"الخميس الأسود".. نكسة التعليم المغربي

احتجاجات للأساتذة المتدربين في المغرب بعد تعنيفهم من قبل الأمن (فاضل سنا/أ.ف.ب)

عندما شاهد المغاربة الصور ومقاطع الفيديو "الصادمة"، المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعرض القمع والتعنيف الذي واجه به رجال الأمن الأساتذة المتدربين وكيف سالت دماء الكثير منهم في شوارع مدن عديدة، فإن أول ما تبادر إلى أذهانهم حينها هو عودة تلك الأيام المخيفة من سنوات الرصاص. في تلك الأيام، لا وجود في قاموس الدولة لشيء اسمه "حقوق الإنسان". وقد تحدث الأساتذة المتدربون عن وقوع خمسمائة إصابة في صفوف المحتجين بما فيها من حالتي فقدان ذاكرة وحالة فقدان بصر وحالة شلل نصفي.

رفض الأساتذة المتدربون في المغرب التعديلات الحكومية معتبرين أنها "غير عادلة" واتهموا الحكومة بتوجهها نحو بيع قطاع التعليم للخواص

الأستاذ يريد إسقاط المَرسوم

بعد أن اجتاز الأساتذة المتدربون في المغرب بنجاح الانتقاء الأولي وامتحانين كتابي وشفوي، انطلقت هذه الفئة في احتجاجات مختلفة وامتنعوا عن متابعة تكوينهم، مطالبين بإلغاء المَرسومين الوزاريين اللذين صادقت عليهما الحكومة في الثالث والعشرين من تموز/يوليو 2015، أي أسبوع قبل الإعلان عن امتحانات الالتحاق بمراكز التربية.

اقرأ/ي أيضًا: في المغرب.. الأساتذة المتدربون يحتجون!

ويَقضي المَرسوم الأول بفصل التكوين عن التوظيف حيث صار الالتحاق بمراكز التربية لا يلزم الدولة بالتوظيف المباشر لجميع الأساتذة المتدربين كما كان معهودًا بمقتضى مرسوم 2011، إذ يقضي هذا التعديل الجديد بأن يحصل الأستاذ المتدرب على شهادة الأهلية في التربية، التي تتيح له اجتياز امتحانات التوظيف وفق المناصب التي ستعلن عنها لاحقًا وزارة التربية. ويقضي المرسوم الثاني بخفض الأجر الشهري الذي كان يتلقاه الأستاذ المتدرب ومقداره 2450 درهمًا، وتحويلها إلى منحة شهرية بـ1200 درهم مغربي أي حوالي 120 دولار أمريكي.

رفض الأساتذة المتدربون، والبالغ عددهم حوالي عشرة آلاف، التعديلات الحكومية معتبرين إياها "غير عادلة". واستنكروا أن تقوم وزارة التربية بإقصاء عدد منهم من الالتحاق بوظائفهم كأساتذة في المدارس العمومية بعد أن يجتازوا مدة التكوين والامتحانات النهائية. واتهموا الحكومة بتوجهها نحو بيع قطاع التعليم للخواص، حيث إن عددًا منهم سيكون مرغمًا على العمل في القطاع الخاص وهو غير مهيكل ولا يخضع لأي ضوابط وقوانين ملزمة، على حد تعبيرهم.

وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي خرج الأساتذة المتدربون في مسيرة حاشدة بالعاصمة الرباط شارك فيها جميع المتدربين بمختلف المراكز الجهوية للتربية بالإضافة إلى المتعاطفين معهم، وقدر عددهم حسب المنظمين بعشرين ألف متظاهر.

وكان مصطفى الخلفي، وزير الاتصال والناطق باسم الحكومة المغربية، قد قال إنه "لن يتم التراجع عن هذا الإصلاح المهم"، وذلك بما أن "المرسومين الجديدين سيوسعان من دائرة المستفيدين من التكوين في مراكز التربية والتكوين، وبالتالي إعدادهم للالتحاق بالوظيفة العمومية أو القطاع الخاص"، متحدثًا عن أن "هذا الإصلاح سيمكّن من الارتقاء بجودة المنظومة التعليمية".

بنكيران: التظاهر ممنوع دون ترخيص

بعد الاعتداء على الأساتذة المتدربين خلال احتجاجاتهم، وما عرف بحادثة "الخميس الأسود"، قال رئيس الحكومة المغربي بنكيران: "نحن ضد استعمال القوة عندما لا تكون مبررة.. ولكننا كذلك ضد من يخالف القانون.. ولا مسيرة احتجاجية دون ترخيص مسبق"، ثم يضيف: "لا يجب أن نتعاطف مع الأساتذة المتدربين ضد الإدارة والأمن... نحن معهم حينما يكونون على صواب".

وحذر بنكيران من سيناريوهات مشابهة لبعض الدول العربية الأخرى، في إشارة للدول التي عرفت ثورات، قائلًا: "يجب أن نحمد الله ونشكره.. واعلموا أن الأخطاء والتعاطف المبالغ فيه والخطوات غير المحسوبة توصل الدول والشعوب إلى الكوارث، وهو ماحدث بالفعل في الماضي القريب". وصعّد رئيس الحكومة من لهجته في مواجهة مطالب الأساتذة المتدربين في إجابة على مداخلات أعضاء برلمان حزبه الرافضة للتدخلات الأمنية التي طالتهم: "أقسم بالله أنني لن أتراجع عن المرسومين ولو أدى الأمر إلى سقوط الحكومة".

وفي بلاغ لوزارة الداخلية قالت فيه: "إن المسيرات الاحتجاجية التي قام بها الأساتذة المتدربون مطالبة بحذف المرسومين لم تحصل على ترخيص مسبق وتم إعلام المعنيين بالأمر بقرار منعها، إلا أن بعض الطلبة أصروا على تنظيمها في خرق تام للقانون".

وجاء في بلاغ وزارة الداخلية المغربية أيضًا أن "مجموعات المحتجين بكل من الدار البيضاء ومراكش وإنزكان، وبتشجيع من بعض الأطراف التي اعتادت الركوب على بعض المطالب الفئوية لإذكاء الفوضى، قد عمدت إلى تحدي القوات العمومية واستفزازها والإقدام على محاولة اختراق الطوق الأمني لدفعها للمواجهة" ويضيف البلاغ "مما خلف نوعًا من الفوضى والتدافع وسط المحتجين، أدى إلى وقوع إصابات خفيفة وتسجيل حالات عديدة من التظاهر بالإغماء في صفوف المتظاهرين".

وقررت التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين تصعيد احتجاجاتها، بعدما أكد رئيس الحكومة على عدم التراجع عن المرسومين، حيث وجهت التنسيقية نداء إلى كل الإطارات السياسية والنقابية والحقوقية والفاعلين في المجتمع المدني وعموم الموظفين لجعل يوم الخميس الرابع عشر من كانون الثاني/يناير "يومًا وطنيًا احتجاجيًا تضامنيًا مع قضية الأساتذة المتدربين".

انتقد المجلس الأعلى للتعليم في المغرب التعديلات الحكومية التي مست قطاعات التعليم واعتبر أنها "أضرت بالاستمرارية الضرورية لمراكمة المكتسبات"

من يدفع الثمن؟

إنها ليست قضية أساتذة متدربين فحسب، بل إن الأزمة التي تعيشها المراكز الجهوية للتربية والتكوين منذ أشهر عميقة وسيطال أثرها السلبي أجيال الغد، إذ كيف يمكن للحكومة أن تسد العجز الذي تعرفه المدارس العمومية؟ في الوقت الذي يصل فيه عدد الأطفال في الفصل الواحد إلى 70 بينما في الحالات العادية يتراوح العدد بين 40 و50 تلميذًا في الفصل لا أكثر.

وتعاني المنظومة التعليمية في المغرب من عدة اختلالات خطيرة، حسب تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2015 (حكومي) الذي انتقد "التغييرات المتكررة" التي مست القطاعات الثلاثة (التعليم الأساسي، التعليم العالي، التكوين المهني) بسبب التعديلات الحكومية، لأن هذه التغييرات "أضرت بالاستمرارية الضرورية لمراكمة المكتسبات التنظيمية والإدارية"، وتحدث التقرير عن "ارتباك" يحدث في العملية التعليمية كلما حصل تعديل حكومي، خصوصًا وأن "التغييرات لا تأتي بابتكارات إيجابية تخص سير المؤسسات المدرسية والجامعية"، حسب التقرير الرسمي.

وأكد تقرير "اليونيسكو" العالمي لـ 2014 أن "ما لا يقل عن نصف عدد أطفال المغرب فقط هم من يتعلمون المهارات الدراسية"، وإذا لم تعمل الحكومة المغربية على تعزيز عملية التمدرس، تحذر اليونيسكو أن "تؤثر الأزمة سلبًا على أجيال عديدة من الأطفال وطموحاتهم المستقبلية".


______

اقرأ/ي أيضًا:

المغرب.. طلبة الطب ينتفضون ضد "الخدمة الإجبارية"

طلبة الطب في المغرب يهزمون الوزير!