الحق في الاحتيال.. المنهاج الخفي في مدارس فلسطين
14 أغسطس 2026
في سنةٍ من السنوات كنتُ أعمل معلّمًا، وكان لديّ مشكلة مع المنهاج الفلسطيني، ليس من زاوية تلاعبه فقط بالكثير من المعلومات التي تؤكد وحدة الأرض الفلسطينية وحق الفلسطيني في معرفة تاريخ بلاده، وحقه في عدم الاعتراف ببنود اتفاقيات سياسية تمسخ ملامح البلاد، وتقضم منها أنهارًا وجبالًا وتاريخًا، بل أيضًا من زاوية طبيعة مواده وموضوعاته التي لا تفتح أفق الطالب، ولا تدربه على التساؤل والاستمتاع، واكتساب مهارة الربط والمقارنة، وشجاعة التعبير عن نفسه، والتفكير الحر، والنظرة النقدية للمسلّمات، ونسج شخصية مستقلة للطالب.
بدأت بعد عام 2000 تدريس اللغة العربية للصف السادس، وسأحكي عن قصيدة عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) "يا جاري المؤنس"، وهي تتحدث عن حنينه إلى بيته في حيفا.
يَا جَارِيَ المُؤْنِسَ فِي غُرْبَتِي ... هَلْ لِلدِّيَارِ الَّتِي بَكَتْ خَبَرُ؟
هَلْ زَارَ حَيْفَا بَعْدَنَا مَاطِرٌ ... أَمْ جَفَّ فِي رَوْضَاتِهَا النَّهَرُ؟
دَارِي الَّتِي كَانَتْ مَلَاذَ المُنَى ... هَلْ زَالَ مِنْ سَاحَاتِهَا الأَثَرُ؟
أَهْفُو إِلَيْهَا كُلَّمَا نَسْمَةٌ ... مَرَّتْ وَفِي أَعْطَافِهَا عِطْرُ
وَالذِّكْرَيَاتُ لَهَا مَوَاكِبُ ... فِي خَاطِرِي تَمْشِي وَتَنْتَشِرُ
يَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَعُودُ لَهَا ... يَوْمًا وَيَجْمَعُ شَمْلَنَا القَدَرُ
وَنَلْتَقِي وَالفَجْرُ يَبْسِمُ لِي ... وَالأَرْضُ يَعْلُو فَوْقَهَا الزَّهَرُ
ثم قرأتُ تحتها هذه الأسئلة: استيعاب وفهم:
· بمَ وصف الشاعر بيته في حيفا في البيت الأول؟
· السؤال الثاني: ما الذي يتذكره الشاعر كلما هبّت نسائم الوطن؟
· السؤال الثالث: ما الأمل الذي يتمسك به الشاعر في نهاية القصيدة؟
· السؤال الرابع: استخرج من الأبيات الكلمة المعبرة عن الشوق الشديد.
ثم هذه الأسئلة التي سموها مناقشة وتفكيرًا ناقدًا:
· السؤال الأول: لماذا خصّ الشاعر مدينة حيفا بالذكر في قصيدته دون غيرها من المدن؟
· السؤال الثاني: ما دلالة استخدام الشاعر لأسلوب الاستفهام في قوله: "هل للديار التي بكت خبرُ؟"؟
· السؤال الثالث: تنوعت عواطف الشاعر في الأبيات بين الحزن والأمل؛ تتبّع هذا التنوع موضحًا الأبيات التي تمثله.
أحيانًا كنت أدرّس الجغرافيا. في كتاب الجغرافيا صُعقت وأنا أقرأ أن أعلى جبل في فلسطين تل العاصور في رام الله، وكان هذا أول امتحان لي لاكتشاف موقفي واختبار مبادئي
هل تحقق هذه الأسئلة فائدة ذهنية أو معرفية أو عاطفية وجمالية للطالب؟ هي تعطي معلومات عامة، وتعوم على السطح، لا تصنع تشويقًا أو دهشة، ولا تساعد على حب الطالب للشعر، لا تستفز ذهنه ولا تُطرب قلبه، ولا تعمّق إحساسه بحيفا ورمزيتها، ولا حتى تدفعه للركض نحو تاريخها، ولا تسمح له بغنائها، رغم أن من حق الطالب والمعلم أن يغنيا القصيدة غناءً. قلتُ للطلاب متحايلًا: الذي كتب الأسئلة كان يقصد أسئلة أخرى، ها هي:
ما الذي يدفع شاعرًا للسكن في حيفا، وغيره فعل الكثيرون، رغم أنه من سكان ومواليد طولكرم؟ لماذا يحب الشعراء السكن في حيفا؟
استنتج الزمن الذي كتب فيه الشاعر القصيدة.
اذكر لي شيئًا اختفى من حياتك وتحنّ إليه.
هل الفجر يبسم حقًا كما ذكر الشاعر؟ أغمض عينيك وتخيّل فجرًا يبتسم، ثم افتحهما وقل لي ماذا رأيت.
ما هي الصورة التي أحببتها أكثر من غيرها في القصيدة؟ ولماذا؟
عن ماذا تتوقع أن يكتب الشاعر الفلسطيني لو لم تحدث النكبة والتهجير؟ هل ستختفي عاطفة الحنين من حياتنا؟
تخيّل نفسك الجار المؤنس الذي يخاطبه الشاعر في القصيدة، أطلق عليك اسمًا، صف ملامح وجه الشاعر وهو يقرأ أمامك القصيدة. من تكون أنت؟ ومن أي قرية هُجّرت؟ ولماذا وصفك بالمؤنس؟
حاول أن تغني عبارة من القصيدة، ولحّنها بطريقتك.
كيف يمكن أن تتحول الذكريات إلى مواكب تمشي في خاطر الشاعر؟ تأمّل هذه الصورة واحكِ لي إحساسك فيها.
حين تمرّ بنهر جاف.. ماذا تستنتج؟
أحيانًا كنت أدرّس الجغرافيا. في كتاب الجغرافيا صُعقت وأنا أقرأ أن أعلى جبل في فلسطين تل العاصور في رام الله، وكان هذا أول امتحان لي لاكتشاف موقفي واختبار مبادئي. خرجت قليلًا لأتنفس، كدت أختنق وأنا أفكر لثوانٍ: كيف يمكن تزوير تاريخ وجغرافيا فلسطين بهذه السهولة؟ طلبت من الطلاب إغلاق الكتاب والاستماع إليّ: أعلى جبل في فلسطين هو الجرمق في الجليل الأعلى، ويرتفع بـ 1208 أمتار عن سطح البحر، ثم يليه جبل النبي يونس بارتفاع 1023 مترًا، ويقع في بلدة حلحول في الخليل، ثم يليه تل العاصور برام الله ويرتفع بـ 1016 مترًا.
سألني طالب: لكن الكتاب يقول إن تل العاصور هو الأعلى. قلت لهم: الذي كتب المعلومة أخطأ، والإنسان يخطئ، ونحن هنا لنصلح الأخطاء.
ظل طلابي يتذكرون هذا. قبل أسابيع التقيت أحدهم وقد صار طبيبًا، فبادرني بالقول: الجرمق وليس العاصور. ابتسمت، وابتسم.










