ultracheck
  1. قول

الحرب على إيران: هل سيغيّر النظام جلده؟

8 مارس 2026
طهران
إيراني يرفع لافتة ضد الولايات المتحدة في مظاهرة بالعاصمة طهران (Getty)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

بدأت الحرب على إيران بضربة مركزة استهدفت قيادات الصف الأول السياسية والعسكرية، بهدف إضعاف النظام وفتح الطريق أمام تغيير جذري. لكن المفارقة بدأت تظهر مع اتساع نطاق الضربات وتطور الصراع، إذ تكيف النظام مع الوضع الجديد، وبدأت بنيته الحقيقية تأخذ شكل العسكرة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن القيادات الإيرانية التي قُتلت في اليوم الأول من الهجوم الأميركي والإسرائيلي كانت من بين الأكثر ميلًا للتفاوض، في حين يبدو أن التيار العسكري المتشدد بات أكثر حضورًا في مراكز القرار، مع ميل واضح إلى دفع الحرب نحو مستويات تصعيدية أعلى.

التباين الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة

تظهر مفارقة أساسية بين إسرائيل والولايات المتحدة في مقاربة الحرب. فبينما تراهن إسرائيل على أن ضرب مركز إيران قد يؤدي إلى تغيير جذري في طبيعة النظام، تتبنى الولايات المتحدة موقفًا أكثر حذرًا، خشية أن يؤدي انهيار الدولة إلى فوضى إقليمية يصعب احتواؤها. هذا التباين يعكس اختلافًا عميقًا في الحسابات الاستراتيجية: إسرائيل ترى الحرب فرصة تاريخية لإضعاف خصمها الأكبر بعد سنوات من المواجهة غير المباشرة، في حين تهدف واشنطن إلى إبقاء الصراع ضمن حدود تمنع انفجارًا شاملًا.

إيران بين السياسة والعسكرة

اختارت إيران منذ البداية استراتيجية مختلفة، إذ لم تقتصر الردود على ضرب أهداف داخل إسرائيل فحسب، بل امتدت إلى دول الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز. ولم يكن الهدف تحقيق انتصار عسكري مباشر بقدر ما كان نقل كلفة الحرب إلى النظام الاقتصادي العالمي ككل، عبر توسيع نطاق التأثير ليشمل أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.

غير أن هذا المسار كشف في الوقت نفسه عن تباين واضح داخل بنية القرار الإيراني. فبينما سعى الجسم السياسي إلى احتواء التداعيات الإقليمية للحرب وتخفيف الضغوط على طهران، برز المسار العسكري أكثر ميلًا إلى توسيع نطاق المواجهة وفرض معادلات ردع جديدة. وقد تجلّى ذلك في اعتذار الرئيس مسعود بزشكيان لدول الجوار عن الهجمات، في وقت واصل فيه الشق العسكري توجيه ضربات جديدة، ما يعكس اختلافًا في تقدير الكلفة والمخاطر بين الطرفين.

ويعكس هذا التباين طبيعة النظام الإيراني نفسه، حيث لا تتركز السلطة في مؤسسة واحدة، بل تتوزع بين مؤسسات سياسية منتخبة نسبيًا من جهة، ومراكز قوة أمنية وعسكرية من جهة أخرى، وعلى رأسها الحرس الثوري. وفي أوقات الأزمات والحروب تميل الكفة غالبًا إلى مصلحة المؤسسات العسكرية، التي ترى في التصعيد وسيلة لحماية النظام وتعزيز موقعه التفاوضي.

وفي هذا السياق، يبدو أن الضربات الأولى التي استهدفت قيادات إيرانية كانت تميل إلى خيار التفاوض قد أسهمت في تعزيز نفوذ التيار الأكثر تشددًا داخل مؤسسات القرار، ما يفسر استمرار الضربات رغم الرسائل السياسية التي تحاول تهدئة التوتر مع دول الجوار.

مواقف القوى الكبرى

من جهة أخرى، تتابع القوى الكبرى تطورات الصراع بحذر، لكن من مواقع ومصالح مختلفة. فالصين تبدو الأكثر قلقًا، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج، ما يجعل أي اضطراب طويل في طرق الإمداد أو في مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا لأمنها الطاقي واستقرار اقتصادها. لذلك تميل بكين إلى الدفع نحو احتواء التصعيد والحفاظ على استقرار تدفقات النفط والغاز.

في المقابل، تبدو روسيا أقل قلقًا من تطورات الصراع، بل قد تستفيد نسبيًا من تداعياته الاقتصادية. فارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التوترات الإقليمية يعزز عائدات صادراتها الطاقية، كما أن انشغال الولايات المتحدة والغرب بأزمة جديدة في الشرق الأوسط قد يمنح موسكو هامش حركة أوسع في ملفات دولية أخرى.

السيناريو المرجح للنظام الإيراني

رغم حجم الضربات التي تلقتها إيران، يبقى انهيار النظام احتمالًا محدودًا في المدى المنظور. فالجمهورية الإسلامية لا تقوم على بنية سياسية مرتبطة بشخص واحد أو مؤسسة بعينها، بل على شبكة متداخلة من المؤسسات الدينية والأمنية والعسكرية التي تشكّلت وتطورت على مدى أكثر من أربعة عقود. هذه البنية المعقدة تمنح النظام قدرة عالية على امتصاص الصدمات وإعادة توزيع مراكز القوة داخله عند الضرورة.

كما أن الرهان على أن القصف الخارجي قد يدفع الإيرانيين سريعًا إلى الشوارع لإسقاط النظام بات محل شك، إذ تشير تجارب مشابهة في المنطقة إلى أن الحروب الخارجية غالبًا ما تدفع المجتمعات إلى الالتفاف حول الدولة بدلًا من تفككها، على الأقل في المراحل الأولى من الصراع.

وفي هذا السياق، تبدو النتيجة الأكثر ترجيحًا على المدى القريب هي مزيد من العسكرة وتعزيز دور الأجهزة الأمنية في إدارة الدولة، خصوصًا في ظل صعود تيار أكثر تشددًا داخل مراكز القرار بعد الضربات الأولى التي استهدفت قيادات بارزة. ومع مرور الوقت قد يتحول السؤال الحقيقي للحرب من إمكانية إسقاط النظام الإيراني إلى شكل النظام الذي سيخرج منها.

ففي مثل هذا السيناريو، لا تكون الحرب قد غيّرت النظام جذريًا، بقدر ما تدفعه إلى إعادة تشكيل نفسه في صورة أكثر صلابة وتشددًا، أي إلى نظام يغيّر جلده دون أن يفقد بنيته الأساسية.

كلمات مفتاحية
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ترامب ونتنياهو.. وجها مقص جيوسياسي

تشابه منطق الحرب والتوسع بين ترامب ونتنياهو، وكيف تتحول الجبهات إلى مسار دائم لإعادة رسم الخرائط

واشنطن

"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟

كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه

صورة تعبيرية

النظر إلى عقارب الساعة.. ما بين قرون طهران ودقائق واشنطن

لا تنظر إيران إلى المكاسب التكتيكية السريعة، بل إلى المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى، وذلك على العكس من الولايات المتحدة الأميركية التي تدير معاركها وفق الزمن السياسي

الاقتصاد الأميركي
مجتمع

تبعات الحرب.. ثقة المستهلك الأميركي تتراجع إلى مستويات تاريخية

في قراءة جاءت أسوأ من معظم توقعات الاقتصاديين، سجّلت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة تراجعًا حادًا إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق

المتحف القومي السوداني
فنون

من الركام إلى الفضاء الافتراضي.. المتحف القومي السوداني يُعاد إحياؤه

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها

الصين
أعمال

كيف حوّلت الصين أزمة الطاقة إلى فرصة في سوق السيارات؟

تسرع الحرب على إيران من وتيرة التحول نحو السيارات الكهربائية، وهو ما يمنح شركات السيارات الصينية فرصة تاريخية لتعزيز حضورها العالمي

واشنطن
قول

"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟

كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه