ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"الخطأة": العنصرية كخطيئة أميركية أولى

19 يناير 2026
فيلم "الخطأة"
فيلم "الخطأة" وسائل التواصل الاجتماعي)
عبير داغر اسبرعبير داغر اسبر

قد لا يليق بالعنصرية غير أن تكون منظومة منتجة للرعب، مادة لمصاصي الدماء كي يعتاشوا عليها، دون أن يرتوي في أرواحهم عطش الدماء، فلا يشبعوا قتلىً أو أشباه أحياء مات في قلوبهم ما مات منذ البدء، منذ التفرقة بين جنس وعرق ولون.

من هنا يطل فيلم "الخطأة" (Sinners) على عالمنا، من العالم الوحشي للعنصرية، ومن تلك البوابة الأكثر ملاءمة، بوابة أفلام الرعب، حيث يحمّل هذا العرق الوهمي، مصاصو الدماء، حوامل ثقافية وتاريخية تشتبك مع التاريخ الدموي لأميركا المنقسمة بين بيض وسود، مواطنين ومهاجرين، قوانين السلطة والقانون الناظم للخارجين عن القانون.

حن في بداية القرن العشرين، والحرب العالمية الأولى تلقي بظلالها على تركيبة المجتمع الأميركي، بتراتبيته وشروخه المتجذّرة التي لا تضميد لها سوى الموسيقى والجنس بين الأعراق.

البشر ووحشية غير مقنعة

لا يتعامل فيلم "الخطأة" مع مصّاصي الدماء بوصفهم مخلوقاتٍ غرائبية هدفها إخافة المشاهد فحسب، بل يستخدمهم صنّاع الفيلم بوعيٍ تام، ومعهم معارف يُلقونها في عمق الحكاية كما لو أنها أدوات كشف. فالرعب هنا يُتاح بوصفه لغةً وحيدة للتفاهم حول القضايا المعلّقة بين أطراف متنازعة، لغة تستطيع، بدمويتها، مقاربة الحقيقة الأميركية بلا تجميل.

فالبلاد المترامية الأطراف، هائلة الجغرافيا، بُنيت على التراتبية والانتخاب الطبيعي. وتغدو الداروينية الارتقائية، منزوعـة الإنسانية، صالحة لوصف بلدٍ بدأ يرسم حدوده على خرائط العالم الحديث منذ زمن غير بعيد، حيث صار لمنطق الافتراس فلسفته المقبولة والمتداولة. وقد انسحب هذا المنطق على سكّان هذه القارة الجميلة كما لو أنه عقلٌ خالص، عقل يعتنق الطبيعة بارتقائيتها القاسية.

لا يتعامل فيلم "الخطأة" مع مصّاصي الدماء بوصفهم مخلوقاتٍ غرائبية هدفها إخافة المشاهد فحسب، بل يستخدمهم صنّاع الفيلم بوعيٍ تام، ومعهم معارف يُلقونها في عمق الحكاية كما لو أنها أدوات كشف

وهكذا، ومنذ التعقيد الأول في البنية الحكائية للفيلم، لا يعود مصّاصو الدماء مجرّد استعارة للشرّ النقي، بل يتحوّلون إلى استعارة فكرية تحاكي منظومة تعرف كيف تتغذّى على أجساد "الآخر" وأحلامهم، ثم تُطيل عمر الموتى، وتعيد تدوير الضحية إلى ما لا نهاية.

الخطّاؤون والحق في الوجود

من دون إخفاء أو افتعال أو تذاكٍ، تتّضح ثيمة "الخطأة" منذ البداية؛ فهي صراع على "الحق في الحياة" بمعناه الأعمق، الوجودي والبيولوجي معًا. من يملك حق الأرض، وحق الحركة، وحق الحلم، وحق المتعة، يحمل لونًا مُضلِّلًا، مقبولًا لدى النظام المتحكّم بمفاصل العيش.

الأبيض والأسود، حين يكونان وصفًا للبشرة، لا يبدوان حدًّا لونيًا فحسب، بل طرفين متناقضين، واتجاهين متعاكسين، وحدًّا قانونيًا واجتماعيًا يقرّر من هو "المواطن الملائم"، ومن هو "المقيم المؤقت"، حتى لو عاش عمره كلّه يخدم في المكان ذاته، يزرعه أو يُنهبه، أو حتى يدقّ جدران سجنه به.

لذلك لا يبدو الجنوب الأميركي، وتحديدًا ميسيسيبي، مجرّد قماشة زمنية ملائمة لجماليات الفيلم، بل مختبرًا تاريخيًا مُنتجًا للرعب.

العنصرية والحياة بلون بشرة كالح

في فيلم "الخطأة" تبدو إحدى أكثر عناصره أصالةً وذكاءً أنه لا يكتفي بإدانة البياض، ولا يضعه في خانة لونية واحدة، كما لو أنه كتلة مغلقة الحدود، بل يفتح داخله شقوقًا تتسرّب منها التناقضات والمشكلات أيضًا. هناك المهاجر الأبيض، الإيرلندي، الخارج من تاريخ قهرٍ محدّد الشكل والسياق والهدف، عِرقٌ نال نصيبه من الاضطهاد، وها هو يقف الآن على عتبة تمنحه بعضًا من امتيازاتها المخاتلة، وتتركه يتأرجح بين ذاكرة عسيرة الهضم وإغراء الانضمام إلى المنتصرين، ذلك القطيع الغاشم ممّن يمتلكون "الحق".

هكذا، وبسلاسة ومن دون شروح أو مقدمات كبرى، تحمل شخصية (Remmick) العقدة الفكرية للفيلم. فكونه "شريرًا" لا يكفي لتفسير آلية إنتاج العنصرية بوصفها منظومة قادرة على تصنيع الولاء وتصنيفه في آنٍ معًا؛ منظومة قادرة على تحويل المقهور إلى عبدٍ لمظلوميته، تجعل الضحايا يطالبون بمكانٍ أفضل داخل البنية المهترئة، بدل السعي إلى هدم تلك البنية التراتبية القائمة على ثنائية السادة والعبيد.

سور العنصرية العظيم

في فيلم "الخطأة"، وأمام هذا الجدار الصلب من التراتبية، يضع الفيلم الموسيقى في القلوب وعلى الأجساد، كما لو أنها أيقونة ثقافية، ومساحة إنقاذ، وبوابة تعبر منها الأجناس من دون حراس. ولا تحضر الإشارة إلى موسيقى البلوز ببراءة، أو كإحالة عابرة إلى جنس موسيقي بعينه؛ فالبلوز هنا هو ذاكرة عِرقٍ بأكمله، وهو الأرشيف المضاد للتاريخ. إنّه الدراما، والحكاية، وتاريخٌ متحوّل يكتبه المقموعون بالنغمات، مستغنين عن الوثيقة، لأن التاريخ لم يسجّل الحقيقة، وهو أغبى من أن يفعل.

تأتي الموسيقى في الفيلم كما لو أنها الشيء الوحيد القادر على رأب التصدّعات، ولو لليلة واحدة؛ ليلة قد يموت فيها الجميع، أو ينجو فيها الجميع.

لكن الرعب يظهر، كما في كل مرة، وتظهر معه العنصرية، فتداهم هذا الفضاء الموسيقي تحديدًا. فالأنظمة العنصرية تخاف من غضب ضحاياها، وتخاف من حريتهم الداخلية، ومن قدرتهم على الفرح والرقص، ومن اختلاطهم الحسّي، الجسدي، البيولوجي، الذي يكسر فكرة «الانتخاب الطبيعي» الارتقائي بينهم.

لهذا يصبح الجنس بين الأعراق في الفيلم أبعد وأثقل حمولةً من كونه تفصيلًا جسديًا. إنّه الفعل الذي يربك المروية العنصرية في أصلها، لأن العنصرية تقوم، في جوهرها، على «فكرة النقاء». وحين يُهدَّد هذا النقاء، تتكثّف الوحشية في صيغتها الأنقى أيضًا.

"الخطأة" حيث الرعب ليس مجرد جنس فني

وصل مشروع "الخطأة" إلى حيّز الإنتاج بسيناريو أصيل، لا يتكئ على أفلام "الكوميكس"، ولا على أفلام الزومبي ومصاصي الدماء المتعارف عليها. إذ لا يستثمر العمل نوستالجيا قديمة، ولا ذاكرة بصرية مستهلكة، بل ينهض على ثِقل اسم واحد: رايان كوغلر، الكاتب والمخرج الذي صاغ المشروع محاكيًا سيرته الشخصية المرتبطة بالذاكرة والهوية.

وعبر شركته (Proximity Media)، بالشراكة مع زينزي كوغلر وسيف أوهانيان، طُوّر العمل قبل أن تتلقّفه (Warner Bros ) إثر منافسة محتدمة بين الاستوديوهات. جرى تصوير الفيلم بين ربيع وصيف 2024، وتقدّم مايكل بي. جوردن الواجهة بأداء دور توأمين، إلى جانب أسماء لامعة مثل هايلي ستاينفيلد، وديلروي ليندو، ووونمي موساكو، وجاك أوكونيل. فيما منحت موسيقى لودفيغ غورانسون، وتصوير أوتمن دورالد أركاباو، الفيلم حساسيته السمعية والبصرية الكثيفة.

نقديًا، قوبل العمل بحفاوة واسعة، فحصد تقييمات مرتفعة على المنصات النقدية الكبرى، ونال اعترافًا مؤسساتيًا بإدراجه ضمن قوائم أفضل أفلام العام. أمّا على صعيد الجوائز، فكان أبرزها تتويج الموسيقى التصويرية بجائزة "الغولدن غلوب" لأفضل تأليف موسيقي أصلي، إلى جانب حضور قوي في موسم الترشيحات. وقد اعتُبر "الخطأة" مروية أميركية عنفها تاريخي، ورعبها متجذّر، حتى وإن تخفّى خلف أنياب الأسطورة.

كلمات مفتاحية
فيلم النعمة

فيلم "النعمة": رئيس يغادر قصره بصحبة الكثير من الأسئلة

فيلم سورنتينو " النعمة" (La Grazia)، يتمهّل رأس السلطة، رئيس الجمهورية المتخيَّلة، ويفكّك عناصر وجوده، ويسائلها بعد رحلة عمر توشك على الانتهاء

فيلم العميل السري

فيلم "العميل السري": البرازيل كدولة للكرنفالات والرعب

تمارس الأفلام أدوارًا كثيرة، تمنحنا بُعدًا ومسافة ارتقائية عن حياتنا، مساحة للنسيان والتسامي على اعتيادية تلك الحياة

هانت

"هامنت": أنا الأم الحزينة

ينطلق فيلم "هامنت" (Hamnet) من الأرض، من الطين، من الأشجار العالية، من الهواء الرطب المشبع بذاكرة المطر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى

يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار

صورة تعبيرية
مجتمع

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

برشلونة
رياضة

آراوخو يكشف معاناته مع القلق والاكتئاب ويؤكد: الاستراحة أنقذتني

كشف قائد برشلونة رونالد آراوخو عن معاناة طويلة امتدت لعام ونصف مع القلق، قبل أن تتطور إلى اكتئاب دفعه في النهاية لطلب استراحة مفتوحة من كرة القدم

لاريجاني وبوسعيدي
سياق متصل

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي