الحسكة التي في خاطري

الحسكة التي في خاطري

جندي في الجيش السوري الحر (Getty)

لطالما سئلت، من أين أنتَ؟ ولطالما ععلق الجواب في حلقي كالشوكة، فأنا من مدينة ليست مشهورة، وليس فيها بناء يتخطى الأربعة طوابق، إلا أنها تشبه وجهي وملامحي، أحفظها كما أحفظ خطوط كف يدي. ربما علي الآن أن أنسى خجلي وأقول: أنا من الحسكة شرق سوريا، أو ربما علي أن أرجع إليها. فمنذ ثلاث سنوات غادرتها بسبب الحرب، وأود لو أرجع إليها للسبب نفسه، لأنني منذ أن غادرتها أشعر بأن الحرب أصبحت في داخلي. منذ أن غادرتها، وهي المدينة المنقطعة عنها الكهرباء في ذاكرتي.

قديماً كانت تسمى: نهرين. تقع في شرق سوريا وتبعد 80 كم عن الحدود العراقية. إنها في قلب العالم الجريح. وصل عدد سكانها بحسب الإحصائيات للعام 2013 إلى أكثر من مليون. هذا الرقم الإجمالي يضم القرى والبلدات التابعة للمحافظة مثل القامشلي ورأس العين والشدادي وباقي القرى والبلدات. أما بالنسبة للمدينة وحدها، فقد وصل عدد سكانها الإجمالي إلى 180 ألفًا. منهم عرب وكرد وأشوريون وكلدان وسريان وأرمن ويزيديون.

قديمًا كانت الغالبية السكانية فيها من المسيحيين القادمين من الأراضي المحتلة في الشمال، بعدها استوطن العرب والبدو القادمون من القرى الشمالية للمدينة، ولاحقًا وفد إليها الكورد من نصيبين وجنوب تركيا، بالإضافة إلى مواطنين سوريين من مختلف المحافظات السورية. لو تم تقسيم المدينة بحسب الطوائف والإثنيات والأعراق ستكون المدينة من الجنوب للكرد ومن الغرب والشرق للعرب والبدو، ومن الجنوب الغربي للمسيحيين والكلدان، أما الآشوريون واليزيديون فمعظمهم يعيشون في قرى تبعد عن المدينة بضعة كيلومترات.

قد يتسنى لأي شخص أن يبحث في الإنترنت عن خريطة الحسكة، ولكنني أحتفظ بنسخة رسمتها بنفسي ليس بالحبر والورق وإنما في مخيلتي الصغيرة. من الغرب يقع حي النشوة والليلية يليهما السجن المركزي، ذلك السجن الكبير الذي يأخذ شكل كف اليد. لقد بناه جمال عبد الناصر في عهده ولا يزال منذ ذلك الزمن يحتفظ بسجنائه المظلومين وغير المظلومين إلى هذه اللحظة. أمام السجن، شارع الضفة الغربية، وفي جهته الخلفية تقع المدينة الرياضية، تلك المدرجات الضخمة والبناء المشيد بعناية، ولكنني لطالما رأيت المدرجات فارغة مع أن الفكرة تعجبني شخصيًا، إلا أن الأمر يثير الغرابة، لماذا ليس لدينا فريق كرة قدم؟ أو فرقة استعراضية مشهورة؟ أو على الأقل لماذا لا يتم استثمار هذا البناء الجميل في إقامة المسابقات والاحتفالات الشعبية؟ لدينا حرب.

بنى جمال عبد الناصر سجن الحسكة ولا يزال منذ ذلك الزمن يحتفظ بسجنائه المظلومين وغير المظلومين إلى هذه اللحظة

أجابني على هذه الأسئلة ذات يوم صديق قديم. قال لي مسعود: أنت تعيش في مدينة منسية، لا أحد يسمع عنها، يتذكرونها في القرن مرة واحدة ولقد بنوا المدينة الرياضية ليسكتونا فقط، تستطيع القول بأنهم أعطونا الغابة لنجمع الحطب ولم يعطونا الفأس.

إلى جانب المدينة الرياضية غربًا يقع مستشفى الأطفال وكلية التربية وكلية الآداب. للأمانة: كانت كلية الآداب من أكثر الدوائر الرسمية ازدهارًا، فقد تخرج منها الكثير من الطلبة المتفوقين على مستوى المحافظة بشكل خاص وسوريا بشكل عام، وزيادة على ذلك، جميع الطلبة فيها مرتاحون ولا يعانون ضغوطًا من الجهة الأمنية والسياسية. ربما لأن نظام البعث لا يعول كثيرًا على الأدب، لأنه يظن أنه لا يشكل خطورة كبيرة على تماسكه وبقائه، مع العلم أنه أيضًا حشر أنفه في الأدب، إذ إنك لا تكاد تفتح كتابًا سوريًا رسميًا مهما كان محتواه إلا شممت بين صفحاته رائحة البعث.

إقرأ/ي أيضًا:  سوريا.. وداع الدولة الوطنية

أما من الشرق، حيث يمر نهر الخابور، الذي يمر الآن في مخيلتي على غير اتجاهه المعتاد. وله اسم أيضًا غير اسمه الحقيقي، فقد صار اسمه في داخلي "النهر الحزين" حيث القصب الأخضر، ونعيق الضفادع وصوت الوروار ليلًا. وإلى جانب الخابور منطقة الفيلات الحمر، تلك المباني القرميدية المهجورة، التي لا يأوي إليها سوى العصافير والوطاويط، والأشباح إن وجدت.

إلى جانب الفيلات الحمر يقع شارع 60 الذي يفصل بين حي غويران الشرقي عن الفيلات الحمر، ويمتد إلى سوق الهال. سوق الهال عرس لا ينتهي، صياح البائعين رائحة الخضار والبهارات، العجائز والأطفال، الأشياء الرخيصة، والعمال المتعبون، رائحة الفلافل والبيض المسلوق، والسمك النهري الملقى على الأرصفة، المتسولون والباعة المتجولون والفلاحون القادمون من القرى.

إلى جانب سوق الهال، يقع سوق الحرامية، وحي المسيحيين وشارع الصاغة حيث محال الذهب والفضة والمجوهرات إلى جانب شارع الصاغة يقع مركز المدينة، الذي يضم جميع دوائر الرعب أنذاك، فهو يضم فرع الأمن السياسي والجنائي ومغفر المدينة المعروف والقصر العدلي والمحكمة الجنائية ومبنى القضاة والمحامين، ومنه يمتد الشارع العام الذي يقع فيه الجامع الكبير، وينتهي عند ساحة الرئيس تلك الساحة القديمة التي يتوسطها تمثال لحافظ الأسد رافعًا يده كأنه يقول: أنت لي أيتها المدينة!

ما زلت أذكر صديقي "شيخ" الذي كان يقول لي مرارًا أنه يشعر بأنه يدرس علوم بعثية لا سياسية

وكانت كلية العلوم السياسية تقع إلى جانب فرع الأمن السياسي، الأمر الذي لطالما كان يضحكنا أنا وزملائي، حيث النقيضان يتقابلان، جميع الطلبة كانوا شبه معزولين عن العالم الخارجي، وكان المنهاج الذي يدرسونه مسيسًا لدرجة لا يتصورها العقل. ما زلت أذكر صديقي "شيخ" الذي كان يقول لي مرارًا أنه يشعر بأنه يدرس علوم بعثية لا سياسية.

وكان يقول أيضًا إنه فقد العديد من رفاقه، بسبب تخطيهم بعض الإرشادات من الفرع المجاور (أي الأمن السياسي) وكان خطأهم الوحيد أن لديهم تساؤلات حول حرية التعليم بشكل عام والكلية بشكل خاص، لا أكثر. أما جنوبًا، فالغالبية كردية. يقع هناك حي العزيزية والصالحية والمستشفى الوطني، الذي يغص بالفقراء الذين لا يملكون المال ليعالجوا مرضاهم في المستشفيات الخاصة، وتقع هناك المدينة الصناعية، حيث يملك الأكراد أكثر المحال الصناعية فيها. وفي الشمال يقع حي المساكن، ودوار البانوراما الشهير الذي يوزع الطرق نحو محافظتي الرقة ودير الزور، ونحو القرى المجاورة.

البعث والتاريخ الأسود

في 17 نيسان/أبريل سنة 1946 خرج الاستعمار الفرنسي من سوريا بعدها عاشت الحسكة فترة طويلة تحت حكم شيوخ العشائر والإقطاعيين، واستمرت على ذلك إلى أن استلم الحكم حافظ الأسد. وصارت الحكسة مثلها مثل المحافظات السورية المجاورة لها. فمنذ العام 1971 وهي مسيرة بقوانين حزب البعث السوري الذي أسسه صلاح جديد وانقلب عليه حافظ الأسد. ومنذ تلك الأيام وهي تعيش حالة الطوارئ. قبل الحرب التي تعرفونها بكثير. إلا أنها المحافظة الوحيدة من بين 13 محافظة، كانت وما تزال تعاني من ظروف خاصة تثير التساؤلات، فهذه المحافظة على وجه الخصوص لم تحظ بأي اهتمام على الصعيد المعنوي والمادي الملموس، فبعد مرور أكثر من أربعين عامًا على حكم البعث، لم تؤسس فيها جريدة رسمية أو قناة تلفزيونية أو حتى إذاعة، ولم يتم تطويرها في المجالين التعليمي والصناعي، ولم يتم تجديد المباني الرسمية كالمستشفيات أو المدارس بشكل يليق بمحافظة، تخطى عدد سكانها مليون إنسان.

ربما كل هذه الظروف التي كانت تعانيها الحسكة كانت مدروسة، فالحسكة تعد المصدر الأول في سورية للبترول والزراعة، وهي ثالث محافظة من حيث المساحة وسادس محافظة من حيث السكان، وهذا ما جعل المسؤولين يتركونها على حالها، فمن الأفضل أن تظل برغم مساحتها وعدد سكانها الكبيرين، شبه قرية، فذلك يبقيها بعيدة عن أنظار الشعب السوري والمعنيين بحقوقه، حتى معالمها السياحية ظلت طوال العقود الأربعة المنصرمة، مهملة وأيضا مخفية عن الأنظار، ففي المحافظة حوالي 13 موقعًا أثريًّا يعود بعضها للألف الثالث قبل الميلاد. جميعها شبه مغلقة، ويمنع الدخول إليها لأي كان. تمارس هذه السياسة منذ 4 عقود. زرع الأسد الأب الخوف في النفوس، واستمر به الأسد الابن. ولكن الشعب انتفض.

الثورة.. لولا فسحة الأمل

منذ العام 1971 والحسكة مسيرة بقوانين حزب البعث السوري الذي أسسه صلاح جديد وانقلب عليه حافظ الأسد

منذ خمس سنوات تقريبًا، مطلع العام 2011 اندلعت الثورة في سوريا. بدأت شرارتها من درعا، والحسكة ما تزال على حالها تقريبًا. كان النظام في تلك الفترة يعول عليها كثيرًا، فهي مع الرقة آخر محافظتين اندلعت فيهما الانتفاضة. ولكن الحال تغير عندما نزح أهالي دير الزور بين العام 2013 و2014 وبدأت التظاهرات تخرج من المساجد والمدارس المليئة باللاجئين، وصار حي غويران الشرقي أيقونة الثورة في الحسكة.

عندها بدأ النظام بتغيير سلوكه تجاه المدينة، حيث نصبت الحواجز المدججة في كل مكان، مع تزايد إطلاق النار ضد المتضاهرين وحملة الاعتقالات الواسعة وفرض حصار كامل على غويران الشرقي. عندها تم تشكيل كتيبة في حي غويران تابعة للجيش الحر وظل الحي محاصرًا والاشتباكات تدور بين الحين والأخر بينهم وبين النظام. واستمر ذلك السيناريو طوال العام 2014. وفي تلك الأيام بدأ نفوذ الكرد يتسع في أراضي الحسكة، بعد أن تحالفت مع النظام، جميع فصائلهم هناك، مثل حزب الأسايش والـ بي كي كي، باستثناء الذين انتفضوا منذ بداية الثورة إثر مقتل رئيس تيار المستقبل الكردي مشعل تمو والذي كان بدوره في صفوف المعارضة، إلى أن تمت مصالحة بين عناصر الجيش الحر داخل الحي والنظام.

كانت المصالحة تنص على خروج جميع عناصر الجيش الحر من حي غويران، حيث جاءت تلك المصالحة نتيجة الضغوط التي كان يمارسها النظام، والأحزاب الكردية، على أهالي الحي.  كانت المدفعية تقصف الأهالي بشكل عشوائي بين الحين والأخر فضلًا عن القصف الجوي والبراميل المتفجرة التي كان يستخدمها النظام. التحالف الدولي الذي تم تشكيله لمحاربة تنظيم داعش حال دون سقوط الحسكة. ومع ذلك كله فالاشتباكات ما تزال مفتوحة والحسكة منذ أكثر من ثلاثة أعوام تنام على كابوس وتصحو على آخر.

إقرأ/ي أيضًا:  بحث عن يسار "إنسانيّ" في سوريا


"تنظيم الدولة" على أبواب الحسكة