ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"الخرطوم".. رسم لملامح السينما السودانية الجديدة

3 نوفمبر 2025
وثائقي "الخرطوم" (شبكات تواصل اجتماعي)
وثائقي "الخرطوم" (شبكات تواصل اجتماعي)
عبير داغر اسبرعبير داغر اسبر

يشكّل فيلم «الخرطوم» امتدادًا للتحوّل الذي بدأته السينما الروائية والوثائقية السودانية في العقد الأخير، منذ أن قدّم أمجد أبو العلاء فيلمه اللافت «ستموت في العشرين» عام 2019، ذلك العمل الذي أعاد تعريف علاقة السوداني بذاته وبماضيه وبالموت كقدرٍ معلّقٍ فوق الحياة.

حتى قبل ذلك بقليل، حين قدّم صهيب قسم الباري فيلمه الوثائقي «الحديث عن الأشجار» في العام نفسه، وهو فيلم عن أربعة مخرجين مسنّين يحاولون إعادة فتح دار سينما مهجورة في أم درمان بعد عقود من المنع، مواجهين بيروقراطية سلحفاتية الأداء وذاكرة أُغلقت أمام استرجاع المكان وجوهره.

بصحبة هذه الأفلام بدأت السينما السودانية تقول جملتها المغزولة بمفردات جديدة، حيث الصورة تمثّل الوسيط الأجدر والأكثر مهارة في نقل ما يُراد قوله.

في فيلم «الخرطوم» يحدث الموت دائمًا، يصير مألوفًا كيوميات العيش، يحدث في ضوء النهار بلا استعارةٍ ولا أملٍ بنهاية أو خلاص. كاميرا  الفيلم لا تبحث عن كوادر جميلة، رغم أنها تصوّر البشاعة بأجمل طريقة ممكنة. لكنها تفعل ذلك وهي تدور "دائخة" حول لحظة صدقٍ في قلب الفوضى، ربما تبحث عمن تبقى.

أُنجز فيلم «الخرطوم»، كعمل وثائقي أنجزه أربعة مخرجين سودانيين: أنس سعيد، راوية الحاج، إبراهيم سنوبي أحمد، وتميعة محمد أحمد، بالتعاون مع المنتج البريطاني فيليب كوكس

يمضي الفيلم إلى الخطوط الأولى من المعركة، دائمًا على حافة الاقتتال، بحثاً عن الفهم أو الموت، هناك حيث تحدث الحرب، لا الفعلية فقط، بل الحرب بين المفاهيم، بين الحداثة والأفكار القديمة عن البلد.
وكما في كل الأفلام الكبرى، لا يقف «الخرطوم» عند حدود الحرب، بل عند حدود السينما نفسها، عند سؤالها الأعمق: هل يمكن للكاميرا أن تروي الحقيقة، أو أن تحفظ أثرها على الأقل؟

على اسم العاصمة السودانية أُنجز فيلم «الخرطوم»، كعمل وثائقي أنجزه أربعة مخرجين سودانيين: أنس سعيد، راوية الحاج، إبراهيم سنوبي أحمد، وتميعة محمد أحمد، بالتعاون مع المنتج البريطاني فيليب كوكس.
صُوّر العمل في ظروف شبه مستحيلة خلال الحرب التي اندلعت في السودان عام 2023، بكاميرات صغيرة سهلة الإخفاء وهواتفٍ ذكية، هُرّبت مشاهده على دفعات إلى الخارج ليُنجز المونتاج لاحقًا في أوروبا.
الفيلم شهادة حيّة عن بلدٍ يتفكك أمام عيون أبنائه، وعن مدينةٍ تحاول أن تظل على قيد الذاكرة فيما يلتهمها الخراب.

توأمة الحرب والوثيقة

أن تصنع فيلمًا وثائقيًا في زمن المحنة يعني أن تتصدى لقول الحقيقة حين لا يجرؤ أحد على فعل ذلك. أن تردَّ السؤال «ما الذي يجري؟» إلى أصوله ودوافعه، أن ترده إلى الواقع بخزيه، أن تخترقه من الداخل وتقتلع جذوره من الخفاء وتحكيه، أن تضعه ليعيش تحت الضوء، أو تتركه ليموت بحضرتك. أن تلتقط ما لا يُقال عادة بالكلمات، أو ما تعجز عنه الكلمات: ارتجافة الصوت، الصمت بعد الانفجار، لون الدم وقد خُفّف كي لا يعكر أمان من يشاهد من جغرافيات بعيدة. قد لا يريد الفيلم الوثائقي أن يكون مرآةً عاكسة أو بيانًا فنيًا فحسب، بل فعل إنصاتٍ أجبر الكون عليه لقوة الحقيقة، إذ يدرك الجميع أن الواقع في حقيقته مخيف، وليس من راغبٍ بمعرفته دائمًا.

الخرطوم والحكاية

عبر خمس حكاياتٍ لأناسٍ يحاولون البقاء في مدينةٍ تموت ببطء، يُروى فيلم «الخرطوم» من خلال امرأة تبحث عن طفلها بين الركام، وشابّ يختبئ مع كاميرته، وممرضة تُحوِّل بيتها إلى مشفى، وشاعر يكتب على الجدران قبل أن تُهدم، ورجلٍ مسنٍّ يرفض مغادرة منزله لأنه لا يثق بأن النهر سيعيده إن رحل.
يرسم الفيلم وجه المدينة الجريح كما لو أنه جسدٌ جماعيٌّ ينهار، وذاكرةٌ تحاول أن تبقى رغم الخراب.

صُوّر الفيلم بلقطاتٍ قريبة للوجوه. الكادرات ضيقة حد الاختناق، فارّة، هلعة، مرتابة، كأن المدينة تُرى من داخل صدور أهلها المرتاعين، وحين تعجز الكاميرا عن الوصول إلى الحدث بنبضه، تُعاد المشاهد في المنفى أمام خلفياتٍ تستحضر المدينة من قلب الذاكرة المجروحة.

المونتاج ينبض كجهاز إنعاش، يقطع الزمن ثم يعيده متداخلًا، فلا نعرف إن كنا في «قبل» الحرب أم بعدها. الأصوات تسبق الصورة أحيانًا: أنفاس لاهثة، ارتطام بعيد، صمتٌ طويل يتيح لك تخيّل الفاجعة.
الموسيقى مزيج من إيقاعاتٍ سودانيةٍ خافتة وأنينٍ معدنيٍّ متقطع، كأنها تأتي من وراء جدران بلدٍ مسجون.
السرد متشظٍّ كما هي الحرب. الحكايات تتقاطع في ترتيبٍ زمنيٍّ عشوائي، كأنها محاولاتٌ متكرّرة لإعادة رواية الشيء ذاته بتعبٍ مرهق. تظهر الكاميرا أحيانًا داخل المشهد، والمخرجون والمشاركون لا يختبئون، بل يتركون حضورهم كجزء من الحكاية. وهكذا يتحوّل الفيلم إلى تجربة توثيقٍ لما حدث، وشهادةٍ على صعوبة التوثيق ذاته.

منذ عرضه الأول في مهرجان صندانس السينمائي الدولي مطلع عام 2025، فاجأ «الخرطوم» الأوساط السينمائية بجرأته وصدقه، وبأسلوبه المتقشّف الذي تجاوز حدود الوثائقي التقليدي.
وفي مهرجان برلين السينمائي الدولي نال جائزة السلام تقديرًا لقدرته على تحويل المأساة إلى رؤية حول تلك المأساة، ولأنه قدّم الحرب كاختبارٍ إنسانيٍّ للذاكرة لا كحدثٍ سياسي.

رآه النقاد أحد أكثر الأفلام الإفريقية تعبيرًا عن لحظة الانهيار الكلي للمُدن، وعن مقاومة الصورة لتلك اللحظة بوصفها الشاهد الأخير على العذاب. في العالم العربي، حظي «الخرطوم» باهتمامٍ واسع في مهرجانات البحر الأحمر وقرطاج والقاهرة. استُقبل كصرخة استغاثة خرجت من قلب مدينةٍ ليست غزة هذه المرة، بل الخرطوم نفسها، تُطفئ أنوارها لتواصل التنفّس.

بدا الفيلم في نهايته كما لو أنه تعب من توثيق الحرب، لكنه لم ييأس من توثيق الحياة بالرغم منها. بدا الفيلم كفعل عيش مصوّر، ورسالةِ مغادرٍ للحرب وهو يترك وصيته، هكذا سيبدو في كلامه أن الذاكرة والتوثيق قد يكونا آخر أشكال البقاء.

كلمات مفتاحية
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

"اغتراب" لمهدي هميلي.. عن الصدأ الذي يأكل روح عمال المصانع

مراجعة فيلم "اغتراب" لمهدي هميلي

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

"ضع روحك على كفك وامش".. عندما تتحوّل الفوتوغرافيا والمحادثات إلى شريط مصوّر عن الفقد والألم

مراجعة فيلم ""ضع روحك على كفك وامش"

فيلم "لا خيار آخر" 

"لا خيار آخر": أتقتل منافسك لتأخذ وظيفته؟

يُقرأ العنف في فيلم "لا خيار آخر" عبر مستويات عدّة؛ أبسطها الماديّ المباشر، الواقع على هامة رجلٍ فقد عمله، ليمتدّ لاحقًا إلى كل ما يهدّد وجوده الروحي والنفسي

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
مناقشات

"جروان" و"جوافة".. مبادرات فردية تحوّلت إلى مراكز ثقافية فارقة تخدم أطفال الريف

المراكز الثقافية وخدمة أطفال الريف في مصر

الصين
سياق متصل

تصعيد جوي وتوتر عسكري غير مسبوق بين الصين واليابان

تصاعدت حدة التوتر العسكري بين اليابان والصين، بعد اتهام طوكيو لمقاتلات صينية بتوجيه راداراتها نحو طائرات عسكرية يابانية

ماكس فيرشتابن
رياضة

نهاية مرتقبة لنسخة مثيرة من بطولة العالم للفورمولا 1

سيقاتل ماكس فيرشتابن من أجل الظفر ببطولة العالم للمرة الخامسة في تاريخه، والسنة الخامسة على التوالي، لكن حظوظه تبقى ضئيلة للفوز به

ميسي
رياضة

حقبة جديدة عنوانها ميسي.. إنتر ميامي يتوج بلقب الدوري الأميركي للمرة الأولى في تاريخه

لم يكن اللقب ضروريًا لمسيرة ميسي الحافلة بالإنجازات، لكنه كان هدفًا واضحًا منذ اللحظة الأولى.