الدوران السرمدي

الدوران السرمدي

غرافيتي في لندن لـ بول سميث دون

E=mc² أي أن الطاقة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء، تلك هي المعادلة الأساسية التي طالما حلم العلماء بمعيّتها تطوير تقنيات تكنولوجية تخدم البشرية. كل ما عليك أن تفعله لكي تنمو عضوًا مؤثرًا في هذا العالم، هو أن تولد للوالد الملائم. وأنا نجحت بذلك بشكل لا بأس به، فأنا سليل العائلة المالكة في الدولة، رغم أن والدي اعترف بي إلا أن آمالي في الوصول إلى العرش تضاهي الصفر بسبب أمي، المدرّسة الخاصة السابقة لسموّ الأمير أخي الأكبر، الحاصلة على الأستذة في الفيزياء النووية في جامعة ديلمان الفلبين.

في دولة يحكمها ملك، أن تقول لا للملك تعني أن تقول لا للقانون، فتصبح خارجًا عن القانون رافضًا للذات الملكية، فتصبح حياتك عرضة للخطر، وحياة أهلك عرضة للجوع والذل بامتناع الأموال المحوّلة إليهم، وذلك ما لم يدخل في معادلات والدتي عندما قررت السفر إلى المملكة لتكسب عشرة أضعاف دخلها كمحاضرة في الجامعة.

لقد كنت الخارج عن القاعدة من نتائج شهوات ذلك المسخ المدعو والدي، فعشرات الأشخاص الذين يمكنني إثبات صلتهم به عبر صفات متنحيّة يمتلكها معهم مخلوطة بطينة متغيرة، بين هنود وعرب وترك وروس وغيرهم من أعراق البشر كافّة، وعبر وجودهم سجناء هذا القصر الغبي المحاط بالحراس لا يعني سوى أمر جليّ، ولكن حظهم العاثر في وجود أمّهات ذوات مكانةٍ أقل شأنًا من والدتي جعلهم مجرد أشباح في عزبة هذه العائلة الشبقة.

ليس من الصعب أن تستحوذ على ممتلكات والدك بوجود كل هؤلاء الأغبياء حولك، بضع برمجيات صغيرة تفتح كل الأبواب المقفلة في حسابات الشركات الوهمية التي يملكها، والسرقة من اللصوص الذين يسطون على أموال شعوبهم ليست حقيقة سرقة، فأنا بدلًا من أن أصرف الأموال على "ما ملكت أيمانكم"، وعلى كل ما هو دنيوي دنس ودنيء، أصرفها على مستقبل البشرية، وعلى إنجاز آلات هندسية تحقق المعادلات الفيزيائية التي ابتدعها عظماء القرن العشرين.

لقدت وجدت المعادلة التي تمكّنني من اختراع آلة للسفر عبر الزمن، استثمرت في خط كهرباء مباشر من محطة توليد الطاقة يصل آلتي، التي وفقًا لحساباتي تستطيع بتلك الكمية القليلة نسبيًا من الطاقة أن تعيدني شهرًا إلى الوراء.

سيؤدي ذلك إلى قطع الكهرباء عن محافظة كاملة لعدة ساعات، لكنني لن أكون هناك لأدفع ثمن العواقب، إن وجدت أصلًا. وذلك عدا أن ذلك ثمن صغير يُدفع من أجل العلم. المهمّة ليست سهلة أبدًا، والتحديات تتضافر لتصنع حواجز مرتفعة تحتاج إلى حلول مجنونة وميزانيات أكبر، حتى بدأ ينتبه بعض الموظفين الى وجود أمور غير منطقية في الميزانية مع صعوبة في تتبع المصدر، لكنني أخيرًا نجحت في الانتهاء من بناء الآلة، وحددت ساعة الصفر.

الخلود ملهم البشرية الأول ومنبع الديانات في انقطاعه عن الأحياء، هل تخيل الأوّلون هذا النوع من الخلود، أن تعيش الشهر ذاته مرّةً بعد مرّة إلى ما لا نهاية، أن تتذكر كل نفس تتنفس وكل كلمة تقال، أن تتوقف عن ترديد ما سيقال بعد أن سمعته للمرة الألف، أن تجد ذاتك تكرّر ذاتها رغم الوقت اللانهائي أمامك لتدرس كل ما تريده، أن تعيش شابًا أبدًا في أوج إشعاعك العقلي.

عندما تنجح كل مرّة في إغواء من تريد دون أن تفكّر بتبعات ذلك في مستقبل يرفض أن يحضر سوى بانفجار يهز الكون ويلغي حضورك. لقد كنت هنا، هذا الشعور بالـ"ديجافو" يصبح مضحكًا، بعد أن توقفت عن العدّ عمدًا بعد  65536 مرّة، أو بصيغتها الرقمية 2 للقوّة 16، فالثابت يصبح متغيرًا والمتغير يصبح ثابتًا، تنعدم قوانين الوجود، وتعيد التفكير في كل المسلّمات التي تمسّكت بها بعد أن أثبتت عبثتيها.

مهما حاولت استبعاد ذلك، فإن فكرة التخلص من مقت وجودك المتكرر بانفجار كبير طالما هربت منه إلى ذاتك تجترّها مجددًا، تتسرب عبر مساماتك لتصبح الفكرة التي تستحوذ على جلّ مجهودك الفكري في محاولات التخلص منها. 

حتى أصبحت الآن مسألة وقت حتى تحصل، وها أنا أكتب هذا مودّعًا البشر ومعتذرًا عن كلّ من خلصتهم من كاهل وجودهم، في رحلتي الأخيرة نحو انعتاق المادة من وجودها الفيزيائي، لتصبح طاقة صرفة تندفع نحو حدود الكون غير مبالية بأي حدود.

ربما نلتقي في كونٍ موازٍ، أو دورةٍ أخرى، في مراوغات هذا الكون غير المحدودة.

وداعًا..

اقرأ/ي أيضًا:

حاسة الأمل

أريان دريفوس: لم نعد نشعر بما يدخلنا