"الحلبيات".. أنوثة رغم أنف الحرب

(عبدالله كوسكن/الأناضول/getty)

خواتم مصنوعة من حبات خرز صغيرة وأساور من خيوط الكروشيه ومطاط ملون هي الزينة الدارجة لدى معظم فتيات حلب في الوقت الحالي. وهي زينة بسيطة التكاليف وتصنع بشكل يدوي والأهم أنها تلبي رغبة الإناث في المحافظة على مظهرهن الخارجي الجميل في حدود الإمكانيات المادية المتاحة.

قد يبدو الحديث عن الأناقة والجمال في مدينة صُنفت على أنها أخطر مدينة في العالم غير منطقي. لكن وبعد أن أصبحت الحرب نمط حياة عادي بالنسبة لأهالي حلب لم تجد النساء ضيرًا في أن يمنحن أنوثتهن شيئًا من الاهتمام وسط ظروف اقتصادية وإنسانية جردتهن من أبسط حقوق المرأة وحاجاتها. الأكسسوار هو جزء أساسي من أناقة أي امرأة ولدى الفتاة الحلبية تحديدًا كان الذهب بمثابة جواز سفر لها في عالم الأناقة والجمال. غير أن الذهب ذَهَبَ مع الكثير من الأشياء التي باتت موجودة لديهن في الذاكرة فقط.

أصبحت الحرب نمط حياة عادي بالنسبة لأهالي حلب، لكن النساء لم يجدن ضيرًا في أن يمنحن أنوثتهن شيئًا من الاهتمام

تقوم سماح (30 عامًا) منذ سنة بصنع أكسسواراتها بنفسها بعد أن علمتها صديقتها كيفية القيام بذلك "بدأ الأمر عندما أهدتني صديقتي خاتم صنعته من حبات الخرز وكان جميلًا جدًا لدرجة أني لم أصدق أنه مصنوع في البيت. وبعد أن تعلمت الطريقة أصبح الأمر مسليًا ومفيدًا في نفس الوقت".

تستمتع سماح عندما تهدي إحدى صديقاتها أو جاراتها من الحلي الذي تصنعه "تسعدني ردة فعلهن عندما يشاهدن ما صنعت، إضافة إلى أنهن سيذكرنني في كل مرة يرتدين هذا الخاتم أو السوار".

بدورها، تؤمن الشابة العشرينية منى أسعد أن المظهر الخارجي ينعكس على نفسية الإنسان سلبًا أو إيجابًا. وتضيف "فقدت الكثير من ثقتي بنفسي وحيويتي خلال السنوات الثلاث الماضية، صحيح أننا نعيش ظروف حرب قاسية ولكني أشعر أنه من حقي الاستمتاع بأنوثتي طالما أني مازلت على قيد الحياة".

لدى منى مهارة وذوق ناعم في صنع الأكسسوارات المختلفة من خيوط الكروشيه الملونة والخرز. تشرح: في البداية كنت أستخدم خيوط الكروشيه فقط لصنع الأساور بواسطة مخرز وبعد فترة بدأت أتفنن أكثر بإدخال الخرز أو وضع أي شيء قد يضفي جمالية على السوار كالأزرار الملونة وغيرها.. أحيانًا أستعمل مواد تزيينية من قطعة ملابس قديمة أو ما شابه فالفكرة هي ابتكار أشياء جميلة بمواد رخيصة وممكن أن تكون متوافرة في البيت.

استغنت منى عن غلاف الهاتف الجوال الذي يباع في المحلات بأسعار مرتفعة وصنعته لنفسها بخيوط الكروشيه وبعض الإضافات البسيطة للزينة. كما صنعت العديد من حقائب اليد بألوان تتناسب مع ملابسها.. "المفهوم المتعارف عليه لدى النساء وهو أن لكل قطعة ثياب حقيبتها التي تناسبها غائب عنّا تمامًا بسبب جنون الأسعار، لكن مهارتي باستخدام المخرز عوضتني عن ذلك. أنا الآن أصنع حقائبي بنفسي وبالألوان التي تناسبني بتكلفة منخفضة جدًا مقارنة ببضائع السوق".

وجدت السوريات حلولهن الخاصة بغلاء أسعار الملابس والحلي عبر التصنيع المنزلي

أما سوسن عكو فأرادت أن تجد حلولًا لغلاء أسعار الملابس على طريقتها الخاصة. سوسن سيدة حلبية عُرفت بحبها للأشغال اليدوية والتطريز. فاستغلت هذه الهواية لتجميل ملابسها التي غالبًا ما تشتريها من سوق البالة.

في البالة كانت دائمًا تجد الثياب التي تشعر بأنها ستكون أفضل مع بعض التعديلات أو الإضافات. فبدأت بإعادة تصميم ما تشتريه. غالبًا تحضر سترة أو بلوزة تبدو بسيطة للغاية وبدون أي إضافات عليها وتطلق العنان لأفكارها. قد تضيف بعض التزيينات إما بالتطريز أو الخرز والنتيجة تكون مرضية بالنسبة لها، خاصة عندما تسمع تعليقات جميلة من صديقاتها.

أما موضة الأساور المطاطية الملونة المنتشرة في أكثر من دولة -حتى أنها تعتبر صرعة من صرعات الموضة حاليًا- فقد لقيت رواجًا كبيرًا في حلب أيضًا. لاسيما وأنها رخيصة جدًا وصناعتها لا تحتاج إلى الكثير من الخبرة. يحتاج الأمر إلى خطّاف بلاستيكي على شكل حرف (C) ومخرز صغير من البلاستيك يباعان مع كيس الحلقات المطاطية. ويمكن الاستعاضة عن الخطّاف بشوكة طعام. وبما أن هذه الصرعة باتت متداولة بين الفتيات والشبان صغارًا وكبارًا أصبح البعض يستخدم السوار المطاطي للتعبير عن انتماءاته السياسية أو إعجابه بناديه الرياضي المفضل. فقد تجد أحدهم يرتدي سوارًا بألوان العلم السوري وآخر يرتديه بألوان ريال مدريد. أما الأطفال فيتنافسون على عدد الأساور التي يرتديها كل واحد منهم وبعضهم بدأ يصنعها بنفسه أيضًا. تقول السيدة منال وهي أم لولدين "كان ابني يطلب مني أن أصنع له أساور بألوان شخصيات الكرتون التي يحبها كسبونج بوب وسبايدر مان وغيرها. أما الآن لم يعد بحاجتي وصار يصنعها بنفسه ويتفاخر بذلك أمام أصدقائه".

اقرأ/ي أيضًا:
عن الأكلاف الاقتصادية للإرهاب
سوريا.. حرب على الطفولة