الخريطة بوصفها استعمارًا

الخريطة بوصفها استعمارًا

(Getty) عامل يحمل نسخة من خريطة مأدبا الشهيرة

الخريطة هي العالم مرسومًا. هذا ما نعرفه كأعضاء في الجماعة البشرية، وهذا ما تعلّمناه منذ طفولتنا في المدارس، وعبر تعاليم الكبار. خريطة العالم التي نعرفها حتى اللحظة هي ذاتها الخريطة التي يعرفها العالم والتي اعتمدها منذ أن قام العالم ميركاتور برسمها في العام 1596، أي منذ ما يقارب الـخمسمائة عام.

في الخرائط، تظهر أوروبا في مركز العالم وعلى مساحة واسعة، بينما هي على الأرض  ليست لا في المركز ولا بتلك المساحة

رسم ميركاتور خريطة العالم لمساعدة الملاحة وتحديد الاتجاهات ونقاط التحرك كي لا تضيع السفن في البحار والمحيطات، وكان عمله ثوريًا إلى أبعد الحدود، وقد دفع العالم قدمًا إلى الأمام. إسقاط ميركاتور حافظ على حدود وأشكال الدول لكنه غيّر مساحاتها، وذلك عائد إلى أنه حوّل الرسم من ثلاثي الأبعاد في الواقع إلى ثنائي الأبعاد، أي من الشكل الكروي للأرض إلى الشكل المسطح، فقد رسمها كما ينبغي على (الورق، بمعنى ما يعادله في تلك الفترة)، ومن المعروف رياضيًا وفيزيائيًا أن الانتقال من الشكل ثلاثي الأبعاد إلى الشكل ثنائي الأبعاد يستلزم بالضرورة تغييرًا في الحجوم والأشكال، وهذا ما كان. إسقاط ميركاتور هو الخريطة التي نشاهدها الآن والتي تضعها الأمم المتحدة على علمها، وهي التي يعتمدها غوغل، وهي التي نشتريها لنعلقها على جدران مدارسنا وجامعاتنا ومكاتبنا وغرفنا.

اقرأ/ي أيضًا: الترجمة بوصفها استعمارًا

في هذه الخريطة نلاحظ بعض الغرائب التي تجعلنا نشعر أو نتأكد أن ما تعلمناه وما عرفناه عن العالم، وفق خريطته هذه، كان زائفًا وكاذبًا. فجزيرة غرينلاند (الدنماركية) تعادل من حيث المساحة على الخريطة قارة إفريقيا، بينما الحقيقة أن أفريقيا أكبر منها بـ 14 إلى 15 مرة! وتظهر روسيا بأنها أكبر من أفريقيا وأمريكا الجنوبية مجتمعتين وتزيد، فيما الحقيقة أن روسيا تعادل نصف مساحة أفريقيا فقط! وأن المساحات العملاقة للولايات المتحدة الأمريكية وللصين غير صحيحتين واقعيًا بالمقارنة مع أفريقيا، حيث تعادل قارة أفريقيا واقعيًا مساحة كل من الولايات المتحدة والصين والهند مجتمعة وتزيد. وفي الواقع أيضًا فإن السويد أصغر بكثير من مدغشقر، فيما هي على الخريطة أكبر بضعف تقريبًا. وتظهر أوروبا في مركز العالم وعلى مساحة واسعة، بينما هي على الأرض  ليست لا في المركز ولا بتلك المساحة، وهكذا... الجدير بالذكر أيضًا أن الدول التي تقدم نفسها على أنها "العالم الأول" تظهر على الخريطة أنها في شمال العالم، والباقي في الجنوب.

اختلاف الحجوم بين الدول والقارات وإظهار "العالم الأول" على أنه أكبر من باقي دول العالم يوحي بأنه أيضًا أكثر أهمية وأقوى، وبالتالي فإن العالم برمته ملكه وأنه يتوجب السيطرة عليه.

أكدت الباحثة الإنجليزية ماريان فرانكل أن تلك الخريطة تعزّز الهيمنة الاستعمارية ونظرة الغرب إلى نفسه على أنه الأهم والأقوى. إضافة إلى أن تقسيم العالم إلى شمال/ جنوب، ووضع تلك الدول ذات التاريخ الاستعماري في الشمال أفرز نظريات فلسفية تقرّ بـ"دول الشمال" و"دول الجنوب"، وتقرر أن "بلدان  الشمال"، أي الغرب الاستعماري، هو المتحضر، وباقي بلدان العالم تقع في الجنوب وهي المتخلفة والبربرية! ففي الخريطة المعتمدة يقع الشمال فوق، والجنوب تحت! مع العلم أنه لا يوجد في الكون ما هو فوق وما هو تحت. فالفوق والتحت يشيان بتقسيم تراتبي للعالم، وسلطوي أيضًا.

ما يجعلنا نقتنع بذلك أنه بعد إسقاط ميركاتور (الإسقاط هو رسم الخريطة، أي نقل الواقع من الشكل الثلاثي الأبعاد إلى الشكل المسطح الثنائي الأبعاد) رسم العلماء خرائط كثيرة بإسقاطات مختلفة وأكثر دقة من إسقاط ميركاتور، إلا أن العالم القوي الذي يحدّد اتجاهات المعرفة تجاهل جميع الإسقاطات الأخرى واعتمد، بل كرّس ذلك الإسقاط منذ حوالي الخمسمائة عام. بحسب ميشيل فوكو، إن المعرفة مرتبطة بالقوة والسلطة، فالقوي وذو السلطة هو الذي يحدّد معرفة عصر من العصور، أو مرحلة من المراحل. عندما رسم الإدريسي أول خريطة في العالم كان الرائج في عصره أن الجنوب الآن كان شمالًا، وعندما أخذ الغرب خريطته إبان تفكّره الذي أسفر عن عصر النهضة، قلب الخريطة وجعل الجنوب الإدريسي شمالًا، وشماله جنوبًا، ولم يزل الشمال ذاك، هو الشمال الآن، والجنوب هو الجنوب الآن.

اعتبر الألماني آرنو بيترز (سبعينات القرن العشرين) أن إسقاط ميراتور متحيز للغرب ولما يسمى "العالم الأول" من حيث إظهاره تلك البلدان أنها الأكبر (وبالتالي الأقوى والأهم) واعترض على تلك الفكرة المتحيزة الإمبريالية، وقدم إسقاطًا دقيقًا يُظهر الفارق الكبير في الحجوم بينه وبين ميركاتور، وسمي بـ إسقاط  "جال-بيترز"، وجال هو اسم عالم رسم ذلك الإسقاط قبل قرن من الزمان، لكنه أُهمل فأحياه بيترز. لكن ذلك الإسقاط لم يتم اعتماده أيضًا.

قال غوغل بعد تعديله خريطة العالم: "مع نظام الكرة الأرضية ثلاثية الأبعاد، لن تصبح غرينلاند بحجم أفريقيا بعد الآن"

الخريطة العالمية ذاتها بقيت في كل مكان: في الكتب والمدارس والجامعات والمكاتب وعلى علم الأمم المتحدة... إلا أن غوغل في آب/ أغسطس العام الماضي 2018 غيّر ذلك الإسقاط وجعل خرائطه تظهر بالبعد الثلاثي وتظهر كروية الأرض عبر تصغير حجم الصورة. وقد قال غوغل عبر حسابه الرسمي: "مع نظام الكرة الأرضية ثلاثية الأبعاد، لن تصبح غرينلاند بحجم أفريقيا بعد الآن". 

اقرأ/ي أيضًا: الاستعمارية وما بعدها

قد يكون غوغل فعل ذلك ليتدخل حاسمًا مسألة كروية الأرض على خلفية نقاشات تدور في العالم منذ منتصف القرن العشرين، يريد أصحابها نقض فكرة كروية الأرض والقول بأنها مسطحة، وقد أفرز ذلك ما أطلقت عليه الويكيبيديا "مجتمع الأرض المسطحة".

المنتظر أو المرجو بعد غوغل أن يتم اعتماد إسقاطات أخرى لخريطة العالم، لا سيما أن العالم البريطاني نيل كاي رسم خريطة جديدة ثنائية الأبعاد وأظهر فيها الدول بحجومها الحقيقية. فالخريطة للتعليم وليس للاستعمار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

3 نصائح بسيطة لاستخدام "خرائط آبل" بفعالية أكبر

هل كل الطرق تؤدي حقًا إلى روما؟.. خريطة تفاعلية تكشف الحقيقة