"الدليفري" ليس آمنًا دائمًا.. مصريات يروين وقائع تحرش وملاحقة
13 سبتمبر 2026
في أحد أيام آب/أغسطس الحارة، لم تستطع منى (اسم مستعار) الطبخ، فهاتفت أحد المطاعم القريبة منها في ميدان الجيزة وطلبت بيتزا، لتصلها بعد أقل من ساعة مع شاب يقل عمره عن العشرين عامًا بقليل. تفحّص جسدها بنظرات سريعة جعلتها تشعر وكأن الوقت مرّ دهرًا.
الشاب، الذي تكبره بأكثر من عشر سنوات، تحرش بها عبر نظراته، لكنه لم يتوقف عند هذا الأمر، بل هاتفها في الثانية صباحًا بمكالمات مزعجة ومتواصلة. أجابت لتفاجأ به يطلب منها أن ترتدي له قميصًا شفافًا للنوم وتستقبله، وأنه سيكون أمامها خلال دقائق.
استشفّ الشاب أن منى تقيم بمفردها، ربما من طلبها بيتزا واحدة صغيرة الحجم، ومن استقبالها طلب التوصيل بملابس مريحة لا بملابس الخروج. تقول منى: "وقتها هاتفت المطعم ليوقف الشاب عند حده، لكنه لم يتوقف نهائيًا عن إزعاجي ليلًا ولا نهارًا، واستمر في رسائله المليئة بالكلمات الوقحة والطلبات الجنسية. فاستعنت بصديق رجل، وطالما تجرأ عامل التوصيل عليّ فربما لأنه لم يلحظ رجلًا بجواري. وبالفعل، بعد مشاجرة كبيرة، استطاع صديقي أن يوقف الأمر تمامًا بعدما هدد المطعم بتحرير محضر وحبس شاب التوصيلات".
لا أمان حتى في المنازل
منى ليست الوحيدة التي تتلقى طلبات جنسية أو تتعرض للتحرش بسبب توصيل الطلبات إلى المنازل، المكان الذي نظنه آمنًا للنساء. لكن ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية أثار تساؤلات مهمة حول الأمان وحقوق النساء وعلاقتها بتطبيقات التوصيل في مصر.
في الواقعة الأولى، تم ضبط شابين بعد اتهامهما بانتحال صفة مندوبي توصيل ومحاولة اقتحام منزل. وفي واقعة أخرى، خرج أحد مندوبي التوصيل متحدثًا عن شكاوى زميلاته من بعض العملاء الرجال الذين يستقبلون مندوبات التوصيل بملابس داخلية، رغم علمهم بأن من ستصل لتسليم الطلب امرأة.
قد تبدو الواقعتان مختلفتين، لكنهما تكشفان عن قضية واحدة: هل منصات التوصيل "الدليفري" بيئة آمنة فعلًا للنساء؟
رغم أن وقائع التحرش والملاحقة من عمال توصيل الطلبات إلى المنازل أمر حديث نسبيًا، خاصة مع انتشار تطبيقات التوصيل في السنوات الأخيرة، تبقى مسؤولية توفير توصيل آمن، خاصة للنساء، على عاتق تلك الشركات والتطبيقات، لكن بمراقبة ومتابعة من الحكومة
وفقًا لبيان صادر عن مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" تعليقًا على الواقعتين، فإن من حق النساء أن يكنّ آمنات داخل منازلهن، وألا يصبح فتح الباب لاستلام طلب "أوردر" مصدرًا للخوف أو التهديد. وفي الوقت نفسه، من حق من تعمل مندوبة توصيل أن تؤدي عملها دون تعرضها لتحرش أو استعراض جنسي أو تعمّد وضعها في موقف مهين أو غير آمن.
وطالبت المؤسسة المنصات والتطبيقات التي تدير العلاقة بين مندوبي التوصيل وأصحاب الطلبات بتحمّل مسؤوليتها في توفير أقصى درجات الأمان، عبر بعض الإجراءات، مثل: إظهار صورة المندوب واسمه وبياناته بوضوح على التطبيق وعلى بطاقة مثبتة على الزي الرسمي، مع استخدام رمز تحقق عند التسليم للحد من انتحال الصفة؛ واعتماد سياسة واضحة ومعلنة لمكافحة التحرش والعنف تحمي العميلات والمندوبات معًا؛ وتوفير زر طوارئ ودعم فوري للعاملات والعاملين أثناء الرحلات؛ ومنح المندوبة الحق في إنهاء الطلب عند الشعور بالخطر دون خصم أو تقييم سلبي؛ وحماية أرقام الهواتف والعناوين والبيانات الشخصية للطرفين؛ ووضع آلية فعالة للتحقيق في الشكاوى واتخاذ إجراءات ضد الحسابات التي تثبت إساءتها.
تحرش "دليفري" حتى باب المنزل
بالعودة إلى وقائع التحرش، استطاعت نادية أن تنال حقها من أحد عمال توصيل الطلبات الذي تحرش بها، إذ تقول لـ"الترا صوت": "في أحد الأيام، وبينما تخطت الساعة الثانية عشرة ليلًا، طلبت طعامًا من أحد المطاعم القريبة من منطقة سكني. وصل الطلب، وفوجئت بأن عامل التوصيل غير متزن، وكلماته متلعثمة، ويتحدث بلسان ثقيل. حملق فيّ طويلًا، وكانت نظراته مرعبة، وحينما مددت يدي لأخذ الطلب، أمسك بها".
صفعت نادية الباب في وجهه قبل أن تدفع ثمن الطلب، ثم دخلت المطبخ وجلبت سكينًا، وأغلقت باب الغرفة على ابنتها، ثم خرجت لتفتح الباب له مجددًا. ألقت بالنقود على الأرض وهددته بالسكين، ففزع من ردة فعلها، إذ كان قريبًا جدًا من الباب، يكاد يكون ملتصقًا به. أخذ النقود ثم هرول سريعًا.
رغم الساعات المرعبة التي قضتها نادية بمفردها مع ابنتها، خشية أن يعود مجددًا، خاصة أنه ظل واقفًا أمام باب العمارة لمدة عشر دقائق، قررت أخذ حقها منه بعد ساعتين، بعدما استطاعت تمالك نفسها. وتقول إن الخوف الشديد أدى إلى ارتفاع مستوى السكر في دمها، خاصة مع معاناتها من مرض السكري، مضيفة: "شعرت أن جسدي تثاقل وارتفع سكر دمي، وهي من المرات القليلة التي شعرت فيها بالخوف لهذه الدرجة".
تقول نادية: "ذهبت إلى المطعم بصحبة أخي بحثًا عن عامل التوصيل، لكننا وجدنا أنه رغم عمل المطعم المستمر، لا توجد إدارة ولا أي شخص يراقب جودة الأمور. تشاجرنا أنا وأخي معهم، لكن أبلغ أحدهم عامل التوصيل، فاختفى. وفي صباح اليوم التالي، ذهبت بصحبة أكثر من عشرين شخصًا، فظهر العامل بصحبة أمه التي ظلت تتوسل لي حتى لا ألحق الضرر بابنها".
وعقب تلك الواقعة، تم إيداعه في مصحة لعلاج الإدمان.
أما مروة (اسم مستعار)، مصرية مقيمة في تركيا، فتعرّضت لنفس الأمر حينما طلبت توصيل طعام. وبعدما استقبلت الطلب، فوجئت بوابل من الرسائل من عامل التوصيل، يطلب منها التعرف إليها ويتعجب من كونها ليست تركية وتقيم بمفردها. لم يتوقف عن رسائله، واستمر على النهج نفسه فترة، عارضًا عليها الخروج والتنزه بسيارته. تجاهلها له ولرسائله، وتوقفها عن الطلب من المطعم نفسه مرة أخرى، جعلاه يتوقف نهائيًا عن ملاحقتها.
لا سياسات حماية ولا إبلاغ
ورغم أن وقائع التحرش والملاحقة من عمال توصيل الطلبات إلى المنازل أمر حديث نسبيًا، خاصة مع انتشار تطبيقات التوصيل في السنوات الأخيرة، تبقى مسؤولية توفير توصيل آمن، خاصة للنساء، على عاتق تلك الشركات والتطبيقات، لكن بمراقبة ومتابعة من الحكومة.
هبة النمر، ناشطة نسوية وعضو مجلس أمناء بمؤسسة "براح آمن"، تعرضت لمثل هذه المواقف. ففي أحد الأيام، تلقت طلبًا، ولم تستغرق ثوانٍ في استلامه، لكن عقب مغادرة عامل التوصيل، وجدت العشرات من الرسائل تصل منه إلى هاتفها، يتغزل فيها ويستفسر عما إذا كانت في علاقة أم لا.
تقول هبة لـ"الترا صوت": "خفت من تصرفه، وهددته بإبلاغ الشركة، فتراجع عن رسائله وحذفها، ولكن حينما أبلغتهم فعلًا وطلبت متابعة البلاغ، لم أحصل على شيء في النهاية. كما مكثت فترة من الزمن خائفة من انتقامه مني، لأن معه عنوان البيت ورقم الهاتف".
بعد شكوى هبة، فحص "الترا صوت" سياسات الحماية والإبلاغ عبر التطبيق الذي تقدمت بشكوى ضده، لكننا لم نجد أي شيء متعلق بحماية المستخدمات والمستخدمين من التحرش من عمال توصيل الطلبات. أقصى ما وصلت إليه هبة، بعد معاناة في التواصل الآلي مع التطبيق، هو الوصول أخيرًا إلى شخص يستمع إلى شكواها، لكنه سرعان ما أغلقها عبر التطبيق. وتم حذف جميع الرسائل، وبالتالي لم تتمكن من توثيق الواقعة أو مواصلة متابعة شكواها.
وحينما لم تجد هبة سياسات حماية فعالة من التطبيق نفسه، قررت اللجوء إلى إجراءات حماية فردية، فأصبحت تدفع المستحقات المالية لطلباتها عبر الإنترنت، ولا تفتح باب البيت مطلقًا، بل تطلب من العمال وضع الطلب أمامه والمغادرة، وعند تأكدها من مغادرتهم تفتح الباب وتستلم الطلب.
وعلّقت عضو مجلس أمناء مؤسسة "براح آمن" على سياسات التطبيقات وشركات التوصيل في حماية مستخدميها قائلة: "المفروض أن تكون معلومات العملاء عبر التطبيق خاضعة للحماية، ويكون هناك وسيط للتواصل بين العملاء وعمال التوصيل، وأن تكون هناك بيانات متاحة لعمال "الدليفري"، وبياناتهم مثل الاسم وصورة شخصية، حتى لا يدّعي أحد أنه عامل توصيل طلبات".
وطالبت النمر بأن تكون هناك سياسات واضحة تلزم تلك التطبيقات بطرق إبلاغ سهلة وسريعة، وألا يكون الرد على العملاء وشكاواهم آليًا عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يستغرق المستخدم أحيانًا ساعة ليصل إلى موظف لخدمة العملاء.
وتلوم النمر هذه التطبيقات والشركات أنها تعي حقوقها جيدًا وتضع شروطًا وسياسات واضحة للاسترجاع وخلافه، لكن حينما يتعلق الأمر بخدمة العملاء، فإنها تفكر في حماية مندوبي التوصيل أولًا. لكنها لا تبرئ الدولة من مسؤوليتها في المراقبة والمتابعة والتقييم لهذه الشركات، وضمان حماية بيانات العملاء، وتنظيم أوراق عمل مندوبي التوصيل والتأكد من سلامتها وخلو سجلهم الإجرامي، مؤكدة أن بعض هذه الشركات تعي جيدًا ثغرات القانون وتستغلها لصالحها للتهرب من كل ذلك.