الدراجات الهوائية في بغداد.. للنساء أيضًا

الدراجات الهوائية في بغداد.. للنساء أيضًا

مبادرة تدعو المرأة إلى ركوب الدراجات واحترام البيئة وللدفاع عن حقوق النساء (جان ماغدوغل/أ.ف.ب)

ليست مغامرة مارينا جابر التي خاضتها في قيادة درّاجة هوائية في شوارع العاصمة العراقيّة بغداد نهاية تشرين الثاني/أكتوبر العام الماضي تحت عنوان "أنا المجتمع" هي الأولى من نوعها في محاولة لكسر بعض التقاليد الذكورية، ولفت الانتباه إلى حقوق المرأة، فقد سبقتها العديد من النساء العراقيات في ركوب الدراجات الهوائية في أربعينيات وخمسينيات وستينيات العقد الماضي، إلا أن الصبغة المدنية التي كانت تغلف بغداد حيدت المجتمع ولم تجعله يتوقف مطولًا عند تلك الحالات آنذاك، على العكس من مغامرة مارينا جابر التي انقسم المجتمع العراقي إزاءها بين مشجع ومستهجن، نتيجة هيمنة الطبيعة البدوية والدينية معًا على مدينة بغداد وعراقتها بسبب سياسات الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ تدشين العهد الجمهوري في تموز/يوليو عام 1985 وحتى اليوم الحالي.

مبادرة مارينا جابر لقيادة الدراجات الهوائية في شوارع بغداد فتحت النقاش حول كسر الأنماط الاجتماعية السائدة حول المرأة

وقد أثمرت بذرة مارينا في حقل الحراك المدني، إذ شهدت بغداد كرنفالًا للدراجات الهوائيّة مطلع الأسبوع الجاري تحت عنوان "عندي حلم عندي بايسكل"، وهذه المرة من مقر مؤسسة برج بابل للتطوير الإعلامي الغافية على خاصرة فندق الميريديان في شارع أبي نؤاس وسط العاصمة بغداد وبمشاركة أكثر من ٣٠٠ شخص من الشباب والفنانين والإعلاميين والمثقفين والناشطين وشرائح المجتمع المختلفة من كلا الجنسين. وفي حين اتسمت مغامرة مارينا جابر بالعفوية، طغى التنظيم على المغامرة الثانية، حيث بينت المديرة التنفيذية لمؤسسة برج بابل ذكرى سرسم، أن فعالية مهرجان الدراجات الهوائية أعدت لها الاستعدادات منذ عدة أشهر.

اقرأ/ي أيضًا: "الإجهار بالإفطار"..تهمة جديدة في بغداد تؤدي للسجن

وقالت سرسم -التي كانت مرشحة لمنصب وزيرة الثقافة إلا أن المحاصصة الطائفية أقصتها-: "نحاول كسر هذا الحاجز ونغير من المعتقدات السلبية عبر نشر ثقافة التمدن ونرسم للمدينة وجهًا متحضرًا بعد الفوضى التي مرت بها، فضلًا عن المحاولة للحد من التلوث البيئي والازدحامات عبر استخدام الدراجات الهوائية". وحمل غزوان سعد، أحد المشاركين في الفعالية، دراجته الهوائية من منطقة تبعد 13 كم إلى مكان انطلاق "عندي حلم عندي بايسكل". وقال سعد: "مشاركتي جاءت متسقة مع قناعاتي بضرورة أن تمارس المرأة حياتها دون رقابة ذكورية تحجر على حريتها وتمنعها من الإسهام في بناء مجتمع معافى".

وإذا ما كان موقف سعد متضامنًا فحسب، فإن نيسان ناطق، الطالبة في السنة الأخيرة في تخصص هندسة الحاسبات، قالت إن هذه الفعالية لا تقتصر على ترسيخ حق المرأة في حلمها بامتلاك البايسكل كنوع من الممارسة الهادفة إلى كسر الحاجز الاجتماعي الذي يحجر على حرية حركتها"، مستدركة بالقول: "نحن نحاول بالفعل تكريس البايسكل كوسيلة نقل ليس بين الفتيات وحسب، بل وفي صفوف جميع فئات المجتمع للتخفيف من وطأة الاختناقات المرورية التي تقيد حركة المواطن أثناء تنقله من بيته إلى مكان عمله أو دراسته أو حتى في ذهابه إلى أماكن الترفيه على محدوديتها".

تتجدد ثقافة الدراجات الهوائية في المجتمع العراقي كنوع من التحدي للأوضاع الأمنية والعادات البالية ولتحريك الفعاليات المدنية

وأشارت ناطق، التي تعلمت قيادة الدراجة الهوائية عندما كانت صغيرة، إلى أن "الدولة لم تجد حلاً للزيادة الكبيرة في أعداد السيارات المستوردة سنويًا ضمن خارطة شوارع لم يضف إليها أي شارع جديد منذ عام 2003، ناهيك عن تهاوي معظم الشوارع الرئيسية في العاصمة العراقية بغداد".
ولم يقتصر كرنفال "عندي حلم عندي بايسكل" على سكّان بغداد فحسب، وإنما حضر إليها عدد من الشبّان من محافظات وسط وجنوب العراق، وقد أجبر المنظمون القوات الأمنية على تقديم الحماية للكرنفال خشية وقوع أعمال إرهابيّة ضدّ راكبي الدراجات من النساء والرجال.
وبطبيعة الحال، لم يمرّ الكرنفال من دون أن يحظى بحفلات شتائم من قبل الجيوش الإلكترونية التابعة لأحزاب الإسلام السياسي، إذ عدّتها بعض المنشورات تهتكًّا، واستهانة بالوضع الذي يمرّ به العراق، إلا أن منشورات أخرى ردّت بأن هذا الكرنفال والكرنفالات مشابهة تأتي من أجل بثّ الحياة في عاصمة تضرب الانفجارات فيها كلّ يوم.
ويسعى القائمون على الكرنفال إلى تنظيمه بشكل شهري بمساعدة منظمات شبابية ورياضية وإعلامية من أجل تنشيط تشجيع المواطنين على استخدام "الدراجات الهوائية" للحدّ من الزحامات وتلوّث البيئة، وإعادة الحياة المدنية التي أخذت العاصمة تفقدها خلال السنوات الماضية.

اقرأ/ي أيضًا:

بغداد تتشح بالسواد

بغداد في زمانين