"الخادمة" و"أرسلوا النجدة": "تمكين المرأة" حتى من القتل
14 فبراير 2026
لطالما بدا، في السنوات الماضية، أن هوليوود تنقضّ على كل حركة تغيّر مجتمعي وتختطفها لصالح دعاية بروباغاندية، حيث أتى المشاهير فحوّلوا حركة "أنا أيضًا " (Me Too) إلى واجهة استعراضية، وعندما خفت المصطلح لجأوا إلى الاحتماء تحت عباءات سياسية شبيهة أو بديلة. بات استعمال مصطلحات مثل "اليقظة" (woke) لمقاربة الحياة العامة أو توجهات منتج فني أو ثقافي مجرد "بطاقة تسليع" أخرى تُلصق فوق كل حكاية أو تُرفق بأي حكاية.
سؤال المرأة، تحررها، والظلم والإحباط اللذان تتحرك فيهما النساء الغربيات داخل مجتمع البطريركية الذكورية الغربية، هو موضوع الفيلمين "الممتعين" اللذين نزلا إلى صالات السينما العالمية مؤخرًا "أرسلوا النجدة" (Send Help) و"الخادمة" (Housemaid).
في "أرسلوا النجدة"
تبدأ الحكاية من مكاتب شركة مالية حديثة، حيث تُنتزع ترقية البطلة ليندا في اللحظة الأخيرة وتُمنح لرجل أقل كفاءة، لكنه أقرب إلى عالم المدير الجديد الذي استلم للتو، بحيث يكون معه نسيج أكثر انسجامًا داخل شبكة الامتيازات الذكورية التي تحكم المكان كمصغر عن العالم الخارجي. هناك، داخل الواجهة الزجاجية المشعة حداثة وتألقًا وطحنًا للأفراد الموظفين، وخاصة للنساء، نراقب منذ اللحظات الأولى كيف يُعاد إنتاج السلم الوظيفي بلا منطق ولا عدالة: رجل وسيم، ناجح، وشاب للغاية، يدير شركة بالوراثة، لا لشيء إلا لقرابة دم منحته دفة القيادة وتقرير مصير الآخرين.
امرأة تُطالَب بالصبر والمرونة والابتسام وبالقبول بأنها غير كافية لتحوز ترقيتها التي لطالما وُعدت بها. مبتلعة كبرياءها المهان، تأتي رحلة العمل فتضطرهم إلى ركوب الطائرة. ثم تأتي العاصفة. تخذلهم التكنولوجيا. تتحطم الطائرة، ويختفي الفريق، ولا يبقى على الجزيرة سوى ليندا وبرادلي.
سؤال المرأة، تحررها، والظلم والإحباط اللذان تتحرك فيهما النساء الغربيات داخل مجتمع البطريركية الذكورية الغربية، هو موضوع الفيلمين "الممتعين" اللذين نزلا إلى صالات السينما العالمية مؤخرًا "أرسلوا النجدة" (Send Help) و"الخادمة" (Housemaid)
الطبيعة جنة النساء الموعودة
حال الوصول إلى الجزيرة، يسقط كل شيء دفعة واحدة. لا ألقاب وظيفية، لا مناصب، لا هيكل إداري. الطبيعة "الأم" الأنثى بمهاراتها المنسية عديمة التقدير تحضر كما لو أنها أهم ما حصل وسيحصل للشخصيات كي تتابع عيشها. هكذا تحضر الحقيقة التي أنستنا إياها التكنولوجيا، عارية، قاسية، لا تعترف بتاريخ أحد.
يُعاد تعريف القدرات والمعارف. برادلي لا يحمل إلى العالم الجديد سوى أثر السلطة واتكائه على حداثة متهاوية لرجل حافي القدمين. ليندا لا تحمل خبراتها كطفلة الطبيعة المدللة فقط، بل أيضًا قدرتها على التنظيم، على تحويل وقت الانتظار الهيوليّ إلى خطة. هما الآن في محنة، لكنهما لا يشعلان النار معًا، لا يبحثان عن الماء، لا يقيمان مأوى مؤقتًا. هي من تفعل. تستلم قدرهما معًا. يبدأ الصراع.
هوليوود وجوكر المتعة غير المخيّب
الفيلم ممتع. التمثيل والحرفة التي أبداها البطلان ريتشل مكآدامز وديلان أوبراين مثيرة للإعجاب، بحيث يمكن متابعته كفيلم ذكي مكتوب بخفة ومرح لا باستخفاف. قراءة الفيلم كحكاية آدم وحواء بعد الطرد تبدو مشروعة ومبررة. الطرد هنا لا يحدث من جنة توراتية، بل من وهم النظام البطريركي الذي كان وما زال يوزّع أدوار الحياة بين رجل وامرأة.
خادمة وسيدة منزل: اقتتال على الذكر
في فيلم "الخادمة" تبدأ الحكاية من داخل بيت فخم، واجهته زجاجية، أثاثه مصقول، وحديقته مشذبة كما لو أنها لا تعترف بالفوضى. تدخل إلى هذا العالم المعقم خادمة بماضٍ معقد، تحمل جسدها كبطاقة تعريف لمقدراتها وإمكاناتها التي ستظهر لاحقًا. تستقبلها زوجة أنيقة، أمّ، سيدة المنزل، تبدو مالكة المكان وحارسته. رجل في الخلفية، مركز الجاذبية الصامت، تدور حوله النظرات والشكوك والغيرة والرغبة. تبدأ التوترات صغيرة، نظرات طويلة، تعليمات قاسية، حدود تُرسم وتُعاد رسمها. مشاهد جنسية حارة لا مبرر حقيقي لها.
الفيلم ضعيف، غير ذكي أيضًا، بحبكة مثقبة لا منطق يمسكها. الأجساد البديعة للممثلين أصحاب الحسّية الهائلة والكاريزما، سيدني سويني، أماندا سيفريد، ميشيل موروني، حملوا أخطاء وضعف الحبكة واستتروا بفتنتهم وموهبتهم على كل هذا، ليشكّل الفيلم نجاحًا جماهيريًا مقبولًا.
على الرغم من محاولة فيلم الخادمة منذ دقائقه الأولى أن يلبس أهمية لا تحتملها الحكاية، إلا أنه استطاع أن يقودنا كمشاهدين "ولو قليلًا" لقراءة الفيلم كمأساة عن أخوّة مكسورة بين نساء مضطهدات. الزوجة، رغم امتيازها الطبقي، أسيرة صورة الجاذبية المفروضة عليها. الخادمة، رغم هامشيتها، ليست سوى جسد يُنتهك حدوده يوميًا بالفقر، بالحب، وبالجاذبية التي لا يمكن تفاديها للرجل الغني واللطيف والجذاب جنسيًا.
النسوية كمنتج سهل التسويق
في المحصلة، لا يقدّم الفيلمان بيانًا نسويًا بقدر ما يقدّمان منتجًا نسويّ الشكل. كلاهما ينطلق من بنية ظلم واضحة، شركة مالية تُدار بالوراثة والقرابة، بيت زجاجي تُدار علاقاته بالشهوة الذكورية والهوس المسموم لطفل مدلل لم يغادر طفولته حتى في الأربعين. كلا الفيلمين يعد بإعادة تعريف لديناميكية السلطة. ما يحدث في النهاية لا يصل إلى حد التفكيك العميق للنظام المجتمعي البطريركي، بل يختار إعادة تدوير ذكية له. ربما يختار القطيعة العنفية فقط، مسامحًا بألا تُحاسَب البطلات على أفعالهن. هكذا يتحول شعار "تمكين المرأة" إلى حكاية درامية تسمح بالنجاة برغم الخطأ، وتسمح بعدم المساواة، بل بالمسامحة على الأخطاء لأسباب جندرية، كل ذلك من دون أن يُمسّ الجذر العميق للمنظومة التي أنتجت القهر أصلًا.
بالرغم من كل النوايا الحسنة، ستبقى تلعب اللعبة التجارية ذاتها. عجز فلما "أرسلوا النجدة" و"الخادمة" عن تحديث الخطاب إلا تحديثًا جذابًا من خلال أفلام ممتعة، ممثلات وممثلين بذكاء وكاريزما لافتة، سيناريوهات تتقن لعبة السوق. في نهاية المطاف تؤكد ما تحاول ظاهريًا هدمه: النظام الذكوري المؤسساتي ذاته قادر دائمًا على استيعاب النقد، تغليفه، وبيعه من جديد، هذه المرة تحت لافتات براقة لليقظة والتمكين.