الحرب والمقدّس عند الشيعة في لبنان

الحرب والمقدّس عند الشيعة في لبنان

إحياء الشيعة في لبنان لذكرى كربلاء في عاشوراء (MEE)

من بين الأسئلة الأكثر تداولًا في لبنان الآن: "هل ستقع حرب بين حزب الله وإسرائيل؟". وتتعدد السيناريوهات وتكثر التحليلات حول إمكانيات كل من الطرفين لخوض الحرب. 

منذ عام 1975 لم يعش الشيعة في لبنان فترة من فترات السلم الصادق، بل إن كل فترات السلم إنما كانت تمهيدًا وتعبئة للحرب

ويبقى أن لكل طرف حساباته في هذا الإطار، ففيما يخص حزب الله، فتتركز أغلب السيناريوهات حول عوامل عدة، منها:

اقرأ/ي أيضًا: هل يجب "مواجهة" حزب الله؟

لم يترك حزب الله حليفًا عربيًا يمكن أن يغدق عليه بالمليارات بعد الحرب من أجل إعادة الإعمار، إضافة إلى شح في الأموال الإيرانية، وهو أمر متداول منذ أكثر سنة، ما أدى إلى أزمة مالية، خاصة بفعل العقوبات المتزايدة على مصادر تمويل الحزب، ودخول الحزب في حروب على عدة جبهات تحديدًا في سوريا.

لكن هل يمكن اعتبار اقتصاد حزب الله هو العامل الأكثر حسمًا في قضية عدم الانخراط في حرب مع إسرائيل؟ أم يجب البحث عن السبب الأساسي الذي يجعل من حزب الله قادرًا ومهيئًا للحرب بغض النظر عن العوامل المذكورة سابقًا؟

الحرب والمقدس

منذ عام 1975 لم يعش الشيعة فترة من فترات السلم الصادق، بل إن كل فترات السلم إنما كانت تمهيدًا وتعبئة للحرب، ربما بسبب الشعور المتكرر بأن هناك قضايا تمس مصيرهم الوجودي، أو لأن القيادة الدينية والسياسية لهم عملت على تغيير نمط الذهنية ومنظومة القيم، وخلقت مناخًا حربيًا مستمرًا ومتجذرًا لدى هذه الطائفة في لبنان، حتى تمت عسكرة هذا المجتمع. 

وأيضًا بفعل عوامل أخرى مثل انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتصديرها إلى الشيعة حول العالم، وطبعًا بفعل الوجود الإسرائيلي في المنطقة المحاذية للجنوب اللبناني.

أما اليوم، فقد تخرج بعض الأصوات المعترضة على الحرب، مستندة إلى عدة تبريرات، لكن لا تأثير لها عندما يعلو صوت الرصاص، فمن البديهي أن الجماعات تنغلق على بعضها أثناء الشدة والخطر الخارجي، وتبني نوعًا من الحصن المنيع القائم أساسًا على الخوف من الفناء، ومن الآخر الذي يحمل مشروع الهدم والفتك للجماعة.

فكيف إذا كانت هذه الجماعة تبني كل منظومتها القيمية على أساس المقدس كما هو حال الشيعة في لبنان، فيصبح بذلك ارتباط العنف بالمقدس له أحقية وشرعية بنظر أفراد هذه الجماعة.

وفي الآونة الخيرة انتشرت نقاشات على كافة الأصعدة حول احتمالية دخول حزب الله في حرب جديدة مع إسرائيل، ما يعني جرَ شيعة لبنان بغالبيتهم الساحقة إلى هذه الحرب، باعتبارها حرب الشيعة في المقام الأول.

وقيل إن الشيعة خائفون من الحرب، لكن هذا الاستنتاج ضعيف إذا ما رُجِعَ بالواقع، بل الاعتقاد ينحو صوب أن الشيعة في لبنان أكثر ميلًا للحرب، خاصة إذا علمنا أن أمزجة الشعوب يتم التلاعب بها وصياغتها من قبل الدعاية الإعلامية والسياسية على النحو الذي يصبح معه المزاج أكثر ميلًا لتأييد الحرب، ولنا أمثلة كثيرة في لبنان عن هذا الأمر، لا سيما في الحروب المتتالية التي خاضها حزب الله مع إسرائيل، وحصوله على التأييد الشعبي للشيعة في لبنان منذ عام 1992 إلى عام 1996 وصولًا إلى التحرير عام 2000، ثم ذروة العسكرة الشيعية في حرب تموز/يوليو 2006 وما تلاها من صدام أهلي في السابع من أيار/مايو 2008، وليس انتهاءً بالتدخل في الحرب السورية.

كل هذه التواريخ كانت تراكم مزيدًا من العنف وفائض القوة الضمني. وفي كل مرة كان حزب الله يضيف إلى رصيده العنفي عبر استغلاله للمقدس وزيادة انتشاره وفعاليته وكفاءته داخل الطائفة الشيعية، من خلال إحياء مناسبات ومراسيم وأعياد دينية جديدة، وعبر خلق ثقافة أحادية صلبة قائمة على التعصب والحق المطلق في وجه كل من يعارض مشروعه. وقد نجح هذا المشروع سياسيًا وشعبيًا وثقافيًا وعسكريًا.

وما قبل الحرب ليس كما بعدها، فالتحليل لا يمكن بناءه سلفًا، بل يعتمد على النتائج العسكرية النهائية من ربح أو خسارة أو هدنة.

وحتى الأوضاع الاجتماعية للشيعة في لبنان تُنسى، أو تُحيّد جانبًا حين تدق أجراس الحرب، فالحرب طاغية على ما عداها. وتبرز أقاويل بين الشيعة على شاكلة: "رجاءً يجب تحييد الكلام عن حزب الله في وسائل التواصل الاجتماعي كي لا تهتز صورته. وكل الاعتراضات يمكن طرحها ضمن البيت الداخلي للحزب".

ويعلق أحدهم بالقول: "لا يوجد شعب استشهادي، هذه دعاية فقط، فالشعوب تنفض يدها من المهزوم"، لكن كم ستكون تكلفة الهزيمة؟ كارثة على الشيعة في لبنان تحديدًا، إضافة إلى أن الهزيمة لاحقة للحرب، وليست تصورًا يمكن البت فيه قبل الحرب.

لذا فإن الحديث يجب أن يتطرق إلى الأسس التي بني عليها المجتمع الشيعي في لبنان منذ عام 1975 تدريجيًا وتصاعديًا حتى اليوم، والذي أثمر البيئة الحاضنة لـ"المقاومة"، أو بتعبير أدق، "المجتمع الحربي".

ومن هنا، لا يعود البحث مقتصرًا حول الحرب مع إسرائيل أو أي طرف آخر، ذلك أن الحرب قادمة حتمًا إذا ما استمر حزب الله في تعبئة الوجدان الشيعي وجره نحو العسكرة.

والحرب في أغلب الأحيان قد تكون مفاجأة. والتحديد بأنها يمكن أن تكون حرب محدودة، أمر لا يمكن التكهن به، ففي حين يمكن معرفة متى تبدأ الحرب أو كيف تبدأ، يصعب تحديد متى وكيف تنتهي.

كما أن إتساع الفروقات الطبقية عند الشيعة يؤدي إلى قابلية أكبر للحرب، فالفقر بإضافته إلى التعصب الديني، يشكل رافدًا جوهريًا للعسكرة الاجتماعية، ويُسهّل توجيه القهر الحاصل على الجماعة الشيعية إلى اعتبار الخارج مسؤولًا عنها مهما كانت الصفة المعطاة لهذا الخارج: عدو إرهابي، إمبريالية، رأسمالية، غطرسة أميركية، أو غيره.

وأما بخصوص أن حجم العائلة الشيعية قد تقلص، ففي حين كانت العائلات تتألف من حوالي 10 أفراد، أصبحت الآن بفعل عوامل عدة تقتصر على خمسة أفراد كمتوسط، ما يصعب عملية التضحية بالأولاد في الحرب!

لكنها حجة مردودة، خاصة حين يكون ارتباط العنف بالمقدس، فنجد أنه بعد حرب 2006، استغل الإعلام صور الأهالي في تقديمهم أطفالهم الوحيدين قرابين على مذبح حزب الله، بالقول "أولادنا فدا صرمايتك يا سيد حسن". وتم إبراز صورة فولاذية صلبة للآباء والأمهات لتثبيت "نبل القضية" التي يقاتلون لأجلها.

وبعيدًا عن كل التحليلات الطبقية للمجتمع الشيعي والتحليلات الاجتماعية، تبقى مسألة ارتباط العنف والمقدس في الوجدان الشيعي في لبنان، ظاهرةً لا يمكن القفز عليها، وهي طاغية على كل ما عداها من تحليلات.

ويمكن للمراقب يمكن أن يرصد حجم التغلغل العاشورائي وازدياده كل سنة في المجتمع الشيعي، خاصة إذا ما اعتبرنا أن عاشوراء هي طقس ديني يتم استغلاله سياسيًا من قبل حزب الله لتغذية العسكرية عند الشيعة، واستخدامها كوقود ثقافي للحروب.

لم تعد المسألة التفكير إن كان حزب الله سيخرج غالبًا أم مغلوبًا، فهذا الأمر يبقى طرحًا نظريًا يصعب تحديده. وفي كل الأحوال، هل يجب أصلًا إعطاء أهمية لذلك الطرح النظري في الوقت الذي نجد فيه أن مسألة الحاضر الشيعي بدلالاته وبراهينه وملاحظاته العينية، كلها تشير إلى تحول الشيعة من كونهم مجتمع مدني إلى كونهم جماعة مهمتها الأساسية الحرب؟

من الطبيعي أن معايير الهزيمة والانتصار مع إسرائيل لن تعني شيئًا، ذلك أن لائحة الحروب حول العالم التي يمكن أن يشارك بها حزب الله متعددة في المنطقة وحول العالم؛ فالمسألة تتعلق أساسًا بكيفية صرف حزب الله للطاقة الحربية المخزنة في الوجدان الشيعي في لبنان. ويكتب أحدهم: "ليس بالرصاص وحده يحيا الإنسان"، لكن هل يمكن لحزب الله أن يحيا دون الرصاص؟

يمكن رصد التغلغل العاشورائي وازدياده كل سنة في المجتمع الشيعي حيث يستغل حزب الله الطقس الديني لتغذية العسكرة عند الشيعة

طبعًا، هناك الكثير مما قد يخسره حزب الله بسبب الحصار والأزمة المالية، ولو أن الوصي الإيراني مرتاح للحرب، لكان أعطى الضوء للوكيل في لبنان للحرب، فالوصي الإيراني لا يكترث لكل ما سبق من عوامل اقتصادية واجتماعية لأن ميزانه للقياس ليس ميزانًا لبنانيًا صرفًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

25 آيار.. عيدٌ لبناني آخر لمقاومة ضلّت طريقها

إعادة إنتاج الكبت الجنسي.. حزب الله نموذجًا