"الدولة العميقة" في إسرائيل: وهم سياسي أم تهديد حقيقي للنظام؟
12 ابريل 2025
في قلب الأزمة السياسية المتفاقمة التي تعصف بإسرائيل منذ أكثر من عام، برز مصطلح "الدولة العميقة" كأحد أبرز أدوات الخطاب السياسي لحكومة بنيامين نتنياهو، التي دخلت في صدام مفتوح مع "مؤسسات الدولة"، وعلى رأسها الجهاز القضائي والأمني.
وبينما تتواصل موجات الاعتراض داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات، ويعبّر كبار المسؤولين الأمنيين عن قلقهم من توجهات الحكومة، يصرّ نتنياهو وحلفاؤه على اتهام ما يسمونه "الدولة العميقة اليسارية" بمحاولة "تقويض إرادة الشعب من خلال استخدام النظام القضائي كسلاح سياسي"، مشيرًا إلى وجود تشابه بين ما يحدث في إسرائيل والولايات المتحدة.
ردًا على رسائل الاحتجاج شن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هجومًا لاذعًا على الضباط والجنود والمتقاعدين في سلاح الجو وضباط البحرية والمحتجين من النخب الأمنية السابقة، واصفًا إياهم بـ"الأعشاب الضارة" المدعومة من الخارج
نتنياهو في مواجهة مؤسسات الدولة
هذا الصراع تجلى في إعلان نتنياهو نيته إقالة رئيس جهاز الاستخبارات "الشاباك"، رونين بار، مشيرًا إلى "عدم الثقة المستمر" بينهما. لكن المحكمة العليا في إسرائيل قررت تجميد قرار الحكومة بإقالة رئيس الجهاز، والسماح له بالبقاء في منصبه مؤقتًا حتى النظر في الالتماسات المقدمة ضد القرار.
ومنعت المحكمة العليا نتنياهو من تعيين رئيس للجهاز بديلًا لرونين بار، سواءً بصورة دائمة أو مؤقتة. كما منح رئيس المحكمة الحكومة والمستشارة القضائية، غالي بهاراف ميارا، مهلة للتوصل إلى تسوية مقبولة حتى 20 نيسان/أبريل الجاري.
رسالة ضباط وجنود الاحتياط في سلاح الجو الإسرائيلي، التي دعت علنًا إلى وقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل أسرى، فجّرت موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
تفاصيل أكثر: https://t.co/AVMYjgwd4I pic.twitter.com/rKiqZ3ELK4
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) April 11, 2025
أثار هذه القرارات جدلًا حول مدى تأثير "الدولة العميقة" التي يتحدث عنها نتنياهو على قرارات الحكومة بوصفها "أدوات مقاومة داخلية" تهدد حكومته، مما يكرّس أزمة ثقة عميقة بين القيادة السياسية وأجهزة الدولة في إسرائيل.
وفي خضم المأزق السياسي المتصاعد داخل إسرائيل، وقّع نحو 1000 من ضباط وجنود احتياط سلاح الجو الإسرائيلي، بينهم حوالي 200 في الخدمة الفعلية بالإضافة إلى متقاعدين، على رسالة احتجاجية تدعو إلى وقف فوري للأعمال العسكرية في قطاع غزة والتركيز على إعادة المحتجزين، لتتسع رقعة الاحتجاجات إلى مؤسسة الاستخبارات والطب العسكري وسلاح البحرية والمدرعات، بالإضافة إلى المؤسسات الأكاديمية والجامعات الإسرائيلية.
وردًا على رسائل الاحتجاج، شن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هجومًا لاذعًا على الضباط والجنود والمتقاعدين في سلاح الجو وضباط البحرية والمحتجين من النخب الأمنية السابقة، واصفًا إياهم بـ"الأعشاب الضارة" المدعومة من الخارج، متهمًا إياهم بتقويض الجيش وتشجيع أعداء إسرائيل.
هذا الهجوم الذي نُشر عبر حسابه على منصة "إكس"، لم يكن فقط ضد احتجاجات العسكريين، بل كان جزءًا من هجوم أوسع ضد مؤسسات الدولة ذات الطابع المهني، من الجيش إلى القضاء، ومن الإعلام إلى الأجهزة الأمنية. ولا يبدو أنه معزولًا عن الخطاب الجديد الذي بات يتبناه اليمين الإسرائيلي المتطرف، والذي يشيطن المعارضين لسياسات الحكومة ويصفهم بما بات يُعرف بـ"الدولة العميقة".
بحسب رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" ألوف بن، يسعى نتنياهو لتحويل "إسرائيل" إلى دولة ديكتاتورية دينية وقومية، مستفيدًا من دعم إدارة ترامب اللامحدود.
اقرأ أكثر: https://t.co/WqY1wZMHsc pic.twitter.com/A4mhDvvqA2
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) March 21, 2025
خطاب نتنياهو الجذري وجذوره الأيديولوجية
ووفقًا لمقال تحليلي نشره المؤرخ والباحث في العلوم السياسية، آفي شيلون، في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن نتنياهو وأنصاره باتوا يتبنون خطابًا يحمّل موظفي الدولة، لا السياسيين، مسؤولية الإخفاقات والتحديات الأمنية، تحت ذريعة وجود "الدولة العميقة" التي تسعى لتقويض سلطة الحكومة المنتخبة. وهو خطاب يتعارض جذريًا مع تراث اليمين الإسرائيلي التقليدي قبل نتنياهو، وفق شيلون.
وفي أحد خطاباته، أشار نتنياهو إلى نصيحة تلقاها من والده، المؤرخ بنتسيون نتنياهو، دعا فيها وزراء الحكومة إلى "التعلم الواسع" لمواجهة "موظفي الدولة"، الذين يُنظر إليهم اليوم "كأعداء خفيين للحكم الديمقراطي". ورغم عدم وضوح ما إذا كان والده استخدم فعليًا مصطلح "الدولة العميقة"، إلا أن الإشارة تعكس تحوّلًا في الذهنية الحاكمة لليمين الإسرائيلي، كما يقول كاتب المقال.
وهنا يطرح شيلون سؤالًا: "إذا كانت هذه الأجهزة تعجّ بالمخربين والخصوم السياسيين، فكيف ظلت تعمل خمسين عامًا تحت حكم اليمين دون أن يتم تطهيرها أو استبدالها؟".
تسييس الكادر المهني وهدم الحوكمة
تكمن الأزمة في ادّعاء نتنياهو أن موظفي الدولة يتبعون أجندة مستقلة عن الحكومة. إلا أن الواقع، بحسب التحليل، مختلف تمامًا. فالوزراء، في الغالب، ليسوا خبراء في المجالات التي يديرونها، ويعتمدون على مستشاريهم وموظفيهم لاتخاذ قرارات مبنية على معرفة. وزير الأمن ليس خبيرًا استراتيجيًا، ولا وزيرة المواصلات مختصة بتخطيط الطرق، ولكن الجهاز المهني هو الذي يقدم المعطيات لتساعد صانع القرار السياسي.
الهجوم على هذا الجهاز – كما في حالة الشرطة حين تستدعي سياسيًا للتحقيق، أو الشاباك حين يعارض إجراءات حكومية لأسباب أمنية – يُحوّل الدولة إلى كيان فوضوي لا تحكمه قواعد مؤسساتية، بل أهواء سياسية.
المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية: يُمنع على نتنياهو تعيين رئيس جديد لجهاز الشاباك أو حتى عقد مشاورات لبحث ذلك. pic.twitter.com/rUKhQZvuCo
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) March 21, 2025
بيغن ونتنياهو: مفترق الطرق بين الحكم والمؤسسات
يستحضر شيلون نموذج رئيس الحكومة الأسبق مناحِم بيغن، الذي غيّر السياسات لكنه حافظ على الكوادر المهنية في أماكنها، ورفض إقالة رئيس جهاز "الموساد" آنذاك، إسحاق حوفي، رغم معارضته لقصف المفاعل النووي العراقي عام 1981. المقارنة مع نتنياهو تُبرز التحوّل الخطير في نهج الحكم: "من دولة يحترم فيها الساسة آراء الخبراء، إلى سلطة تحاول ليّ ذراع المؤسسات الأمنية والمهنية أو تحطيمها"، وفق قوله.
الواقع الجديد الذي تسير نحوه إسرائيل – كما يحذر شيلون – يشبه نماذج لدول من "العالم الثالث"، حيث يُستخدم مفهوم "الدولة العميقة" لتصفية المعارضين المهنيين، وتبرير فشل السلطة، وتدمير قواعد الحوكمة.
المفارقة أن هذا المسار لا يُضعف المعارضة فقط، بل يُقوّض المؤسسات التي يَفترض أنها "تحمي أمن الدولة واستقرارها". وإذا ما استمرت حكومة نتنياهو في هذا التوجه الذي يصفه شيلون بـ"الفاشل"، فإنها لا تحارب "الدولة العميقة"، بل تحفر تحت قواعد "الدولة الحديثة" نفسها.






