05-نوفمبر-2015

مجتمع تحكمه الأعراف (باتريك باز/أ.ف.ب/Getty)

ختان الإناث أو تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية أو الخفاض، مصطلحات لها اختلاف بحسب السياق اللغوي المستخدم، وبحسب تعريف منظمة الصحة العالمية هي أي عملية تتضمن إزالة جزئية أو كلية للأعضاء التناسلية الأنثوية دون وجود سبب طبي لذلك، حيث يمارس تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية باعتباره أحد الطقوس الثقافية أو الدينية في أكثر من سبع وعشرين دولة في أفريقيا، ويوجد بأعداد أقل في آسيا وبقية مناطق الشرق الأوسط، وتختلف طريقة ممارسة هذه العملية حسب المكان وحسب التقاليد لكنها تجرى في بعض الأماكن دون أي تخدير موضعي، وقد يستخدم موس أو سكين بدون أي تعقيم أو تطهير لتلك الأدوات المستخدمة في هذه العملية، حيث يختلف العمر الذي تجرى فيه هذه العملية من أسبوع بعد الولادة وحتى سن البلوغ. باختصار، الختان كارثة إنسانية.

بداية الختان في السودان

تـُرجع دراسات تاريخية شيوع عادة ختان البنات في السودان إلى القرن الرابع عشر، مع انتقال القبائل العربية إلى شمال السودان واستقرارها به، وهناك دراسات تاريخية أخرى تذهب إلى أن أول شكل للظاهرة ابتدعه الفراعنة. وتقول هذه الدراسات: إن ختان البنات عادة فرعونية الأصل، لأن فرعون موسى لما علم أن أحد أبناء بني إسرائيل سيقتله فكر في طريقة لمنع هذا الأمر فجاءته عجوز بهذه الطريقة وهي خياطة فتحة المهبل وجمع كل القابلات في قصره حتى لا تلد أي امرأة من بني إسرائيل بنفسها بل تضطر لحضور القابلة لتساعدها على الوضع.

يقوم الختان الفرعوني على تشويه كلي للجهاز التناسلي الأنثوي

ويقوم الختان الفرعوني على تشويه كلي للجهاز التناسلي الأنثوي، من خلال بتر كلي للأجزاء الخارجية وخياطة كل المنطقة النازفة مع ترك فتحة صغيرة. إذن، كان العرف قد حافظ على استمرار الختان الفرعوني حتى اليوم في السودان، رغم صدور قانون 1946 الذي يمنع هذا النوع من الختان، فإن نوعًا أخر من الخفاض يستمد استمراره داخل المجتمع السوداني من المؤسسة الدينية، ويعرف أيضًا بـ"ختان السنة". وقد تمت شرعنته استنادًا إلى حديث منسوب للرسول محمد، مضمونه أن "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء". لكن عددًا من علماء الدين ومن المذاهب الإسلامية المختلفة تدرج هذا الحديث ضمن الأحاديث الضعيفة.

اقرأ/ي أيضًا: المرأة السودانية في مخيال البشير

الخطر ما زال قائمًا

ما تزال عادة ممارسة ختان الإناث حاضرة بقوة في السودان وبنسب مرتفعة، على الرغم من الجهود التي ظلت تبذلها الجهات الرسمية والمنظمات المختصة، فيما يحذر اختصاصيون من تزايد مضاعفات ممارسة هذه العادة، في الوقت الذي يكثر فيه الجدل الديني والفقهي في السودان حول مشروعية هذه العادة.

ما تزال عادة ممارسة ختان الإناث حاضرة بقوة في السودان وبنسب مرتفعة

وكشفت مديرة المشروع القومي لمكافحة ختان الإناث في السودان أميرة أزهري في بيان رسمي عبر وسائل الإعلام أن نسبة الختان على المستوى القومي بلغت 65.5%، مشيرة إلى أن أعلى معدلات هذه النسبة توجد في ولايتي نهر النيل بنسبة 83.3% والولاية الشمالية بنسبة 83.4%، ثم تتدرج هذه النسب في التدني في الولايات الأخرى، مؤكدة حدوث وفيات كثيرة نتيجة ممارسة هذه العادة.

وتشير الأخصائية النفسية، سهير الأنصاري، أن أسباب استمرار الختان في السودان للإناث عائدة إلى اعتقادات خاطئة، نشرت بسبب الجهل والعادات التي لا تمت للصحة والعلم بأي صلة، أبرزها يكمن في الاعتقاد الخاطئ بأن الختان من التعاليم الدينية بالإضافة إلى أنه يمنع الخيانة الزوجية، ويزيد من متعة الرجل الجنسية وأن عدم الختان قد يسبب عجزًا جنسيًا للرجل أثناء الجماع مع الفتاة. بالإضافة إلى أن الختان يساعد في نظافة ونقاء الأنثى، وأن الفتاة التي لم تختن تقل فرصها في الزواج لأنها تصبح موضع شك في عفتها، وقد أكدت دكتور الأنصاري أن كل هذه الأسباب خاطئة ويجب توعية المواطنين للقضاء على ختان الإناث.

السنة تدعو لختن البنين وعفو البنات

وعن رأي الدين الإسلامي في قضية الختان أوضح عضو مجمع الفقه الإسلامي السوداني الشيخ عبد الجليل النذير الكاروري في ورقة عمل بعنوان "كتاب السنة ختن البنين وعفو البنات" تحصل ألترا صوت على نسخة منها، أوضح أن السنة تدعو لختن البنين وعفو البنات، وقال: إن هذه النتيجة تم التوصل إليها بعد دراسة بشأن الختان استنادًا لأصول الدين وعلوم الطب وشؤون الاجتماع، مضيفًا اجتهدنا في الأصول، فقلنا إن القرآن لم يسكت في شأن ختان الإناث، لأنه صريح في اعتماد الفطرة وبالتالي الدعوة لعدم تغيير الخلق.

وفي السياق، أقر ممثل منظمة اليونسيف بالسودان كارل دي روي في تصريح رسمي بوجود تقدم في السودان في مجال محاربة ختان الإناث، إذ أظهرت المؤشرات انخفاض الممارسة حسب مسح 2006 الذي بلغ 69%، وأوضح لدى مخاطبته ورشة عمل حول ختان الإناث بالعاصمة الخرطوم، أن انخفاض الممارسة جاء نتيجة للجهود المبذولة من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، وأكد استمرار اليونسيف في تقديم الدعم لرفع الوعي من خلال برامج سليمة وتجريم الممارسة بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة لتنفيذ الاستراتيجية وتنظيم الجهود الدولية لمناهضة العادة.

حالات وفاة

ختان الإناث، وخاصّة الفرعوني، يؤدّي إلى حالات وفاة كثيرة. وتذكر المؤلّفة لايتفوت كلاين، أن الأطبّاء السودانيين يقدّرون حالات الوفاة ما بين 10 إلى 30% من الفتيات المختونات، خاصّة في القرى حيث لا تتواجد وسائل العلاج، وتشير إلى أنها لاحظت أن عدد النساء في السودان أقل من عدد الرجال، ربّما بسبب تلك الوفيّات.

لم تتمكن إلهام من حبس دموعها وهي تروي حكاية أختها إجلال ذات الست سنوات التي نزفت حتى الموت تحت مشرط قابلة تقليدية، كانت تختنها مع أن ذلك حدث منذ وقت طويل في 1980. وما زالت الفتيات الصغيرات في السودان الفقير الذي يحكمه نظام إسلامي منذ انقلاب عسكري في 1989، يخضعن لعادة الختان التي تعرفها منظمات حقوق الإنسان بـ"عمليات البتر أو التشويه الجنسي."

الأطبّاء السودانيون يقدّروننشبة حالات الوفاة بين من يخضعن للختان من  10 إلى 30% 

ففي السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول توفيت الطفلة إنعام عبد الوهاب في الرابعة من العمر نتيجة التهاب حاد، وحين أصر الطبيب المعالج على تشريح الجثة تبين أن الالتهاب كان نتيجة خضوعها للختان. وقد أصبح وجها إجلال وإنعام رمزًا لحملة ضد ختان الإناث تقودها سيدات تعرضن بغالبيتهن للعملية نفسها. وقالت إلهام التي كانت في التاسعة من العمر عندما ماتت أختها "لقد كانت عملية ختان جماعي لأخواتي الثلاث الصغيرات، الواحدة تلو الأخرى كان هناك نساء كثيرات، خمس أو ست، يمسكن بإجلال التي كانت ملقاة على طاولة، ونزفت إجلال حتى الموت، ولفتت إلهام إلى أن أخواتها كن يخضعن لعملية ختان فرعوني وهو الأقسى بين ثلاثة أنواع من الختان".

إلى ذلك كشف مدير مشرحة الخرطوم د. عقيل سوار الذهب خلال مخاطبته ورشة عمل مخاطر ختان الإناث والمضاعفات، أن متوسط حصيلة استقبال المشرحة من وفيات الأطفال الإناث بسبب الختان تتراوح بين خمس إلى سبع وفيات في فترة العطلة الصيفية، محذرًا من ازدياد انتشار الأمراض المرتبطة بالختان، وأبدى تخوفه من الطبيبات اللائي يقمن بإجراء العمليات بسعر مائتين وخمسين ألف جنيه، مناديًا بكسر الصمت لمحاربة التيار المناصر للظاهرة، وأوصت الورشة بمزيد من البحث المستمر لمحاربة ختان الإناث والتنسيق بين الجهات المختصة وتجميع الجهود لتكوين جسم موحد وأكدت على ضرورة إنفاذ قرارات المجلس الطبي وسط الأطباء

الشارع السوداني ضدّ الظاهرة

كمال موسى، وهو سوداني، يوصي لكل من يريد معرفة عواقب الختان ومعلومات أكثر عن الموضوع، بقراءة مما كتبته الدكتورة نوال السعداوي، التي تعد من أهم من حاربوا هذه الظاهرة الإجرامية في مصر. أما جميل سيد أحمد يرى أن أوهام الختان في الذاكرة الشعبية في السودان تكمن في مفاهيم خاطئة مبنية على أن الفتاة الغير مختونة هي فتاة غير سوية وأخلاقها سيئة حيث نادى بضرورة محاربة هذا المفهوم الخاطئ.

من جانبها، رفضت نسرين حسن كل ما يتداول عن محاربة الختان وأن الختان عادة صحية معللة أن الراجل السوداني، لا يحب الفتاة غير المختونة، وتدعم حديثها تصريحات عضو البرلمان دفع الله حسب الرسول الذي وصف الفتاة غير المختونه بالعفنة! أما عوضية، فتقول بصوتٍ حزين نحن في مجتمع يحكمه العرف، ويصعب القضاء على الخفاض عبر خطة وطنية أو مبادرة دولية. برأيها، المؤسسة الدينية هي الوحيدة القادرة على رفع الظلم الذي تعانيه الأنثى في السودان، فمن خلال تأويل الأحاديث النبوية الضعيفة تمت شرعنة هذه العادة الوثنية، وبالدين أيضًا يمكن محوها من الوجود.

اقرأ/ي أيضًا: ستات الشاي .. المرأة مظلومة ومناضلة