الديماغوجيون يحتلون العالم

الديماغوجيون يحتلون العالم

دونالد ترامب في أحد المؤتمرات الانتخابية (Flickr)

على ما يبدو أن النخبة السياسية تنهار أمام تصاعد القوى الشعبوية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، وعالمنا العربي، ولعل السبب وراء ذلك يعود لفقدان الثقة بين الشعوب والقادة النخبويين، أو الفجوة بينهم وبين قيادتهم، فضلًا عن لغة الخطابة -مشبعات الجماهير- المستخدمة مع الشعب.

من هنا بدأ بروز تيار الديماغوجيون منذ أقدم العصور من اليونان القديمة، أمثال كليون، وانتكاس ديموقراطية أثينا، حتى يومنا هذا وظهور بوتين، وترامب، وأردوغان، وما حل في الوطن العربي من آثار انتكاس الثورات.

فالديماغوجيا هي استراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة، للحصول على السلطة والكسب للقوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية، معتمدين على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، ويكون ذلك عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيع القومية والشعبية، محاولين استثارة عواطف الجماهير. ربما تكون جاذبية الأفكار والوعود، بالنسبة للمُعدمين أو فاقدي حقوقهم الأساسية، أو الذين يسعون إلى النضال من أجل تحقيق مستوى ما من العدالة، وربما هي جاذبية تحقيق الطموح والمجد الشخصي.

مع بداية عهد بوتين، وارتفاع أسعار النفط، ظهرت روسيا أكثر حزمًا، وأقل مودّة، تخطو خطواتٍ واسعة على الساحة الدولية

يقول إيان بريمر إن سقوط الاتحاد السوفيتي في 25 كانون الأول\ديسمبر عام 1991 أدّى بالكثيرين إلى التوقّع بأن روسيا الجديدة ستجنح إلى الشراكة مع الغرب، بقيمٍ جديدة، وطاقة جديدة، وبداية جديدة. لكن بنهاية التسعينات، اتضّح أن القادة الروس اختاروا طريقًا مختلفًا، ومع بداية عهد بوتين، وارتفاع أسعار النفط، ظهرت روسيا أكثر حزمًا، وأقل مودّة تخطو خطواتٍ واسعة على الساحة الدولية.

اقرأ/ي أيضًا: أنجيلا ميركل.. هدف روسيا القادم

لم تختلف تركيا كثيرًا. دعتها أوروبا إلى بدء إجراءات الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي في 1999، مفترضة أن المفاوضات حول عضوية ما وصفه بريمر بـ«أكثر النوادي المرغوبة في العالم» سيخفف من حدة أية خلافات. لكن أردوغان تملّكته أحلام استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، تمامًا كما حلم بوتين ببعثٍ روسي جديد. ويسعى الرئيسان إلى السيطرة على الحياة السياسية في البلدين. حقق بوتين حلمه، بينما ما زال أردوغان على الطريق، ويطرح هذا العام استفتاءًا شعبيًّا على تغييرات دستورية ستمنح إدارته سلطات جديدة مهمة.

من جانبها، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بمناسبة إصدار تقريرها العالمي 2017 إن صعود قادة شعبويين في الولايات المتحدة وأوروبا يشكل تهديدًا خطيرًا لضمانات حقوق الإنسان الأساسية، وتشجيعًا للحكام المستبدين عبر العالم للاستمرار في سوء المعاملة. حيث تسبب انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، بعد حملة مليئة بالكراهية والتعصب، وتصاعد نفوذ الأحزاب السياسية التي ترفض الحقوق الكونية في أوروبا، في تعريض نظام حقوق الإنسان لما بعد الحرب للخطر.

في الوقت نفسه، عزّز القادة الأقوياء في روسيا وتركيا والفلبين والصين سلطاتهم، بدلًا عن تعزيز حكومات قابلة للمحاسبة وسيادة القانون، كضمانة للرخاء والأمان. حيث قالت المنظمة إن هذه التوجهات المتقاربة، فضلًا عن عمليات الدعاية التي لا تحترم المعايير القانونية ولا تكترث لتحليل الوقائع، تشكل تحديًا مباشرًا للقوانين والمؤسسات التي تعزز الكرامة والتسامح والمساواة.

أردوغان تملّكته أحلام استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، تمامًا كما حلم بوتين ببعثٍ روسي جديد

ذكر المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" الصادر عام 1895، أن الجماهير، أيًا تكن ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الاجتماعية بحاجة لأن تخضع لقيادة محرِّك، وهو لا يقنعها بالمحاجات العقلانية والمنطقية، وإنما يفرض نفسه عليها بالقوة، كما أنه يجذبها ويسحرها بواسطة هيبته الشخصية.

أيضًا يرى لوبون أن الدعاية ذات أساس لا عقلاني يتمثل بالعقائد الإيمانية الجماعية، ولها أداة للعمل تتمثل بالتحريض من قريب أو بعيد -أي بالعدوى-، ومعظم أعمالنا ناتجة عن هذه الدعاية.

إن الجماهير لا تعرف إلا العواطف البسيطة والمتطرفة، فإن الآراء والأفكار والعقائد التي يحرضونها عليها تُقبل من قبلها أو ترفض دفعة واحدة، فإما أن تعتبرها حقائق مطلقة أو أخطاءًا مطلقة.

روسيا والولايات المتحدة وتركيا وسوريا ومصر

رؤساء هذه البلدان لكل واحد حلمه الخاص يجتمعون على أنهم شعوبيين. فالبداية كانت من بوتين استطاع أن يعيد إلى روسيا هيبتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، واستطاع أيضا أن يكون صاحب دور إقليمي ودولي، محاذيًا بذلك الولايات المتحدة، بل وكما يرجح الكثيرون أعاد صراع القطبين بعد الحرب الشبه عالمية التي حدثت بالوكالات في سوريا، فهو يمشي على خطى يوري أندروبوف.

اقرأ/ي أيضًا: "ترامبات" العراق

أردوغان سوّق لنفسه بأنه مدافعًا عن الشعوب المضطهدة، ووقف في كثير من الأحيان مع الثورات العربية، فكان مؤيدًا وراعيًا رسميًا، حاول أن يكون أول رئيس تركي منتخب بالانتخاب المباشر، ونجح في ذلك أيضًا.

النظام السوري الممثل في رئيس حزبه البعثي بشار الأسد، سوّق لنفسه أمام الجماهير على أنه من يحمي المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي

لم يقف أردوغان عند ذلك، بل أنهى ضمنيًا ما يعرف بدولة أتاتورك العميقة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز\يوليو 2016، كما دعا شعبه إلى اعتباره حفيدًا من أحفاد الخلافة العثمانية.

أما النظام السوري الممثل في رئيس حزبه البعثي بشار الأسد، سوّق لنفسه أمام الجماهير على أنه من يحمي المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأنه يجسد محور الممانعة. وعلى خطى السابقين يحلم بالقومية العربية، التي تتجسد في مبادئ وأهداف حزبه الحاكم في سوريا.

مصر بعد 25 كانون الثاني/يناير 2011، وهي تبحث عن من يلملم جراح ثورتها، إلى أن انتخب الرئيس مرسي، وبعد عزله عن الحكم كانت سنة حكمه ضائعة من عمرها، إلى أن جاء الرئيس السيسي، الذي سوّق لنفسه هو الآخر على أنه يحارب الإرهاب، وأراد أن يعيد أمجاد أم الدنيا لتعادل العالم، لكن مازال النظام على نفس منوال الآخرين يناطح السحاب.

أخيرًا ترامب، الذي أثار الحديث عنه جدلًا واسعًا بين النخبة، وهو يحاول أن يقوقع القومية الأمريكية في خطابات حملته الانتخابية، بطرد المسلمين، وبناء جدار مع الحدود المكسيكية.

اقرأ/ي أيضًا:
السيسي يهنئ ترامب.. وعود وكيمياء متبادلة
كيف سيبدو 2017 في ظل رئاسة ترامب؟