الحركة الطلابية في السودان.. هروب من السياسة إلى العمل الأهلي

الحركة الطلابية في السودان.. هروب من السياسة إلى العمل الأهلي

تضاءل الدور السياسي للحركة الطلابية في السودان خلال السنوات الأخيرة (مروان علي/ EPA)

كانت اللحظة التي سقط فيها الطالب أحمد طه القرشي برصاص الشرطة السودانية في تشرين الأول/أكتوبر 1964، آذنة بغروب شمس حكومة الرئيس إبراهيم عبود، لتنطلق من جامعة الخرطوم أول ثورة في أفريقيا ضد حكم ديكتاتوري، ومنذها لم تتأخر الحركة الطلابية السودانية في دعم التغيير، وقيادة الجماهير، رفضًا أو دعمًا للتطورات السياسية.

منذ ثورة 1964 ولم تتأخر الحركة الطلابية السودانية في دعم التغيير وقيادة الجماهير رفضًا أو دعمًا للتطورات السياسية

بلا مواربة، يمكن القول إن جامعة الخرطوم تحديدًا، مثلت رأس الرمح في صناعة التحولات السياسية والاجتماعية ببلاد النيلين، وكان لها الدور الأعظم في ثورتي 1964 ونيسان/أبريل 1985، وانطلقت مساهماتها منذ أن كانت تسمى كلية غردون، لتعبر بالمشهد النقابي إلى مؤتمر الخريجين في العام 1938، والذي غرس نواة الاستقلال.

اقرأ/ي أيضًا: أكتوبر 1964.. حين فشلت ثورة السودان

لكن، وبالرغم من تلك الأحداث المفصلية، لم تعد الحركة الطلابية اليوم مثل ما كانت، وليس لديها القدرة على مواجهة الأنظمة الحاكمة، فهي بدرجة كبيرة محاصرة بأزماتها الداخلية، وبلا قيادة موحدة، وطلائع القوة السياسية فيها متهمة بإثارة العنف داخل الجامعات.

تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 1964، والمتظاهرون يرفعون صورة أحمد طه القرشي (مواقع التواصل الاجتماعي)
تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 1964، والمتظاهرون يرفعون صورة أحمد طه القرشي (مواقع التواصل الاجتماعي)

هنا تتفجر الأسئلة، اليوم وبعد أعوام أيضًا، وهي: هل تستطيع الحركة الطلابية أن تثور على الأوضاع الحالية، أو على الأقل تنطلق منها الشرارة الأولى للتغيير؟

عمليًا تصعب الإجابة بـ"نعم"، وذلك لعدة أسباب وهي: أن السلطات أصبحت تتعامل بحساسية مع الاحتجاجات الطلابية، ولا تسمح لها بالخروج والهتاف في الشوارع، كما أن الاتحاد العام للطلاب السودانيين تحت تصرف الحزب الحاكم، بعد كل عامين يُنتخب له رئيس موالٍ للسلطة، ولم تنجح القوى المعارضة في الصعود إلى مقعد اتحاد جامعة إلا مرتين، واحدة في جامعة الخرطوم عام 2007، والثانية في جامعة النيلين، تقريبًا قبل أكثر من عشرة أعوام، بعدها أصبح المؤتمر الوطني الحاكم مسيطرًا بالكامل على كل الجامعات.

محمد الفكي، وهو أحد أبرز كوادر الحزب الاتحادي الديمقراطي في جامعة الخرطوم، يعتقد أن الحركة الطلابية في السودان "مُسيّسة"، شأنها في ذلك شأن دول العالم الثالث، بتعبيره، مُشيرًا إلى أنّ أسباب ذلك متعلقة بتركيبة المجتمع نفسه، مُقتبسًا من عالم السياسي الأمريكي صامويل هنتنغتون، قوله: "في البلاد التي تكون نقابتها مسيسة، وجيوشها مسيسة؛ تكون حركتها الطلابية مسيسة". 

مع ذلك، يعود محمد الفكي ليؤكد لـ"ألترا صوت" أن الطلاب في السودان "صنعوا تغييرات كبرى، وهذا ليس حكرًا على المؤسسات الحديثة، وإنما قائد الثورة المهدية محمد أحمد المهدي تخرج من الخلاوى بطرحه لرؤى مختلفة في الدين والدنيا".

تاريخيًا، ترسخت أهمية دور الطلبة في التغيير، منذ عام 1936، عقب محاضرة أحمد خير المحامي في "ود مدني" وسط السودان، التي طالب فيها الخريجين بأداء دور في صناعة مستقبل بلادهم، ودعا لقيام مؤتمر عام للخريجيين سنويًا.

باتت الحركة الطلابية في السودان تدار من خارج أسوار الجامعة، من قبل "أحزاب ضعيفة ومخترقة أمنيًا"

ويضيف محمد الفكي: "لعب الطلاب أدوارًا مفصلية في كل تغيير بالسودان، وهم على الشق الآخر من مؤسسة القوات المسلحة، إذ إن أدواتهم في العمل مختلفة".

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. لماذا تخاف الحكومة من الطلاب؟

هذا وقد قاد طلاب المدارس والجامعات حركة التغيير في 1964 و1985، والاحتجاجات طوال فترة الديكتاتوريات التي امتدت لنحو نصف قرن ما بعد الاستقلال. وفي تقدير الناشط السياسي الطلابي محمد الفكي، فإن هذا الحراك الطلابي في السودان "لم يكن مجانيًا، بل تم بأثمان باهظة، وقائمة طويلة من الشهداء والمفصولين". تاريخ طويل من التضخيات قدمتها الحركة الطلابية في السودان، أجمله الشاعر السوداني الراحل محمد مفتاح الفيتوري في أبياته: "التقى جيل البطولات بجيل التضحيات. التقى كل شهيد قهر الظلم ومات، بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات".

من جانبه، يقدم عصمت محمود، الأستاذ بجامعة الخرطوم، رؤية تشريحية لما آلت إليه الحركة الطلابية، ويدفع بعوامل أدت إلى ما يسميه بالتضاؤل، منتقلًا بالحديث مع "ألترا صوت" إلى التغيير الحادث في بنية المشهد السياسي السوداني، بحضور لاعبين جدد، وغياب آخرين باعتبار ذلك غير منفصلٍ عن مجمل الأسباب.

وقال عصمت إن الحركة الطلابية في السودان، باتت تدار من خارج أسوار الجامعات، مُحددًا تلك الجهات المديرة من الخارج، بوصفها بـ"الأحزاب الضعيفة والمخترقة أمنيًا"، لكنه يعود ويعزو صوتها المخنوق نسبيًا، إلى القمع بواسطة نظام "يخلط الأمني بالإداري بالأكاديمي بالقضائي، بصورة غير مسبوقة، وفوق طاقة هؤلاء الأبناء"، على حد تعبيره.

معنى ذلك أنّ جهود الحركة الطلابية، التي كان له حضور فاعل في المشهد السياسي، هي أقرب إلى الأمجاد التاريخية، تتغنى بها القوة السياسية، بالرغم من أنه لا يكاد يوجد سياسي سوداني، رئيس حزب أو وزير أو معارض، إلا وتخلق في رحم الحركة الطلابية، وهذا يعني بالضبط أن المشهد السياسي الحالي برمته خرج من قلب الجامعة.

كان للحركة الطلابية في السودان حضورًا فاعلًا في المشهد السياسي (مواقع التواصل الاجتماعي)
كان للحركة الطلابية في السودان حضور فاعل في المشهد السياسي (مواقع التواصل الاجتماعي)

ولكن هذا لا يعني خفوت صوت الطلاب تجاه الأوضاع الراهنة، فقد خرجت الشهر الماضي احتجاجات المدارس في مدينة الجنينة غرب السودان، بسبب تردي الظروف المعيشية. ولقي طالب مصرعه، وأُصيب آخرون.

فيما بلغت الاحتجاجات ذروتها في جامعتي الخرطوم والجزيرة، لكنها لم تتمكن من الخروج إلى الشارع بسبب قمع الأجهزة الشرطية، واكتفت بالتنديد بالموازنة الاقتصادية.

الآن يبدي معظم الطلاب السودانيين زهدًا في العمل السياسي، موجهين طاقاتهم إلى النشاط التطوعي، مقتربين بذلك من هموم وآلام مجتمعهم

وإجمالًا، فقد أبدى معظم الطلاب في السودان، زهدًا في العمل السياسي، واتجهوا بكلياتهم إلى العمل التطوعي، يفرغون فيه جهدهم ووقتهم، مقتربين بذلك من هموم وآلام مجتمعهم. وقد شكّلوا بطريقة لافتة، النواة الحقيقية للمنظمات والمبادرات والجمعيات الخيرية في كل ولايات السودان تقريبًا، ما يعني بشكل واضح، أن العمل التطوعي قد سحب البساط من تحت أقدام النشاط السياسي في الجامعات، أو بالأحرى، غلق المجال العام، وتفريغ الحركة الطلابية من مضمونها، هو الذي أدى لذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأحزاب السودانية.. عنف جامعي أيضًا

"المركز العربي" يبحث في تاريخية الجامعات العربية