الدولار والجنيه وأزمة وزير ومحافظ

الدولار والجنيه وأزمة وزير ومحافظ

الصحفيون في قارب أثناء افتتاح قناة السويس (Getty)

بعد ساعات من انتهاء فعاليات "المؤتمر الاقتصادي"، الذي عقد بمدينة شرم الشيخ المصرية في آذار/مارس الماضي، أصدر محافظ البنك المركزي المصري عدة قرارات لتقييد حركة الصرف الأجنبي بين مؤسسات الصرف المصرية، وتحجيم الحركة من وإلى مصر.

جاءت قرارات البنك المركزي المصري ملازمة لقانون جديد للاستثمار، لتوفير غطاء من الأمان للمستثمرين

جاءت قرارات البنك ملازمة لقانون جديد للاستثمار، أصدره الحاكم المصري عبد الفتاح السيسي، لتوفير غطاء من الأمان للمستثمرين ولتحقيق شروط مؤسسات الأعمال الإماراتية في توفير وضعٍ خاصٍ لها لتنفيذ تعهداتها بضخ استثمارات مليارية في السوق المصري، وهو ما لم يتم حتى الآن برغم وعود المؤتمر ورغم تنفيذ كافة الشروط وإزاحة جميع العراقيل، ليتحول المستثمر وفقًا للقانون الجديد إلى مؤسسة سيادية جديدة تضاف إلى رصيدنا من السادة، وتوضع مصالحها فوق الدستور والقانون والشعب والديمقراطية.

استمرت مطالبات المستثمر الإماراتي بعد القانون إلى وضع سياسة للصرف النقدي تشمل سعرًا مستقرًا للدولار يقترب من السعر الحقيقي، وهو ما سبب أزمة حقيقية لدى البنك المركزي الذي اضطر إلى تخفيض قيمة الجنيه المصري بنسبة 6.40%، واضطر معها الى وضع قيود على السوق الموازية وإجراءات مشددة حول تداول الأفراد للنقد الأجنبي، لتفادي انهيار سوق العملة بتركها للعرض والطلب.

اختفى المستثمر الإماراتي في ظروف غامضة، ولم يدخل السوق المصرية دولار واحد على سبيل الاستثمار منذ المؤتمر الاقتصادي، وترك لنا قانونًا معيبًا للاستثمار وسوق صرف أجنبي تئن تحت وطأة احتياجات المستوردين وتأكل الاحتياطي النقدي. وكعادة المسؤولين المصريين في هكذا ظروف نشبت مشادات وتبادل اتهامات بين وزير المالية ومحافظ البنك المركزي وصل إلى حد السباب العلني ثم القطيعة الكاملة، وسط انهيار اقتصادي وشيك مع غياب أي رؤية واضحة للخروج من الأزمة، أو برنامج اقتصادي للحاكم ورئيس حكومته.

استمرت الحكومة في عملها لأسابيع مع استمرار القطيعة بين المسؤولين، حتى بدأت الخلافات تخرج إلى النور بتصريحات محافظ البنك المركزي حول وضع قيود أشد صرامة على الاستيراد والاكتفاء بالسلع الضرورية فقط، مع الاستغناء عن الكماليات وسلع الرفاهية، وهو ما أبدى تعارضًا واضحًا مع مصالح المستثمرين ومع توجه وزراء المجموعة الاقتصادية من معتنقي أفكار الرأسمالية الجديدة.

تصور أغلب المتابعين أن الأزمة الخلافية بين المسؤولين ستطيح بأحدهما وكان الأقرب هو وزير المالية مع الحديث حول تعديل وزاري، وهو ما لم يحدث حيث تم تغيير رئيس الحكومة وبقي الوزير في منصبه وبقيت الخلافات على ما كانت عليه. تدخل رئيس الحكومة الجديد في حل الأزمة ولكنها تفاقمت بتصعيد هجوم المستثمرين على السياسة النقدية للبنك المركزي، وفي المقابل تشبث المحافظ باجراءاته حتى الرمق الأخير، وصرح وزير الاستثمار بأن تخفيض قيمة الجنيه لم يعد مسألة اختيار.

لمّح رئيس الحكومة المصري بأن استهلاك العملة الصعبة في "قناة السويس" وحل أزمة الكهرباء، كانا من أسباب أزمة نقص الدولار من السوق

لتحل أزمة جديدة في شهر تشرين الأول/ أكتوبر بين الوزير والمحافظ، بعد أن أعلن الوزير نيته الاقتراض من البنك الدولي لسداد ديون متراكمة عن فترات سابقة، وطلب الأخير مقاربة السعر الرسمي للجنيه المصري بالسعر الحقيقي له، مما تسبب في إجبار البنك المركزي على تخفيض جديد في قيمة الجنيه، وفجوة جديدة بين السوق الرسمية والموازية لتداول الدولار. وتتزايد تهديدات المستثمرين باتخاذ إجراءات تقليص لأعمالهم في مصر وصلت إلى حد التهديد بإنهاء المشروعات بالكامل، إذا لم يوقف البنك المركزي قيوده على حركة الدولار خارج الدولة.

ثم أخيرًا تنتهي الأزمة بتدخل رئيس الحكومة لدى السيسي للتخلص من هشام رامز، واستبداله بمحافظ آخر للبنك المركزي أكثر تقاربًا مع وزراء المجموعة الاقتصادية، وأكثر بعدًا من سابقه، ليتخذ السيسي قراره بإنهاء خدماته وتولية طارق عامر مسؤولية البنك المركزي.

جدير بالذكر أن التصريح الأخير لرامز كان تلميحه بأن استهلاك العملة الصعبة في مشروع تفريعة قناة السويس، وحل أزمة الكهرباء قد كانا من أسباب أزمة نقص الدولار من السوق. ويعلن رجال الأعمال فوزهم في معركة جديدة مع الدولة، بعد إقرار قانون الاستثمار وإلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية، وإقرار تعديلات قانون الكسب غير المشروع.

اقرأ/ي أيضًا:

حكاية كنيسة وجامع

وطن ذاهب إلى الخدمة الإلزامية