ultracheck
  1. الترا لايت
  2. علوم

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خارطة الفيضانات قبل وقوعها

29 يناير 2026
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية (جيتي)
زاهر هاشم زاهر هاشم

لم تعد الفيضانات مجرد أحداث طارئة تفاجئ السلطات المحلية والسكان، بل أصبحت واحدة من أخطر تداعيات تغيّر المناخ وأكثرها تكرارًا.

وقد شهد العالم في السنوات الأخيرة فيضانات مدمّرة في أوروبا وآسيا وإفريقيا، كشفت محدودية أدوات التنبؤ التقليدية وعجزها عن مواكبة تسارع التغير المناخي وما يرافقه من ظواهر مناخية متطرفة.

في هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي مؤخرًا كلاعب أساسي في التحوّل من الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى التنبؤ الاستباقي بها، وباتت الخوارزميات أداة محورية قادرة على تحليل كميات هائلة من بيانات هطول الأمطار وجريان الأنهار واختلاف التضاريس خلال وقت قياسي، وتقديم تحذيرات مبكرة قد تُحدث فارقًا حاسمًا في إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر.

من النماذج التقليدية إلى الخوارزميات الذكية

يُعدّ دمج الذكاء الاصطناعي مع النماذج الفيزيائية التقليدية أحد أهم التحوّلات النوعية في إدارة مخاطر الفيضانات خلال السنوات الأخيرة، فبدل السعي إلى استبدال النماذج الهيدرولوجية والهيدروديناميكية التي طُوّرت على مدى عقود، اتجه الباحثون إلى تعزيزها بخوارزميات ذكية قادرة على التعامل مع التعقيد المتزايد وحالة عدم اليقين المناخي.

 شهد العالم في السنوات الأخيرة فيضانات مدمّرة في أوروبا وآسيا وإفريقيا، كشفت محدودية أدوات التنبؤ التقليدية وعجزها عن مواكبة تسارع التغير المناخي وما يرافقه من ظواهر مناخية متطرفة

تعتمد أنظمة الإنذار المبكر التقليدية على نماذج فيزيائية تحاكي حركة المياه اعتمادًا على قوانين معروفة، مثل سرعة الجريان ومنسوب المدّ وشكل القنوات المائية، ورغم دقتها النظرية، فإن هذه النماذج تواجه صعوبات كبيرة في البيئات المعقّدة، مثل مصبات الأنهار والمناطق الساحلية والمدن المكتظّة بالبنية التحتية، حيث تتداخل عوامل طبيعية وبشرية يصعب تمثيلها بدقة في معادلات ثابتة.

ومن خلال تحليل الفجوة بين ما تتنبأ به النماذج الفيزيائية وما يحدث فعليًا على أرض الواقع، تستطيع خوارزميات التعلم الآلي تصحيح الانحرافات المتكررة، وتحسين توقيت التحذيرات، والتكيّف مع ظروف غير مسبوقة ناجمة عن تغيّر المناخ.

تؤكد على ذلك دراسة حديثة نُشرت في مجلة "ناتشورال هازاردز"، حيث طوّر الباحثون نظام إنذار مبكر هجين يجمع بين النماذج الهيدروديناميكية التقليدية وخوارزميات ذكاء اصطناعي، وطبّقوه على مناطق ساحلية ومصبات أنهار معرّضة للفيضانات.

وأظهرت نتائج الدراسة تحسّنًا ملحوظًا في دقة التنبؤ بتوقيت الفيضان، وتقدير ذروة منسوب المياه، وتقليل الإنذارات الكاذبة، وهي من أبرز مشكلات أنظمة التحذير التقليدية.

وتكمن أهمية هذه الأنظمة الهجينة في أنها تترجم التعقيد العلمي إلى قرارات عملية، فبدل تقديم تحذير عام قد يكون مبكرًا جدًا أو متأخرًا جدًا، تتيح هذه النماذج تحديد مناطق الخطر بدقة أعلى وتصنيف مستويات الإنذار (منخفض - متوسط - مرتفع) وربط كل مستوى بإجراءات استجابة مختلفة، وهذا الأمر بالغ الأهمية للسلطات المحلية، التي غالبًا ما تعمل في ظل موارد محدودة وضغط زمني كبير.

نموذج DRUM: التنبؤ بالفيضانات بلغة الاحتمالات

يعدّ نموذج DRUMأحد أبرز القفزات العلمية الحديثة، وهو نموذج ذكاء اصطناعي طُوّر لمعالجة مشكلة عدم اليقين في التنبؤ بالفيضانات.

وعلى عكس النماذج التقليدية التي تقدّم نتيجة واحدة حتمية، يعمل DRUM على إنتاج توقعات احتمالية، تُظهر مجموعة سيناريوهات محتملة للجريان السطحي، مع تقدير فرص حدوث كل سيناريو، ويعتمد النموذج على تقنيات نماذج الانتشار، التي تسمح بمحاكاة آلاف المسارات الممكنة لسلوك المياه.

يُعدّ دمج الذكاء الاصطناعي مع النماذج الفيزيائية التقليدية أحد أهم التحوّلات النوعية في إدارة مخاطر الفيضانات خلال السنوات الأخيرة

يمنح هذا النهج صنّاع القرار معلومات أكثر واقعية، مثل أسوأ السيناريوهات المحتملة، وتوقيت ذروة الخطر، ومستوى عدم اليقين المصاحب لكل توقع، وهو أمر بالغ الأهمية عند اتخاذ قرارات الإخلاء أو نشر فرق الطوارئ.

نماذج LSTM: الخوارزميات تتعلم ذاكرة الأنهار

من بين أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي استخدامًا في مجال التنبؤ بالفيضانات، تبرز شبكات الذاكرة طويلة وقصيرة الأمد (LSTM)، المصمّمة خصيصًا لتحليل البيانات الزمنية.

تتميّز هذه النماذج بقدرتها على "تذكّر" ما حدث في الماضي وربطه بالحاضر، ما يسمح لها بتوقّع سلوك الأنهار بدقة أعلى.

أظهرت دراسة حالة لفيضانات صيف 2021التي ضربت ألمانيا وبلجيكا وهولندا وأسفرت عن أكثر من 220 وفاة وخسائر اقتصادية هائلة، أن نماذج LSTM قادرة على تحسين دقة التنبؤ بمستويات أحد الأنهار في ألمانيا مقارنة بالنماذج التقليدية للطقس والهيدرولوجيا، وحققت دقة تصل إلى 92% مع زيادة زمن التحذير بحوالي 36 ساعة قبل وقوع الفيضان.

الأقمار الصناعية: مراقبة الفيضانات من الفضاء

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التنبؤ، بل يمتد إلى المراقبة الفورية للفيضانات باستخدام صور الأقمار الصناعية.

وبفضل خوارزميات التعلم العميق، يمكن تحليل صور الرادار والتلسكوبات لتحديد المناطق المغمورة بالمياه بدقة عالية، حتى في المناطق التي تفتقر إلى محطات قياس أرضية.

ففي كثير من مناطق العالم، لا سيما الدول النامية والمناطق النائية، قد لا تتوفر شبكات كافية من محطات قياس الأنهار أو أجهزة الرصد الأرضي، وهنا تلعب الأقمار الصناعية دورًا حاسمًا بوصفها المصدر الأكثر شمولًا وانتظامًا للبيانات البيئية.

لكن الصور الفضائية وحدها لا تكفي، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحليلها بسرعة ودقة، وهو ما جعل الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تقنيات التعلّم العميق، عنصرًا أساسيًا في مراقبة الفيضانات الحديثة.

تعتمد أنظمة المراقبة الحديثة على شبكات عصبية عميقة قادرة على التعرّف تلقائيًا على المسطحات المائية، والتمييز بين المياه الدائمة ومياه الفيضانات، وقياس امتداد الفيضان بدقة مكانية عالية.

تُدرَّب هذه النماذج على آلاف الصور الفضائية الملتقطة في ظروف مختلفة، ما يسمح لها بالتعامل مع تحديات معقّدة مثل الغيوم الكثيفة والظلال والتضاريس الحضرية وانعكاسات الضوء، وتُستخدم في ذلك صور الرادارات التي تستطيع الرؤية ليلًا ونهارًا ومن خلال الغيوم، إلى جانب الصور البصرية التقليدية.

يمكن لنماذج التعلّم العميق تقسيم الصور الفضائية لإنتاج خرائط فيضانات شبه فورية، تُحدّث خلال ساعات قليلة من التقاط الصورة، بحيث تتيح للسلطات المحلية تحديد القرى والأحياء الأكثر تضررًا، وتقييم الطرق والبنية التحتية المقطوعة، وتوجيه فرق الإنقاذ والإغاثة بدقة أعلى.

أحد أبرز الأمثلة التطبيقية في الإنذار المبكر هو مشروع غوغل للتنبؤ بالفيضانات (Google Flood Forecasting)، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالفيضانات في أكثر من 80 دولة.

ويجمع المشروع بين بيانات الأقمار الصناعية، ونماذج الطقس، وبيانات الأنهار لتقديم توقعات تصل إلى سبعة أيام مسبقًا، مع إرسال تحذيرات مباشرة للسكان، خاصة في الدول النامية التي تعاني نقصًا في البنية التحتية للرصد.

التحديات وحدود التقنية

رغم هذا التقدم، تحذّر مراجعات علمية حديثة من المبالغة في التعويل على الذكاء الاصطناعي وحده.

تؤكد مراجعة شاملة نُشرت في مجلة "ساينس دايركت" أن نجاح هذه الأنظمة يعتمد على جودة وتوفّر البيانات، والشفافية في تفسير النماذج، ودمجها ضمن أطر حوكمة واضحة، لا التعامل معها كحل تقني منفصل، وتدريب الجهات المعنية على تفسير المخرجات واتخاذ القرار بناءً عليها.

يشير هذا التحول إلى أن الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا أساسيًا في مستقبل إدارة الفيضانات، خاصة في عالم يشهد تسارعًا في المخاطر المناخية، غير أن هذه التقنيات، مهما بلغت دقتها، تظل أدوات لدعم القرار، لا بديلًا عن التخطيط والحوكمة والاستجابة البشرية، فالذكاء الاصطناعي قد يخبرنا بأن الفيضان قادم، لكنه لا يقرّر وحده كيف نستعد له.

كلمات مفتاحية
الفضاء

هل تتحول صواريخ الفضاء الإيرانية إلى أهداف عسكرية؟

كان من المفترض أن يشكل الشهر الحالي محطة احتفالية لإيران، مع افتتاح مجمع الإطلاق الجديد في تشابهار، الأكبر في المنطقة، وإطلاق أربعة أقمار صناعية إلى المدار

صورة تعبيرية

اكتشاف علمي لافت.. أدمغة "المعمّرين الفائقين" تواصل إنتاج الخلايا العصبية

يعيد هذا الاكتشاف إشعال الجدل حول قدرة الدماغ البشري على تجديد نفسه في مراحل متقدمة من العمر

صورة تعبيرية

الإسفلت الأخضر: نفايات بلاستيكية تعزز متانة واستدامة الطرق مستقبلًا

تعتمد فكرة الإسفلت المدعّم، على دمج أنواع معينة من البلاستيك المعاد تدويره ضمن الخلطة الإسفلتية

ألغام بحرية
سياق متصل

ما أنواع الألغام التي تمتلكها إيران وكيف يمكن مكافحتها؟

يرى عدد من خبراء حرب الألغام أن إيران قد تكون أقدمت بالفعل على نشر عدد محدود من الألغام في قاع البحر، يمكن تفعيلها في أي وقت لتهديد حركة السفن

مضيق هرمز
سياق متصل

تحالف بحري في مضيق هرمز.. هل تحاول واشنطن تدويل المواجهة مع طهران؟

تسعى إدارة ترامب لتشكيل تحالف بحري في مضيق هرمز لحماية الملاحة، وسط تصاعد المواجهة مع إيران واستمرار تهديدات طهران للسفن.

صورة تعبيرية
أعمال

الاقتصاد العالمي بين النفط والتضخم.. تداعيات حرب إيران تتسع

تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية واسعة للحرب الدائرة مع إيران، وسط اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية

صورة تعبيرية
أعمال

انتعاش قصير وتباطؤ مفاجئ.. كيف أربكت حرب إيران سوق الغاز في أوروبا؟

يتسارع التحول الطاقي في أوروبا مع توسع استخدام الطاقة المتجددة، ومع ذلك، من المرجح أن يظل الغاز عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة الأوروبي خلال السنوات المقبلة