر.

اقرأ/ي أيضًا: الشعبوية في أوروبا.. تيار يجرف حتى الأحزاب "المعتدلة"

باريس من نافذة الغرفة بدت غارقة في الهدوء والروقان، مدينة مولعة بالغرباء، لا تتوقف عن الرقص، يمكنك أن تتخيلها في كل منحى. برج إيفل الذي يشوش على حرف المد، متحف اللوفر الذي يتراءى عنده كل تاريخ البشرية مذ هبوط أبونا آدم من الجنة، نافورة سان سولبيس المسحورة، وخطى سيمون دي بوفوار وسارتر على شارع الحب والحرية، عطفًا على صوت مغنية تعيسة تصاعد طويلًا في الأنحاء، أظنها إيديث بياف، بالفعل ينبعث من بين شفتيها ذلك الشجن الغريب وقد هجرها عاشقها، حتى أنها رأت وجهه في كل مكان ذهبت إليه.

أول تظاهرة قُدر لي أن أقترب منها، لصقل مهاراتي الصحفية، كانت قبالة مبنى البلدية في باريس، ولا يكاد يفصل بينها وسكني بضعة أمتار. كان الظُهر قد ولى ببطء، والشمس لم تطل على المدينة منذ ثلاثة أيام، دنوت من المظاهرة وقرأت في اللافتات عبارات احتجاجية، اقتربت منهم أكثر، اقتسمت معهم أخطارًا مُحدقة، أعني المتظاهرين، لا يحتاج المرء إلى كثير عناء حتى يلتقط الصور، وينسج قصته الصحفية. الشوارع مفتوحة، والحياة عادية، والشرطة لم تعاملهم بوحشية كما عندنا، أو تمطرهم بقنابل الغاز المُسيل للدموع، وفي غضون دقائق أشعلوا سيارة يبدو أنهم أحضروها خصيصًا. كان الاشتعال مشهدًا تعبيريًا هائلًا، أما المضحك في الأمر حد البكاء، فهو أن المتظاهرين أنفسهم كانوا هم رجال الشرطة، نعم رجال شرطة، وقرروا الاحتجاج لجهة تنامي الاعتداءات والكراهية عليهم من قبل المواطنين، يا إلهي كم هذا مثير ومدهش بالنسبة لصحفي من العالم الثالث!

بينما كانت المقصلة نفسها التي انتصبت في التظاهرات الأخيرة توحى بمشهد قلعة الباستيل التي اقتربت منها، ورأيت وجه لويس السادس عشر وأميرته اللاهية فوق طبق الجاتوه،  كما تجلى لي أيضًا جون باتيست الساعاتي الفقير وأبرز صناع تلك الثورة الفرنسية، لم يكن ساعيًا للمجد، ولكنه قال كلمته للتاريخ ومضى، حتى غير عابئًا بمحاكمة الجلاد.

 هذا الرجل باتيست قابع في كل الثورات، يظل صامتًا إلى حين وعندما يقرر أن يثور لن يوقفه أحد، والذي أبهرني أكثر أن الرئيس عندهم مجرد عامل يؤدي دوره في منظومة الحياة، ومتى أخطأ أو فسد يقدم للمحاكمة "زي السلام عليكم".

انبهرت قليلًا بفرنسا، لو لا أن تذكرت فيلم "الألماس الدموي" لـ"ليوناردو دي كابريو"، وتذكرت حجم النهب والفظائع في سيراليون إبان الحرب الأهلية، وكيف لمعت صفحة فرنسا الدموية الشرهة، التي نهبت كنوز القارة السمراء، ولا تزال، منذ توحش جاك فوكار، رجل ديغول ومروض الزعماء الأفارقة، أو الدمى التي ظلوا يحركونها إلى اليوم، بينما لا زالت سياستهم قائمة بالحفاظ على العروش الموالية لهم، وتجنب عدم الاستقرار السياسي، كما هو الحال أيضًا في مالي والكونغو وأفريقيا الوسطى.

اقرأ/ي أيضًا: بعد فشلها في لقاء ترامب.. لوبان مادة دسمة للسخرية

بمناسبة فرنسا والمقصلة، أذكر أنني في صغري  كنت مفتونًا بعناوين الكتب أكثر من محتواها، وكان يمكن لأي مؤلف متواضع القدرات أن يخدعني. وقتها عثرت في معرض الكتاب على رواية باسم "الآلهة عطشى" للكاتب "ﺃﻧﺎﺗﻮﻝ ﻓﺮﺍﻧﺲ"، حملتها معي بكل ما أملك من نقود، قرأت مفتتحها ولم تشدني فتجاهلتها. اشتكيت لصديقة جزائرية بعد أن كبرت قليلًا فنصحتني بالقراءة عن الثورة الفرنسية ابتداءً.

في إجازة العيد الأخيرة عثرت على الرواية في بيتنا القديم، وهى بمثابة سنادة لدولاب خشبي انكسرت قدمه وفقد توازنه، سحبتها ببطء والتهمتها بشراهة، في الحال تذكرت ثورات الربيع العربي التي أكلت ثوارها وكيف تطاول شخص جاء من الصفوف الخلفية مثل "ﺇﻳﻔﺎﺭﺳﺖ"، كان رقيقًا وعطوفًا ومبذولًا للجميع وأضحى لفرط انحرافه قاتلًا وطنيًا يقود الناس ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻔﻴﻦ ﺗﺒﺎﻋًﺎ ﺑﻼ ﺭﻓﻖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻘﺼﻠﺔ، نفس المقصلة التي يمكن أن تنتصب مرة وأخرى، وأدركت أن الثورة الفرنسية لم تكن محض عرض رومانسي وإنما تاريخ دموي انتهكت فيه الأرواح والمشاعر والقيم وكل شيء باسم الآلهة المجسدة، والتي كانت عطشى تمامًا، وهو وجه يشد من أزرنا للصبر على ثوراتنا، والمصابرة حتى تنضج عبر السنين وحقول التجارب القاسية فتزدهر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يكون 2018 عام الثورة المضادة على مكتسبات انتفاضة 1968 في أوروبا؟

عقيدة الصدمة الغربية