الحرب في السودان.. نساء يروين قصص الاستعباد الجنسي وشراء الحرية بالفدية
3 يونيو 2026
كشفت شهادات مروعة لنساء سودانيات عن تصاعد جرائم العنف الجنسي والاختطاف خلال الحرب المستمرة في السودان، في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الانتهاكات الجنسية بأنها إحدى "أكثر السمات تحديدًا" للصراع الذي دخل عامه الرابع.
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" شهادات ثلاث نساء قلن إنهن تعرضن للاختطاف والاستعباد الجنسي على يد عناصر من قوات الدعم السريع، قبل أن يُجبرن على دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عنهن.
وقالت امرأة تبلغ من العمر 38 عامًا إنها تعرضت للتعذيب والاغتصاب الجماعي في قرية نائية غربي السودان، بعدما اختُطفت خلال فرارها من مدينة الفاشر في إقليم دارفور. وأضافت أنها أُجبرت على الاتصال بعائلتها وأصدقائها لطلب المال مقابل إطلاق سراحها، بينما كان أقاربها يستمعون عبر الهاتف إلى تعذيبها.
وأوضحت المرأة، التي تقيم حاليًا في الخرطوم، أنها احتفظت بصور لآثار التعذيب والإصابات التي تعرضت لها بعد إطلاق سراحها في أيلول/سبتمبر الماضي، أملاً في استخدامها يومًا ما كدليل لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
الأمم المتحدة: العنف الجنسي سمة أساسية للحرب
وقالت الأمم المتحدة إن الاعتداءات الجنسية ارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، مشيرة إلى أن العديد من النساء تعرضن للاستعباد الجنسي وأُجبرن على دفع فدى وصلت أحيانًا إلى 10 آلاف دولار مقابل الإفراج عنهن.
وأشارت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن جميع أطراف النزاع بارتكاب انتهاكات جنسية، لكنها أكدت أن غالبية الانتهاكات نُسبت إلى قوات الدعم السريع، خصوصًا في الخرطوم ودارفور وولاية الجزيرة، فيما أصبحت ولاية جنوب كردفان أيضًا بؤرة جديدة للعنف مع اتساع رقعة الحرب.
اختطاف على طريق الفاشر
وقالت المرأة البالغة من العمر 38 عامًا إنها كانت تغادر مدينة الفاشر برفقة أفراد من عائلتها في أيلول/سبتمبر الماضي، بعد أسابيع من اشتداد المعارك حول المدينة. وأضافت أن زوجها، الذي كان جنديًا، قُتل خلال الحرب، بينما أصيب شقيقها بجروح خطيرة بطلق ناري.
وأشارت إلى أن مقاتلين من قوات الدعم السريع نصبوا كمينًا لهم على الطريق، وفصلوا النساء والأطفال عن الرجال، ثم أجبروا الجميع على خلع ملابسهم أثناء تفتيش الرجال بحثًا عن علامات على أكتافهم قد تشير إلى حمل السلاح سابقًا.
وأضافت أن المقاتلين حاولوا قتل شقيقها، لكنها طلبت منهم أخذها بدلًا منه.
وقالت إنها تعرضت للضرب والتقييد قبل نقلها مع أربع نساء وفتيات أخريات إلى قرية مهجورة في الصحراء، حيث تُركن عاريات ومقيّدات وفي حالة جوع شديد.
وأكدت أن الرجال كانوا يدخلون بشكل متكرر لاختيار النساء اللواتي يريدون الاعتداء عليهن، قبل إعادة تقييدهن مجددًا بعد الاغتصاب.
وقالت المرأة: "كنت أفكر في إنهاء حياتي".
فدية مقابل الحرية
وأوضحت المرأة أن خاطفيها طلبوا نحو 1500 دولار مقابل إطلاق سراحها، وأجبروها على تحويل كل ما تملكه في حسابها البنكي، والذي لم يتجاوز 200 دولار.
وأضافت أنهم أرغموها على فتح حسابها على "فيسبوك" والتواصل مع أقاربها ومعارفها لطلب المال. وبعد أن دفع ابن عمها جزءًا من المبلغ، قالت إن المقاتلين عاودوا الاتصال به بينما كانوا يعذبونها ويضغطون بأداة معدنية على أظافرها لإجباره على إرسال المزيد.
وأكدت أن عمليات التعذيب والاعتداء الجنسي استمرت لساعات خلال المكالمات الهاتفية، قبل أن يقبل الخاطفون في النهاية بنحو 700 دولار مقابل الإفراج عنها.
وأشارت إلى أنها لا تزال تتساءل عن مصير النساء اللواتي لم يتمكنّ من دفع الفدية.
وقالت هالة الكارب، المديرة الإقليمية لمبادرة المرأة في القرن الأفريقي، إن النساء اللواتي يعجزن عن الدفع "يبقين محتجزات ثم يختفين في نهاية المطاف".
تصاعد ظاهرة الفدى خلال الحرب
وقال خبراء سودانيون إن قوات الدعم السريع مارست عمليات احتجاز مقابل الفدية قبل الحرب، إلا أن الظاهرة توسعت بشكل كبير منذ اندلاع النزاع.
ووفقًا لبيانات "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة"، وهو منظمة أميركية غير ربحية، ارتفعت حوادث طلب الفدية، بما فيها تلك المرتبطة باعتداءات جنسية، بنسبة تقارب 195 بالمئة منذ بداية الحرب وحتى أيار/مايو الماضي، مع اتهام مقاتلي الدعم السريع بالوقوف وراء غالبية الحوادث.
وروت امرأة ثانية، تبلغ من العمر 30 عامًا، أنها اختُطفت من أحد أسواق الخرطوم خلال سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة عام 2024، واحتُجزت لمدة أسبوعين مع نساء أخريات داخل كوخ، حيث أُجبرت على الطهي والتنظيف ورعاية المواشي، إضافة إلى اغتصابها بشكل يومي.
وقالت إن أحد أقاربها في الولايات المتحدة دفع نحو 1250 دولارًا مقابل الإفراج عنها، لكن الخاطفين رفضوا إطلاق سراحها، قبل أن يساعدها أحدهم سرًا على الهرب ليلًا.
كما تحدثت امرأة ثالثة عن اختطافها قرب مدينة الدلنج في جنوب كردفان، حيث احتُجزت تسعة أيام داخل مجمع سكني وتعرضت للاغتصاب والضرب قبل أن تدفع عائلتها فدية لإطلاق سراحها في أيلول/سبتمبر الماضي.
وقالت المرأة البالغة من العمر 38 عامًا إنها تعاني حتى اليوم من نزيف داخلي نتيجة ما تعرضت له، لكنها غير قادرة على تحمل تكاليف الجراحة.
وأضافت أنها وجدت بعض العزاء في مساعدة النساء والفتيات داخل مخيم النازحين الذي تقيم فيه، لكنها لا تزال تشعر بثقل الديون التي ترتبت على الأشخاص الذين ساعدوها في دفع الفدية، خاصة أن بعضهم قُتل لاحقًا خلال الحرب.
وقالت: "حتى الذين ماتوا، أريد أن أعيد المال إلى أطفالهم أو أتصدق به عنهم، حتى أشعر بالسلام".
نقص التمويل
ومن جهة أخرى، ذكرت ثريا كومي، مديرة منظمة "بيت المحبة" المحلية الداعمة للنساء، إن منظمتها لا تملك التمويل الكافي لتوفير العلاج الطبي والدعم النفسي اللازم للناجيات.
وأضافت أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوقفت العام الماضي تمويل صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي يقدم دعمًا للناجيات من العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، ما أدى إلى خفض أكثر من 370 مليون دولار من المنح المخصصة لأكثر من 25 دولة، بينها السودان.
في المقابل، تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن السودان لا يزال يتلقى أكثر من 220 مليون دولار من الولايات المتحدة هذا العام لتغطية احتياجات إنسانية أخرى.
تقرؤون المزيد في: في حوار مع "الترا سودان".. "السافنا" يكسر الصمت ويقول إن الحرب خارج سيطرة قيادة الدعم السريع