الذكرى الأولى لأحداث السويداء.. ما الدروس المستفادة؟
15 يوليو 2026
تمر هذه الأيام الذكرى الأولى للأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء جنوبي سوريا، والتي اندلعت بين الحكومة السورية وفصائل محلية، وأسفرت عن مئات الضحايا، وأحدثت شرخًا عميقًا بين شريحة واسعة من أبناء المحافظة والسلطة الجديدة في دمشق. وبعد مرور عام على تلك الأحداث، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة ما جرى واستخلاص الدروس التي أفرزتها الأزمة، خصوصًا أن تداعياتها لا تزال قائمة حتى اليوم.
من حادث محدود إلى معركة واسعة
في البداية، لا بد من العودة سريعًا إلى تسلسل الأحداث وكيف تدحرجت للوصول إلى ما آلت إليه.
بدأت الحادثة بإشكال محدود بين أبناء الطائفة الدرزية، التي تشكل غالبية سكان المحافظة، وأفراد من إحدى العشائر على أحد الحواجز عند مدخل السويداء، قبل أن يتطور إلى تبادل لإطلاق النار وعمليات خطف متبادل بين الطرفين، في وقت بدأت فيه الوساطات العشائرية والاجتماعية لمحاولة احتواء الأزمة.
وأعلنت الحكومة السورية إرسال رتل عسكري لفض الاشتباكات وحل النزاع، إلا أن المهمة تدحرجت سريعًا إلى حملة عسكرية واسعة هدفت إلى دخول محافظة السويداء بالكامل ونزع سلاح الفصائل المسلحة فيها.
استثمرت إسرائيل ما جرى، أو يمكن القول إنها كانت تنتظر وقوع المواجهة لتستثمر نتائجها. وادعت أنها ستتدخل لحماية الدروز
خلافات أعمق من الحادث
لا شك أن الحادث الذي وقع على الحاجز لم يكن السبب الحقيقي وراء ما جرى، وإنما كشف عن خلافات أعمق بين الحكومة السورية والفصائل المحلية بقيادة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري.
كان الهجري يسعى إلى فرض شروطه في عدد من الملفات، من بينها أن تعتمد الحكومة محافظ السويداء الذي يرشحه، إلى جانب تعيين مسؤولين آخرين، وأن تكون قوات الأمن الداخلي من أبناء المحافظة.
وخلال الحملة العسكرية، تدحرجت الأمور إلى اشتباكات واسعة بين الطرفين، خلّفت سلسلة من المجازر راح ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى، إضافة إلى عمليات خطف متبادل.
التدخل الإسرائيلي
استثمرت إسرائيل ما جرى، أو يمكن القول إنها كانت تنتظر وقوع المواجهة لتستثمر نتائجها. وادعت أنها ستتدخل لحماية الدروز، قبل أن تقصف الأرتال العسكرية السورية، ثم وزارة الدفاع في دمشق، ما اضطر الحكومة إلى الانسحاب، لتبقى السويداء خارج سيطرة الدولة حتى اليوم.
وبعد مرور عام، يبدو أن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر مما جرى، إذ أدى اتساع دائرة العنف إلى تعميق الشرخ بين السويداء ودمشق، وهو ما منحها فرصة لتقديم نفسها بوصفها حامية للدروز.
ويعزز هذا الانطباع أن سلاح الجو الإسرائيلي لم يتدخل في بداية دخول الجيش السوري إلى المحافظة، وإنما تدخل بعدما غرقت السويداء في شلال من الدماء، لتظهر تل أبيب لاحقًا بمظهر المدافع عن أبناء الطائفة الدرزية، مستغلًا الدماء التي سقطت.
اعتراف حكومي ومعالجة معقدة
وبعد مرور عام على الأحداث، تعترف الحكومة السورية بأن ما جرى كان خطأً، وأنها وقعت في فخ نُصب لها، إلا أن معالجة نتائج تلك الأحداث ليست بالأمر السهل.
وشكلت دمشق لجنة تحقيق لمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب المجازر والانتهاكات، إلا أن المحاسبة، حتى الآن، لم تكن بالمستوى الذي يحقق العدالة أو يبدد آثار ما جرى.
واقع جديد في السويداء
في المقابل، استثمر حكمت الهجري ما جرى لتعزيز مشروعه السياسي، فأعلن ولاءه لإسرائيل، وطرح تسمية "جبل باشان" بدلًا من السويداء، وسعى إلى مشروع يقوم على فصل المحافظة عن سوريا وإعلانها دولة مستقلة أو كيانًا مرتبطًا بإسرائيل، وقد أعلن ذلك بشكل صريح.
كما شكّل لجانًا لإدارة المحافظة، إلى جانب جناح عسكري يحمل اسم "الحرس الوطني"، في وقت بات فيه جزء من أبناء المحافظة في حالة عداء مع الحكم الجديد في دمشق نتيجة الأحداث الدامية.
نزوح وخارطة طريق مجمدة
خلّفت الأحداث أعدادًا كبيرة من النازحين؛ فمن جهة، نزح أبناء القرى الدرزية الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، ولم يتمكن كثير منهم من العودة حتى الآن. ومن جهة أخرى، نزحت عشائر عربية من داخل السويداء بعد سيطرة الفصائل المحلية على مناطق وجودها.
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، أُعلن العام الماضي عن خارطة طريق عقب اجتماع ثلاثي عقد في العاصمة السورية بالتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة، إلا أن أيًا من بنود تلك الخارطة لم يُنفذ حتى الآن.
الدرس الأبرز
لا تزال محافظة السويداء عالقة في تداعيات أحداث تموز/يوليو 2025، ولم تنجح أي مبادرة حتى الآن في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها، ولا تبدو أن الأمور تيسر نحو الحل.
كما أن الاشتباكات تتجدد بين الطرفين بين الحين والآخر، ما يعكس استمرار التوتر الأمني وتعثر أي مسار حقيقي لمعالجة أسباب الأزمة، ويؤكد أن المحافظة لا تزال تعيش تداعيات ما جرى قبل عام.
وكشف ما جرى أن العمل العسكري في سوريا، بعد أربعة عشر عامًا من الحرب التي بدأت عام 2011 لإسقاط نظام بشار الأسد، لم يعد الخيار المناسب لمعالجة الأزمات الداخلية، بل إن اللجوء إليه أدى إلى تعميق الانقسامات، وزيادة الاحتقان، وتعقيد المشهد أكثر مما ساهم في حله.
تقرؤون المزيد في: السويداء بعد عام.. جراح مفتوحة وانقسام يعطّل التسوية