الحكمدار يوزع الورود

الحكمدار يوزع الورود

ميدان التحرير 2011 (Getty)

أذكر منذ خمس سنوات عندما افترشت الأسفلت وتلحفت السماء وهواء شباط/فبراير القارص البرد مع زملائي في الميدان. وقتها كنا نصدق أنفسنا ونؤمن بما نفعله كما لم نؤمن بشيء قبله. كنا كمن ملك الدنيا وهو لا يملك رغيف عشائه، وكمن حاز أمنًا وسلامًا مع روحه ونفسه وهو لا يأمن على حياته حتى الساعة المقبلة.

اتفق الجنرالات على ما اتفقنا عليه؛ فلنخلع مبارك، أعظم المطالب وأهونها، قمة الإنجاز وأتفهه

لم نكن أبطالًا ولا قديسين، لكنهم كانوا وحوشًا وأبالسة، أولئك الجنرالات القلقين غير المصدقين لما يحدث، والعارفين بكل ما لا نعرف، وإن كنا نحن الفعل وهم رد الفعل، فقد كانت هذه حالة مؤقتة يجب مجاراتها والتعامل معها، وتوجيهها لمصلحة الجنرالات وليس مصلحة الوطن بالطبع.

اتفق الجنرالات على ما اتفقنا عليه؛ فلنخلع مبارك، أعظم المطالب وأهونها، قمة الإنجاز وأتفهه. نعم، تآلفت المتناقضات واجتمعت لتصنع واقعًا أردناه نحن ونفذوه هم، فخلع مبارك كان غاية هينة على عظمتها، كان إنجازًا تافهًا على أهميته، فقد خلف مبارك وراءه جنرالات يفوقونه دهاء وحنكة، هم ليسوا تلاميذ أو امتدادًا له سوى فى الفساد والتسلط، وإنما هم أساتذة وعلماء تنحنى لهم الجباه إجلالًا وتقديرًا لعظمة ما وصلوا إليه من فنون التلاعب والتحكم والتوجيه المدروس والممنهج والفعال.

يقول التاريخ أشياء وتفاصيل كثيرة، لا داعى لذكرها الآن فليس هذا وقتها، وقت التأريخ قادم لا محالة وإن حاولوا تزويره، لكن ما يعنيني هنا هو تفكير الجنرالات أنفسهم في كل ما حدث. الناس ثائرة على مبارك والشرطة والنظام والفساد والظلم والاستبداد.. جميل، فلنخلع مبارك ولنتجاهل كل ما تلا ذلك، ولنضخم الحدث الضخم ليتضخم أكثر، ولننفخ فى نرجسيتهم وإحساسهم بالإنجاز حتى يطغى على ما هو أهم وأخطر، ولنحتفل معهم ونثمن دورنا عندهم فيتغنوا به ليعرفوا قدرنا، ولنذيقنهم بطشًا إذا ما تناسوا فضلنا المزعوم ليعرفوا بأسنا، ولنفرق بين ما أسموه ثورة وما نسميه فوضى، ونضرب على يد كل من يبالغ أو يستمر فى التمرد ليرتدع الجميع، ولنتحالف ظاهريًا مع أكبر فصيل محرك للأحداث وطامع فى السلطة ونمنيه ما يتمنى، ونكون جبهة معه ضدهم حتى إذا كرهونا كرهوه معنا، ولنرغبه ونستغل شراهته للحكم وميكيافيليته وطمعه حتى يطمئن بالًا ويرتاح خلدًا، ولنساعده فى الوصول للحكم على كراهتنا غير معلنة.

لننفخ فى نرجسيتهم وإحساسهم بالإنجاز حتى يطغى على ما هو أهم وأخطر

لننزع بعدها يدنا من كل شيء ظاهريًا ونوغلها فى كل شيء من الباطن، ولنستغل الأمر حتى يثوروا ضده فننقلب معهم كرامة لهم، كما سنصور الأمر وعزًا وانتقامًا تاريخيًا لنا كما نعرف نحن يقينًا، ثم نعود لنحتفل ونغني ونثمن ما فعلنا لديهم ليعرفوا قدرنا مرة أخرى، ثم نقدم أحدنا أو قائدنا فى الرتبة ونساهم فى نسب الإنجاز والفضل كله إليه، ثم يعجبون به فيحترمونه فيحبونه فيؤلهونه فيترفع، ثم يطالبونه بتولي الأمور أو نجعلهم يفعلون، فيظهر الزهد في الأمر أو يدعيه، ثم يحكم، ثم نحكم، ثم شكرًا سيدي المواطن على حسن تعاونك معنا.

اختصار به إخلال بالطبع لواقع الأمور التي جرت، ولكنه يوجز المعنى ويقربه لذهنك، فالأمر يحتاج دراسات مطولة وكتب تحلل وتفسر ما فعله الثعالب والذئاب بالحملان والخرفان والدجاج المدجن والفئران والقطط والكلاب والإنسان، ربما سترسم تخيلًا الآن لكل مقصود يقابله لفظ حيوان تم ذكره، لا تهتم فكلهم في النهاية حيوانات!

بدأ الأمر عندنا وانتهى بالخلع فى ذلك اليوم البعيد، وبدأ عندهم ولم ينته إلا عند التنصيب فى هذا اليوم غير البعيد. كل ما آمله فعلًا أن يكون انتهى بالفعل عندهم ولم ينته بعد عندنا، وإن كانت كل الشواهد تدل على عكس ما أتمنى.

اقرأ/ي أيضًا:

في انتظار "28 يناير".. في انتظار الثورة

مَن يُنظم انهيار السيسي؟