الحسين في دور فتى الإعلانات!

الحسين في دور فتى الإعلانات!

من احتفالات عاشوراء في طهران 2012 (Getty)

ربما كانوا مئات اﻵلاف، أكثر أو أقل؛ برأينا: البيوت خلت من ساكنيها، لج بشري من الشباب، ذوي اﻷقراط، حاملي الوشوم التي بعضها برمز الصليب "لا يعلمون دلالته حد زعمهم" عشرات اﻵلاف من الفتيات نصف سافرات، ببناطيل الجينز وأحيانًا الفيزون، عجائز وشيوخ، رجال منتصف العمر بشوارب كثة، يبدو أنهم عاطلون عن العمل، كنا آنذاك، بمدينة قزوين في إيران، قبل عامين من اليوم، نغوص في تلك اﻷمواج البشرية.

لقد احتاج ورثة الإمبراطورية الفارسية المهزومة للمذهب واﻷسطورة كي ينأوا بوجودهم الحضاري عن فحولة العرب

خرجت من مسكني بدعوة من زملائي اليمنيين لخوض التجربة، أما هم فقد خرجوا للمرح، كانوا يتندرون ويسخرون ويقهقهون في يوم حزن الإيرانيين، حدادًا على مقتل "أبي عبد الله".. انسلخت وصديق تذمر من استخفاف مجموعتنا، قال إنه حين يرى الفتيات الفاتنات وهن يبكين في هذه الذكرى، يستحي احترامًا ﻷنوثتهن الدامعة، أما أنا فكنت أتوق للمحاكاة، السيل البشري كان منظمًا على جوانب الشوارع المكتظة، في الوسط ثلاثة طوابير ﻷطفال بين السابعة والعاشرة، يضربون بسلاسل خفيفة "رمزيًا" ظهورهم، فيما يربت الرجال والنساء على صدورهم، أو على رؤوسهم أحيانًا، بين كل مائة متر وأخرى، فرقة موسيقية، أربعة ضاربي طبول، اﻷضخم في اﻷمام، اﻷكبر يتوسط الطبلين المتوسطين في صف تال، أمامهما ثلاثة عازفين، أوبوا وكمان ومزمار، وأمام العازفين عربة مكشوفة تحمل مولد الكهرباء ومكبرات الصوت الضخمة، الموسيقى فخمة وعميقة وطابعها شبيه بموسيقى موريس جار في فيلم "الرسالة" لمصطفى العقاد، كذلك رأس الموكب "الراية" الحديدية السوداء المزخرفة والضخمة، وعرضها بعرض الشارع، تحملها أعناق رجال ثلاثة، على سنامها ريش النعام، وأعلام خضراء مكتوب عليها نداء الاستغاثة الشهير "يا حسين".

في لحظات ذروة الميلودراما؛ وجدتني في دائرة اللاطمين اﻷكثر عنفًا، أرتفع زخمًا مع نشيد الرادود الباكي، وأقفز ﻷضرب بحركة فنية بديعة، وبعنف على صدري، وأنا أردد "يا أبا الفضل يا عباس".. تعجب صديقي الذي كان ينتمي ﻷسرة هاشمية من حماسي، حين عدنا؛ أخبرته أني منذ البداية خرجت بنية المحاكي لا المعتقد ﻷشارك في هذا الطقس.

لدى عودتي إلى المنزل، أدركت حاجة الإيرانيين لفولكلور ثقافي كهذا يحفظ وحدة شعورهم القومي، ويعضد أرومة الشعوب الإيرانية التي أصبحت أمة، لقد احتاج ورثة الإمبراطورية الفارسية المهزومة للمذهب واﻷسطورة وعلي والحسين كي ينأوا بوجودهم الحضاري عن فحولة العرب الذين أنهوا لغة الفرس ودينهم لحساب لغة العرب ودينهم، فوظفوا المذهب كـ"دين ضد الدين" كاستخدامي هذا العنوان للدكتور علي شريعتي، أما النية والدأب، فعلى مشروع قومي أصبح الحسين أحد أيقوناته الدعائية.

عند عودتي إلى صنعاء، فوجئت بصور الحسين النادر وجودها في شوارع طهران، حاضرة بكثافة في شوارع صنعاء مع هالة بيضاء لتمويه وجهه، "منذ متى كان الحسين قضية يمنية؟! على الأقل؛ ليس بهذه الميلودرامية الطارئة". في إحدى اللوحات، ثمة عبارة بجانب رسم للحسين وهو يتلقى السهام، يقسم بما معناه أنه ما خرج إلا طالبًا للحق؟! "هذه ليست نكتة، بل قاعدة تاريخية: في اليمن الفئة التي تخرج طلبًا للحق، تنهب حقك..!".

أثناء مشاهدتي للوحات وما تتضمنه من رسائل مفارقة للواقع والإرث، كنت أقرأ بين السطور أن الحوثيين وعصبيتهم الهاشمية في الشمال، بطابعها السلالي الذي يطغى على المذهبي، ولكونهم "ينتمون" للحسن وليس للحسين، إنما يريدون إحداث أثر لا واع للصورة والاسم والرسالة، فهم باستدعاء الحسين اسمًا وقضية ودلالة، إنما يستدعون مؤسّس حركتهم "حسين الحوثي" الذي قتل في تمرد العام 2004، أما الرسالة المبطنة فهي أن الولاية، أو الحق الإلهي في الحكم لنسل البطنيين "الحسن والحسين" إنما هو قضية اﻷمة جمعاء، والتي تدعوك اللوحات والخطب الدعائية، بصفة مباشرة وغير مباشرة، للقتال دفاعًا عن حق علي وابنيه وأحفادهما في الولاية، أو كما توصف في بعض مجالس اﻷسرار "اﻷمانة" التي وضعها الله في أعناقهم وحرم عليهم تركها.. كما لا يخفى أيضًا، التوظيف السياسي الخارجي للصورة والدعاية في طلب العطف من شركاء الشعار.

تختفي صورة الثائر الشاب، والفتى المغدور، لحساب نجم الميديا الجذاب، الذي يتم استخدامه كفتى إعلانات لمنتجات رديئة كالسلالية والطائفية

تحت فكرة كهذه، يمكن للحسين أن ينتحر ألف مرة دون أن يدخل يزيدًا في شأن مقتله، لقد ماعت القضية وأصبحت دعوة عصبية سلالية، "بعض الخبثاء قال إن الحسين كان يدعو للأمر ذاته". تزيد الميوعة، حين تجد بريق صورة الثائر الإنسان والشاب الذي قتل عطشان، في إيران، مفقودًا كلية في صنعاء. بصفة أحرى، لرمزية الحسين في إيران بعد ثقافي واجتماعي وطائفي/ قومي، وسياسي أيضًا، أما في صنعاء، فهي رمزية متصنعة لها بعد واحد: كهنوتي/ سلالي.

هنا تختفي صورة الثائر الشاب، والفتى المغدور، لحساب نجم الميديا الجذاب، الذي يتم استخدامه كفتى إعلانات لمنتجات رديئة كالسلالية والطائفية، وبتركيبة مزاجية بلا نظرية، وإلا ما معنى هتافات وشعارات تظاهرة الحوثيين في عاشوراء هذا العام بالانتقام والثأر من "اليزيديين" قتلة الحسين، فيما -وياللطرافة- أن المناطق التي قصفها الحوثيون في الجنوب وتعز، بها أسر هاشمية تنتمي إلى فرع الحسين بن علي، وليس الحسن الذي ينتسب إليه الحوثيون وعصبيتهم، وبإسهاب؛ في هذه الحرب ثمة أحفاد للحسين قتلوا على يد أحفاد الحسن الذين خرجوا طلبًا لثأر الحسين القديم من "اليزيديين"، وستضحك أكثر حين تعلم أن أسرًا يمنية تدعي نسبتها للأمويين، ولاعتبارات جهوية وقبلية، تناصر الحوثيين في حربهم هذه!

لقد كان الحسين ولا يزال برأيي، شابًا ثائرًا قتل مظلومًا، أما نواياه التي قتل عليها فلا أثق بها، إن دعوة نتنة كالتي يدمغ على ناصيتها اسم الحسين وصورته في الشوارع والمسيرات بصنعاء، أحق بالخزي والتبرؤ ممن يدعون انتماءهم نسبًا أو تشيعًا.. وحدهم حكماء فارس من يستحقون الإشادة بذكائهم الذي خدمهم وأضر العرب.. فبعكس دعاة الفتن عندنا، وظفوا هذه الرمزيات لوحدة مجتمعاتهم وصنع خصوصية ما لحماية أمتهم التي كادت تذوب في طوفان حضارة العرب.

اقرأ/ي للكاتب:

الحوثيون.. ورثَة السّخط التاريخي

رثاء متعثر بالضحايا