الحصبة تعود بقوة عالميًا: هل الملقَّحون في مأمن؟
8 فبراير 2026
بعد سنوات طويلة من الانحسار، تعود الحصبة لتفرض نفسها مجددًا كتهديد صحي عالمي، في تطور يقلق الأوساط الطبية ويضع أنظمة الصحة العامة أمام اختبار صعب، خصوصًا مع تراجع معدلات التطعيم في عدد من الدول المتقدمة.
وحسب تقرير نشرته مجلة "نيتشر" العلمية، ففي الولايات المتحدة، تم تسجيل أكثر من ألفي إصابة بالحصبة خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم يُسجل منذ أكثر من ثلاثة عقود. وتشير التوقعات إلى أن عام 2026 قد يشهد تجاوز هذا الرقم، في وقت فقدت فيه بريطانيا وإسبانيا والنمسا وعدة دول أوروبية أخرى صفة "الخالية من الحصبة" مطلع كانون الثاني/يناير، بعد أن سبقتها كندا في تشرين الثاني/نوفمبر، فيما من المتوقع أن تلحق الولايات المتحدة بالقائمة في نيسان/أبريل المقبل.
فيروس شديد العدوى وخطر يتسع
تُعد الحصبة من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى في العالم، إذ يمكن للمصاب الواحد أن ينقل العدوى إلى ما بين 12 و18 شخصًا في حال غياب المناعة. وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 90% من غير المتمتعين بالمناعة يصابون بالمرض عند التعرض له.
وتشمل أعراض الحصبة الحمى والسعال والطفح الجلدي، لكنها قد تتطور في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة مثل الالتهاب الرئوي أو التهاب الدماغ، وقد تؤدي إلى الوفاة، خصوصًا لدى الأطفال الصغار.
لماذا لا يكفي اللقاح وحده؟
يؤكد الخبراء أن لقاح الحصبة يتمتع بفعالية عالية، إذ يوفر جرعة واحدة حماية بنسبة 93%، وترتفع إلى 97% بعد الجرعتين الموصى بهما. كما أن هذه المناعة تدوم غالبًا مدى الحياة.
لكن المشكلة تكمن في تراجع ما يُعرف بـ"مناعة القطيع"، والتي تتحقق عندما يتمتع ما بين 92% و94% من السكان بالمناعة. ولهذا السبب حُدد هدف التغطية التطعيمية عند 95%. غير أن هذه النسبة بدأت بالتآكل، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث انخفضت نسبة التطعيم بين رياض الأطفال من 95.2% في موسم 2019-2020 إلى 92.5% في موسم 2024-2025، ما فتح الباب مجددًا أمام تفشي المرض.
هل الملقحون معرضون للإصابة؟
رغم فعالية اللقاح، فإنه لا يوفر حماية مطلقة. وتشير بيانات تحليلية إلى أن نحو 12% من حالات الحصبة المسجلة في الولايات المتحدة بين عامي 2001 و2022 كانت إصابات "اختراقية" لدى أشخاص تلقوا التطعيم.
ويؤكد خبراء الأمراض المعدية أن خطر إصابة الملقحين يرتبط بشكل أساسي بمدى تعرضهم للفيروس، سواء عبر السفر إلى مناطق تشهد تفشيًا، أو العيش في مجتمعات ترتفع فيها نسبة غير الملقحين.
وفي إحدى موجات التفشي بولاية ساوث كارولاينا، أُصيب 876 شخصًا، كان 838 منهم غير ملقحين أو غير معروف وضعهم التطعيمي. ومن بين 38 شخصًا ملقحًا أُصيبوا بالمرض، كان 16 قد تلقوا جرعة واحدة فقط. وتشير نماذج وبائية حديثة إلى أن اختلاط الملقحين بغير الملقحين يرفع احتمالية حدوث إصابات اختراقية. ورغم ذلك، يلفت الأطباء إلى أن الأعراض لدى الملقحين تكون غالبًا أخف، مع انخفاض كبير في معدلات المضاعفات الخطيرة.
عامل خطر إضافي
حالات السفر الدولي برزت كأحد محركات انتشار الفيروس. ففي أيار/مايو الماضي، استقل شخص غير ملقح مصاب بالحصبة رحلة جوية دولية استمرت 11 ساعة إلى مدينة دنفر، وهو يعاني الحمى والسعال. وبعد الرحلة، تم تسجيل تسع إصابات جديدة مرتبطة بهذه الحالة.
ورغم أن انتقال الحصبة عبر الطيران يُعد نادرًا نسبيًا، فإن طول مدة الرحلة وارتفاع شدة العدوى لدى المصاب ساهما في نقل الفيروس. ويُذكر أن أربعة من المصابين كانوا ملقحين بالكامل، وأظهرت عليهم أعراض خفيفة، في حين نُقل ثلاثة غير ملقحين إلى المستشفى وتعافوا لاحقًا.
الحلقة الأضعف
الأطفال الرضع دون سن العام، الذين لم يبلغوا بعد العمر الموصى به للحصول على اللقاح، يظلون الفئة الأكثر هشاشة. وتوصي الإرشادات الصحية بإعطاء الجرعة الأولى من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية عند عمر 12 شهرًا، مع جرعة ثانية بين 4 و6 سنوات.
غير أنه في حالات التفشي أو السفر إلى مناطق موبوءة، يمكن إعطاء الرضع بين 6 و11 شهرًا جرعة إضافية مبكرة، دون مخاطر إضافية تُذكر. ويحذر أطباء الأطفال من أن الحصبة قد تكون شديدة الخطورة لدى من هم دون الخامسة، حيث سُجلت حالات التهاب دماغي لدى أطفال خلال موجة التفشي الأخيرة في ساوث كارولاينا.
عودة الحصبة إلى الواجهة تطرح تساؤلات جدية حول التردد في التطعيم وتأثيره على الصحة العامة. ويجمع الخبراء على أن المرض ليس "نزلة برد عابرة"، بل تهديد حقيقي قد ينتهي بدخول المستشفى أو بمضاعفات طويلة الأمد، ما يجعل الحفاظ على نسب تطعيم مرتفعة ضرورة لا خيارًا.