الخامسة فجرًا بتوقيت القمر

الخامسة فجرًا بتوقيت القمر

من أعمال نذير نبعة (1938- 2016)

الثانية بعد منتصف الليل، ومعها ستٌّ وخمسون دقيقةً من الكذب، بالتوقيت العالمي، 500 مليون شخصٍ على الكرة الأرضية، تابعوا على شاشات التلفاز، في 21 تموز/يوليو 1969، ما افتُرض أنه بثٌّ مباشرٌ لأوّل هبوطٍ للإنسان على سطح القمر.

حربٌ باردة، كانت تغلي بين قطبي العالم آنذاك (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي)، وسباقٌ في التنافس بينهما، بلغ أوجه، في تطوير التكنولوجيا وغزو الفضاء. خدعةٌ سينمائية غير معقّدة، كانت كفيلةً حينها بأن تدفع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) نحو الجنون، وأن تُجازف بسمعتها، إرضاءً للسياسة، وخذلانًا للعلم والحقيقة.

"هذه خطوةٌ واحدةٌ صغيرةٌ لرَجُلٍ، لكنها قفزةٌ عملاقةٌ للبشرية كلها". كانت هذه الكلمات الشهيرة التي قالها رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ، حين كذبَ على البشرية ذاتها، وجعلَ من اسمه لعقودٍ لاحقة، أيقونةً فارغةً في عالم الفضاء، ورمزًا وهميًا لتاريخ ومعالم بلاده.

اقرأ/ي أيضًا: إيتوري سكولا المنشغل بالآخرين

العاشرة ليلًا بتوقيت بحر "إيجة"، 2016، يُخبرك صديقكَ، أنّ المُهرّب أبلغه كي يستعدّ مع أمه السبعينية وأخيه، لمغادرة الجنوب الذي أنهكته الحروب، والالتحاق بموسم الهجرة إلى الشمال. ساعتان مضتا، لم يصلوا إلى نقطة الانطلاق، وعادوا أدراجهم لنقطة الانتظار. أربعون وافدًا جديدًا كانوا في استقبالهم، سيركبون البحر فجرًا. 

عصر اليوم التالي، بدأت الأخبار تتحدّث عن غرق 24 يائسًا، وفقدان مَن هم أتعس حظًّا، بعدما أعلَنَ عن استسلامه، قارب الموت، الذي وثِقَ فيه 40 فقيرًا. جوّال صديقكَ مغلق، وهو لم يتّصل بالإنترنت منذ ساعاتٍ طوال. "لو أنني لم أرَ هذه الأخبار"، تقول لنفسكَ، محاولًا الهرب من مواجهة الحقيقة. تتفحّص الصور القليلة التي نُشرت لجثث الغرقى، جميعهم نائمون ويرتدون سترات نجاة. "كيف ماتوا إذن! لا بدّ أنه الخوف". منتصف الليل، يأتيكَ اتصالٌ من شخصٍ خشيتَ أنه أصبح طعامًا للأسماك، فيقول بثقةٍ لم تعهدها فيه من قبل: "عَبَرنا الصراط المستقيم. نحن على شاطئ إحدى الجُزر اليونانية. لقد وُلدتُ من جديد". هذه حقيقةٌ، وقعت أحداثها على مرأى من القمر.

الخامسة فجرًا، تُدرك أنكَ أصبحت وحيدًا، بعد أن كنتَ محطّةً لعبور التائهين. آخر المسافرين تغلّب على الموج، مؤخّرًا، وقال قبل ذلك: "لنا لقاءٌ على الضفّة الأخرى".

اقرأ/ي أيضًا: لم يهزمني "شمس تبريز"

الخامسة فجرًا، هو التوقيت المثالي للاستمتاع بما بقي من هدوءٍ على هذا الكوكب. يرنّ المنبّه على الجانب الآخر للجدار، فتسمع حركةً ثقيلةً لجارك اللاجئ المسنّ، وهو يُحاول الوصول إلى مصدر الصوت لإطفائه، والاستعداد من بعدها لصلاةٍ بلا دعاء، فالمآسي تزداد يومًا بعد آخر، والدعاء لم يُثمر شيئًا منذ خمس سنوات. في الوقت ذاته، فتاةٌ برداءٍ أصفر، تترنّح وهي تدخل المبنى، وصوت ضحكاتها يدقّ أبواب اللاجئين، دون غيرهم.

الخامسة فجرًا بتوقيت أرض "الخلافة"، تستذكر أنّ مخلوقًا غريبًا، أعدم أمّه بيديه، وهياكل الـ "زومبي" من حوله، كانت شاهدةً على ذلك. كيلومتراتٌ ليست بالكثيرة عن هذا الموقع المشؤوم، شابٌ يُقطع رأسه وتُصلب جثّته لثلاثة أيامٍ بلياليها، أمام عيون أمِّه، وتحت ضوء القمر.

الخامسة فجرًا بتوقيت "فيسبوك"، لا تملّ من تكرار ما تفعله منذ أشهر؛ تزور صفحاتِ بعض مَن ماتوا، تقلّب صورهم وذكرياتهم، تُرسل رسالةً جديدة لأحدهم، وتنتظر قبول طلب الصداقة من آخر. "فيسبوك كذبة العصر!". بغياب الشخص، يكثر محبّوه فجأةً، ويُنسى سريعًا بعدها.

الخامسة فجرًا بتوقيت هوليوود، "جميع عمليات الهبوط على القمر كانت مزوّرة، وأنا كنتُ الشخص الذي صوّر ذلك". يعترف بهذه الحقيقة، المخرج الأمريكي الشهير ستانلي كيوبريك، في مقابلة مُسجّلة له، قبل ثلاثة أيام من وفاته في السابع من آذار/مارس 1999، ولم تُنشر إلا بعد خمسة عشر عامًا من ذلك، بسبب الشرط الذي فرضه على المخرج باتريك موراي، قبل تصويره اللقاء.

صاحب تحفة "أوديسا الفضاء" (1968)، أراد أن يقول لنا بكلماتٍ أخرى، إنّ نيل أرمسترونغ، بقي متعايشًا مع هذه الكذبة إلى حين وفاته عام 2012، وإنّ الأوسمة والجوائز التي نالها حينها من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وغيره، لم تكن إلا ثمنًا لسكوته، وإنّ رفرفة العلم الأمريكي فوق سطح القمر الذي لا يوجد فيه هواء، وتداخل أخيلة الأجسام مع بعضها البعض، وغياب النجوم من الفضاء الظاهر بلقطات الهبوط، إضافةً لعدم تكرار مثل هذه الرحلات لاحقًا، ما هي إلا دلائل تؤكّد زيف هذا الإنجاز الأمريكي، وتُبيّن في الوقت ذاته بشاعة السّياسة وألاعيبها.

46 عامًا، بين لقطات الرحلة الافتراضية إلى القمر "أبولو 11"، وبين تاريخ نشر المقابلة التي لم تُعجب الكثيرين. لكنّ كيوبريك، لم يرحل عن هذا العالم، قبل أن يقول لسكّانه: أنتم بُلهاء إن صدّقتم السّاسَة.

اقرأ/ي أيضًا:

عمر حمدي "مالفا".. ميراث من وهج الألوان

سينما من أجل الحرية