الحوثيون.. ورثَة السّخط التاريخي

الحوثيون.. ورثَة السّخط التاريخي

ثوار جمهوريون قرب عدن عام 1962 (أ.ف.ب)

لم يدرك الحوثيون الذين جاؤوا في القرن الحادي والعشرين، أنهم، لتعاسة حظّهم، قد جاؤوا ليرِثوا سخَطًا يتجاوز الألف عام، تجاه مرجعيتهم العُرفية والثقافية، والتي أسَّس لها يحيى بن الحُسين المُلقب بـ"الهادي الرسِّي".

تأسَّست الإمامة الزيدية في صعدة عام 898، واستمرَّت حتى سقوطها في 1962

من الحجاز إلى اليمن قدم الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم الرسيّ (859 - 911)، وهو الحفيد السادس للحسن بن عليّ، حاملًا معه دعوة ابن عمِّه الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وفشل طموح جده القاسم بن إبراهيم طباطبا لسلطةٍ ما بِمكة، لينجح الحفيد في تحقيقها باليمن التي قدم إليها حَكَمًا بين قبائلها المتنازعة. وقد ساهم الهادي أثناء تأسيسه لملكهِ انطلاقًا من نظريَّة الحقّ السلالي، في توظيف مظلوميّة "آل بيت الرسول" لسلطة سلالته، بتجذير خلطة حُكمٍ حصدت المَقت؛ عُرفت لاحِقاً بالدولة الزيدية في اليمن!

تأسَّست الإمامة الزيدية في صعدة عام 898، واستمرَّت حتى سقوط دويلتها "شكليَّاً" عام 1962، وخلال هذا التاريخ تأرجحت سيطرتها على جغرافيا ما يُعرف اليوم في اليمن بـ "شمال الشمال"، الذي تنضوي فيه محافظات صنعاء، صعدة، حجة، ذمار، عمران، المحويت، الجوف، مأرب.. وكانت تتمدد أحيانًا وتنحسرُ أخرى، ضمن تحالف الكهنوت، بين سُلطة دينية تتحكَّم بِها السُّلالة، وأخرى قبليَّة يتحكم بها المشيخة.

قامت الدولة الزيدية على أسسٍ طبقيَّة، أولًا بفعل الاصطفاء الذي كرسَه الهادي الرسِّي باعتباره حفيدًا للحسن بن عليّ، وحفيد ابن عمّ "الإمام" زيد، ما كرَّس فكرة المولى والسيِّد لدى الرسيِّين من أبناء السلالة الهاشميَّة أو "السادة" في اليمن، وثانياً بفعل اصطفاء رجالات وأنصار السلالة "النقيَّة"، فكُرست، دينيًا، الطبقيَّة بين اليمنيين، وكان النخبة هم "السادة" أو "آل البيت"، يليهم "القضاة"، وهم رجال العِلم والقضاء في دولةٍ أسسها "حَكَم" أو "قاضٍ" هو الهادي، تتلوها طبقة "القبائل"، وهُم جُندُ الحقّ الإلهيّ في الحُكم.

وبدلاً من تأسيس قِيَم المذهب الزيدي، المعروف بالعقلانية كمنتجٍ معتزليّ، في ثقافة وسلوك القبائل اليمنية، تأسَّست سُلطة تعيش على المذهب، مبتعدةً من عُمقه، ومقتربةً من عرقيّة مبشريهِ وأنصاره. ودخل على مصطلح "الزيدية" متغيران، الأوَّل ثقافة القبيلة العصبويّة اليمنية، التي لم تسمح لأئمة المذهب والسياسة بأي اختراق اجتماعيّ، أو ثقافيّ أصيل ومفصليّ في أعرافها، والثاني التعديلات والاجتهادات، الدينية/السياسية، التي أضافها الهادي بن الحسين، والتي كرَّست بعض الأخطاء التي تُدان بها الزيديَّة السياسية في اليمن.

تركت الزيديّة شرخًا اجتماعيًا كبيرًا ما جعل حوثيي اليوم، غير مقبولين لدى غالبيَّة اليمنيين

بمرور الوقت، تجذرت "الزيدية السياسية" باصطفاءٍ عرقيّ/ إلهيّ للحاكِم، وعصبويّة مُقاتِلة، عزَّزَتها عقلانيّة تحايلية لرجال الدين في الدولة؛ الذين كانوا، تراتبيًا، من طبقتي "الهاشميين والقضاة"، بالإضافة إلى أنصار "الآل"، وهم القبائل التي تُقاتل في سبيل الله، وتحظى بالغنائِم والفخر، فلم تكُن الدولة في حقيقتها سوى تعبير عن ثلاثة أمور: ولاية، قضاء، وغزو. لذلك، تأسست الولاية على شروطها الزيدية الأربعة عشر، وأحدها الانتماء العرقي/ السلالي، فيما تَشَكل القضاء "بقاعدة المساواة في الظُّلم" على طبقة من العُلماء "القُضاة"، وبقي الغزو والغنيمة لرجُل القبيلة المُغرر بهِ، والمُكتفي بشهادَة نَسَب، لا علاقة لَهَا بموثوقيَّة نسبِه، بقدر ما ترتبطُ بنُصرتهِ لآل البيت.

حكمَت السلالات "الهاشميَّة" اليمن لأكثر من ألف عام، وأفحشَت إبان حكمها الطويل في الجباياتٍ الباطِلة، والبربريَة والظّلم والانتهازيَّة، وتناحَرَت بفجور على السُّلطة، فكثر طلاب الإمامة، حتى قِيل أن أحد أئِمة صعدة طلب من نائبه في صنعاء، أن يرسل لهُ خادِمًا، فاعتذر له الوالي محتجًا بشحُّ الخدمِ، لكنه عرض عليه أن يرسل له بإمام لكثرَة أدعياء الإمامة المُودعين في السجون.

في ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962 انقضت شرعيّة "الملكيَّة الإمامية" في اليمن، والتي تكبَّدت مِصر عبدُ الناصر، عبر استنزاف مقدراتها العسكرية في دعم الثورة، خسارةً تاريخيَّة أمام إسرائيل في نكسة 1967. الجُمهوريَّة انتصرت بطريقةٍ غريبة لاحقًا، عقبَ حربٍ أهليَّة دامَت سنوات، بين الجمهوريين وجيش ناصر من جهة، والملكيين المدعومين من السعودية وبريطانيا والأردن، والمسنودين بآلاف المرتزقة الذين استأجرتهم إسرائيل.

لكن "القبيلة العميقة"، كما يصفها البعض، ظلَّت باقِيَة حتى اليوم، فالجمهوريَّة وإن كانت قد استمرَّت، بعد تصفيَة الجمهوريين الشباب أو التقدُّميين، مكافأةً لهم على شجاعتهم التاريخيَّة، في دفاعِهم عن صنعاء في حصار السبعين التاريخيّ، لتذهب دماءَ شجعان الجمهورية، وتُسحل أجسادهم من قبل الجمهوريين التقليديين/ القبليين، ثم تتبعها تسويَة طائفية/ تاريخيّة بين الجمهوريين التقليديين والملكيين، على أنقاض تصفياتٍ وحروبٍ طائفيَّة جمهوريَة/ جمهوريّة، فإنها، أي القبيلة العميقة، قد أعادَت سلطتها، مع الهاشميّة السياسية داخل النظام الجُمهوري، وهو ما أنتَجَ اليوم تحالُفاً "غير مستغرب" بين العدوَّين السابقين "صالِح والحوثيين"، أحفَاد "الهاشميّة السياسية" تاريخيًا.

لقد تركت الزيديّة الإماميَّة شرخًا اجتماعيًا كبيرًا، وثقافة عصبويَّة تجذَّرت خلال ألفِ عام، ولم يسهُل، حتى اللحظة، تجفيفها فضلًا عن التخلُّص منها، وهو ما جعل الحوثيين اليوم، رُغم التسامح الشعبيّ والدينيّ بين أبناء الوطن الواحد، غير مقبولين لدى الغالبيَّة من اليمنيين، وإذا كانَت المرجعيَّات العُرفيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة للظاهرة الحوثيَّة قد وّفرت لهُم عناء البحث عن أتباع، فإن سلوكيَّاتهم المُستندة لهذه المرجعيّة المرفوضة بالأغلبية، قد ثبَّتت هذهِ الخُصومة لهُم في مُجتمع ملَّ كلّ هذا العبث التاريخيّ الممجوج.