الدراسات الثقافية الفلسطينية.. أداة مقاومة

الدراسات الثقافية الفلسطينية.. أداة مقاومة

طالب يحتمي بشعار جامعة بيرزيت أثناء مواجهات مع الاحتلال في 2012 (Getty)

تعود جذور الدراسات الثقافية إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، خصوصًا إلى الأعمال النقدية لشخصيات مثل كينيث بيرك، وكونستانس روك وآخرين. كما ارتبط اتجاه الدراسات الثقافية منذ الستينيات من القرن العشرين بمركز بيرنغهام للدراسات الثقافية المعاصرة، وبالتاريخ الاجتماعي، وكتابات ريموند وليمز.

الدراسات الثقافية هي التحليل النقدي للصناعات الثقافية والأجهزة الثقافية للدولة

يعتبر مفهوم الدراسات الثقافية من المفاهيم التي يصعب حصرها أو تحديدها، كون مفهوم الثقافة ذاته فضفاض وشامل. لكن هناك شبه إجماع بين عدد من الأكاديمين والباحثين على أن الدراسات الثقافية ملتقى لعدد من العلوم والاختصاصات أهمها: السوسيولوجيا والأنثربولوجيا الثقافية والإثنوغرافيا والفلسفة والفنون والآداب والسيميائيات.

أما مايكل دينينغ فيرى أن الدراسات الثقافية هي "التحليل النقدي للصناعات الثقافية والأجهزة الثقافية للدولة، والتفكير في تأثير التقاطع بين هذه الصناعات والأجهزة في التكوينات الثقافية للطبقات والشعوب المهمشة". لقد ربط دينينغ إبستمولوجيا الدراسات الثقافية بالنقد أولًا والتفكير ثانيًا؛ كون الدراسات الثقافية تبلورت كتيار إبستمولجي أكاديمي من أجل نقد أفكار العلوم الاجتماعية والإنسانية التي همشت الفنون والثقافة الشعبية والسود والنساء، ونقد الأجهزة الثقافية للدولة والصناعات الثقافية كونها منحازة للسلطة الثقافية والسلطة السياسية.

ركزت كذلك الدراسات الثقافية على التفكير في أبستمولجيا جديدة تفكك علاقات السلطة والهيمنة، واهتمت بتحررها من لاهوت أبستمولجيا ثقافة السلطة؛ وذلك باعتمادها على ميزة التنافذية بين المناهج المختلفة فهي غير مقتصرة على منهج بمفرده مما حقق لها سمة هجينة المناهج؛ وهذا منحها قدرة فائقة على النقد والتفكيك والتحليل والتنقيب، كما أسهم انضواء عدد من التخصصات المعرفية ضمن الدراسات الثقافية في منحها حيوية ورصانة جعلها تتصدر المشهد الثقافي والأكاديمي والمجتمعي.

أما في الحالة الاستعمارية لفلسطين، فكان للدراسات الثقافية مكان متقدم سبق العديد من الدروس الأكاديمية، فمع نشوء الجامعات الفلسطينية مع أواخر ستينيات القرن العشرين، عندما سمحت سلطة الاستعمار الصهيوني بافتتاح جامعات فلسطينية، فتم تدشين جامعة بيرزيت وجامعة بيت لحم وجامعة النجاح وجامعة الخليل وغيرها من الجامعات، وبعد نشوء جامعة بيرزيت بوقت قصير تم تأسيس دائرة للفلسفة والدراسات الثقافية عام 1975.

أدت دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية (جامعة بيرزيت) دورًا محوريًا في إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال محاضراتها ومساقاتها التي تركز على التوعية الوطنية والقومية، ونقد الاستشراق والاستعمار ومحاربتهما، من خلال نخبة من المفكرين والأساتذة المتخصصين في حقول علم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والآداب وغيرها من التخصصات.

قدمت الدراسات الثقافية في فلسطين إسهامات معرفية نظرية وتطبيقية هامة وجادة في نقد نظريات الهيمنة والسيطرة

لقد قدمت الدراسات الثقافية في فلسطين إسهامات معرفية نظرية وتطبيقية هامة وجادة في نقد نظريات الهيمنة والسيطرة، وطورت بدائل فكرية وثقافية فككت خطاب الاستعمار والاستشراق لفلسطين، كما رفدت الدراسات الثقافية الطلبة والمجتمع بمفاهيم وأفكار كشفت وهن السلطات الثقافية المستعمِرة والمستعمَرة (التي تحولت عن وجهتها التحررية).

من أهم إسهامات الدراسات الثقافية في فلسطين إبقاء حالة الاشتباك بين المستعمَر والمستعمِر قائمة، ورفض التراجع عن الخطاب الوطني الميثاقي المتمثل بفلسطين الميثاقية التاريخية، وإنكار التطبيع ورفضه ومحاربته، كما أسهمت الدراسات الثقافية وفواعلها في رفد حركة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل وحركة BDS بخطاب وطني تحرري، كما أعادت الدراسات الثقافية الروح إلى الثقافة الشعبية والجماهيرية وثقافة المقاومة، ونقبت عن صوت المهمشين من خلال مساقات دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية، وأهمها: "مساق فلسطين: الماضي والحاضر"، و"مساق دفاتر السجن: الحركة الفلسطينية الأسيرة"، بذلك يتبين دور الدراسات الثقافية في السياق الفلسطيني الاستعماري بأنها عملت على تفكيك علاقات السلطة السياسية والسلطة الاستعمارية، ولم تبقِ الثقافة رهن المقولة الرسمية أو ضمن الخطاب الاستعماري، وعملت الدراسات الثقافية بإيمانية نقدية وأمانة وطنية لتدشين فكر وطني تنويري تحرري.

اقرأ/ي أيضًا: 

المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل: انتصارات وتناقضات

المقاطعة والبحث عن جبهة أخلاقية