الديزل يسجل مستوى قياسيًا في أميركا.. حرب إيران ترفع كلفة النقل وتهدد أسعار الغذاء
5 سبتمبر 2026
سجل متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا جديدًا عند 5.85 دولارات للغالون، في قفزة تعكس التداعيات المتزايدة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وسط تحذيرات من أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود قد يدفع تكاليف النقل والسلع الاستهلاكية إلى مستويات أعلى.
ولا تقتصر أهمية الارتفاع على سائقي الشاحنات أو شركات النقل، فالديزل يشكل جزءًا أساسيًا من حركة الاقتصاد الأميركي، إذ تعتمد عليه الشاحنات والقطارات والسفن ومعدات الزراعة، ما يعني أن ارتفاع سعره ينتقل تدري جيًا من محطات الوقود إلى المتاجر والمطاعم والمستهلكين.
الديزل عند قمة تاريخية
ووفقًا لوكالة "أسوشيتد برس"، بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة 5.85 دولارات للغالون، متجاوزًا المستوى القياسي السابق المسجل في حزيران/يونيو 2022، عندما اقترب السعر من 5.82 دولارات. لكن المقارنة التاريخية تحتاج إلى احتساب التضخم؛ فالسعر القياسي المسجل في 2022 يعادل نحو 6.56 دولارات بأسعار 2026، بينما بلغ السعر المرتفع قبل الأزمة المالية العالمية في 2008 نحو 4.74 دولارات، وهو ما يعادل قرابة 7.20 دولارات حاليًا.
يشكل الديزل جزءًا أساسيًا من حركة الاقتصاد الأميركي، إذ تعتمد عليه الشاحنات والقطارات والسفن ومعدات الزراعة، ما يعني أن ارتفاع سعره ينتقل تدري جيًا من محطات الوقود إلى المتاجر والمطاعم والمستهلكين
ومع ذلك، فإن الارتفاع الحالي يمثل ضغطًا كبيرًا على الشركات والمستهلكين، خصوصًا أن السعر أصبح أعلى بنحو 56% مقارنة بالمستوى الذي كان عليه قبل بدء الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر شباط/فبراير، عندما كان متوسط سعر الديزل نحو 3.76 دولارات للغالون.
البنزين يرتفع أيضًا
لم يقتصر تأثير الحرب على الديزل، إذ ارتفع متوسط سعر البنزين العادي إلى 4.15 دولارات للغالون، مقارنة بنحو 2.98 دولار قبل الحرب، بزيادة تتجاوز 39%. ويمثل ذلك أعلى متوسط على الإطلاق خلال عطلة "عيد العمال" في الولايات المتحدة، وفق رابطة السيارات الأميركية AAA، التي أشارت إلى أن أسعار البنزين تجاوزت 4 دولارات يوميًا طوال شهر آب/أغسطس للمرة الأولى. ورغم ذلك، لا يزال البنزين أدنى من ذروته المسجلة خلال أزمة 2022، عندما اقترب المتوسط الوطني من 5.02 دولارات للغالون.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
يرتبط جزء كبير من الارتفاع بتداعيات الحرب على تدفقات النفط العالمية، ولا سيما حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وقد أدى الصراع إلى تراجع حركة السفن عبر المضيق، الذي تمر من خلاله نحو 20% من شحنات النفط العالمية، ما تسبب في اضطراب الإمدادات ورفع تكلفة الخام والمنتجات النفطية.
ومع تجدد التصعيد العسكري، ارتفع سعر خام برنت، المرجع العالمي، إلى أكثر من 95 دولارًا للبرميل، بعدما كان في حدود 70 دولارًا قبل اندلاع الحرب. وكانت أسعار النفط قد تراجعت في وقت سابق من الصيف مع ظهور آمال بالتوصل إلى تسوية، لكن تجدد القتال أعاد الضغوط إلى الأسواق، وأعاد مخاوف نقص الإمدادات إلى الواجهة.
لماذا يتأثر الديزل أكثر؟
ارتفاع الديزل لا يعني فقط زيادة تكلفة التزود بالوقود بالنسبة للسائقين، بل يضرب قطاع النقل بأكمله. فالطلب على الديزل أكثر صعوبة في التراجع مقارنة بالبنزين. وقد يستطيع المستهلك تقليل استخدام سيارته أو تأجيل بعض الرحلات عندما ترتفع أسعار البنزين، لكن الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية والملابس والأثاث والسلع الأخرى لا تملك بديلًا سريعًا.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة تكنولوجيا النقل بالشاحنات SemiCab، أيجش كابور، إن سعر الديزل يؤثر بشكل مباشر جدًا في كل ما يتم نقله تقريبًا، محذرًا من أن قدرة قطاع النقل على امتصاص الزيادات لها حدود.
الطعام في مرمى الأزمة
يعد قطاع الغذاء من أكثر القطاعات تعرضًا لتداعيات ارتفاع الديزل، لأن الوقود يدخل في مراحل متعددة من رحلة الغذاء من المزرعة أو البحر إلى رفوف المتاجر. فالمزارعون يستخدمون الديزل لتشغيل الجرارات والمعدات الزراعية، بينما تعتمد سفن الصيد عليه، ثم تأتي الشاحنات والقطارات التي تنقل المنتجات إلى مراكز التوزيع والمتاجر.
وتقدر مجموعة Independent Grocers Alliance أن الوقود يمثل نحو 15% إلى 30% من إجمالي تكلفة الغذاء، ما يجعل ارتفاع أسعار الطاقة عاملًا مهمًا في تحديد أسعار المنتجات النهائية.
وتظهر التأثيرات بصورة أوضح في السلع سريعة التلف، مثل الفواكه والخضروات واللحوم والمأكولات البحرية، التي تحتاج إلى نقل متكرر وسريع، إضافة إلى تكاليف التبريد. وفي تموز/يوليو، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في الولايات المتحدة بنسبة 2.7% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفعت أسعار المأكولات البحرية بنحو 7% والفواكه الطازجة بنسبة 4.9%.
لكن ارتفاع الأسعار لا يعود إلى الوقود وحده، إذ يمكن لعوامل أخرى، مثل حجم الطلب والأمراض التي تصيب المحاصيل، أن تؤثر في الأسعار.
زيادات تصل إلى المستهلك
في بداية الأزمة، تستطيع الشركات في بعض الحالات امتصاص جزء من الزيادة عبر هوامش أرباحها أو عقود الشحن طويلة الأجل، لكن استمرار ارتفاع أسعار الوقود يجعل ذلك أكثر صعوبة. وأوضح خبير اقتصاد الغذاء والسياسات في جامعة ولاية ميشيغان، ديفيد أورتيغا، أن جزءًا كبيرًا من الزيادة يتم امتصاصه في البداية داخل سلسلة الإمداد، لكن مع إعادة تسعير العقود وظهور رسوم الوقود الإضافية، ينتقل جزء أكبر من التكلفة إلى المتاجر والمستهلكين.
وهذا يعني أن المستهلك قد لا يرى التأثير الكامل للارتفاع في أسعار الديزل فورًا، لكن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يجعل أثرها أكثر وضوحًا على رفوف المتاجر.
شركات الشحن تفرض رسومًا إضافية
بدأت بعض الشركات بالفعل بنقل جزء من الزيادة إلى العملاء، فشركة Amazon فرضت في نيسان/أبريل رسمًا مؤقتًا بنسبة 3.5% على الوقود والخدمات اللوجستية لبعض البائعين الخارجيين على منصتها.
كما لجأت شركات UPS وFedEx وخدمة البريد الأميركية إلى فرض رسوم إضافية على بعض الشحنات خلال الحرب، في محاولة لتعويض ارتفاع تكاليف الوقود. ولا تقتصر التداعيات على الشحن التجاري، إذ تستخدم بعض حافلات النقل العام والقطارات الديزل، كما تعتمد بعض المناطق والمنشآت على مولدات الديزل كمصدر احتياطي للطاقة.
أزمة تتجاوز الولايات المتحدة
تداعيات ارتفاع أسعار الوقود تمتد إلى الأسواق العالمية، وقد تكون أكثر حدة في بعض الدول الآسيوية والأفريقية التي تعتمد بدرجة أكبر على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
وبحسب بيانات Global Petrol Prices التي أوردتها أسوشيتد برس، ارتفعت أسعار الديزل منذ أواخر شباط/فبراير بنحو 90% في نيجيريا، و87% تقريبًا في إندونيسيا، و77% في لبنان.
وفي نهاية آب/أغسطس، بلغ متوسط سعر الديزل في نيجيريا نحو 4.91 دولارات للغالون، بينما سجلت هونغ كونغ أعلى سعر رصدته البيانات عند نحو 17.73 دولارًا للغالون، بزيادة تجاوزت 25% خلال فترة الحرب.