الحرب على إيران تُربك ميزانية المغرب.. حكومة أخنوش تصطدم بأسعار النفط في نهاية ولايتها
10 ابريل 2026
لم تكد الحكومة المغربية برئاسة عزيز أخنوش تقترب من نهاية ولايتها، وهي تراهن على فرضيات مالية متفائلة تَعِدُ بتخفيف الضغط على ميزانية الدولة، حتى باغتتها تداعيات الحرب على إيران، مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، التي أعادت خلط حساباتها المالية العمومية.
وأربك الارتفاع الحاد لأسعار الوقود توازنات الميزانية، خصوصًا مع اضطرار الحكومة إلى اتخاذ إجراءات استعجالية بتخصيص 648 مليون درهم شهريًا لدعم مهنيّي قطاع النقل، والحفاظ على ثمن غاز البوتان عند مستوى ما قبل الأزمة، ودعم تسعيرة الكهرباء.
وسرعان ما تحوّلت هذه التدخلات الحكومية، إلى عبء ثقيل على صندوق المقاصة، الذي يواجه استنزافًا متسارعًا في ظرفية مالية دقيقة، فيما كشفت التطورات، مرة أخرى، عن هشاشة بنيوية في الاقتصاد المغربي أمام صدمات الطاقة، خاصة في ظل استمرار التبعية شبه الكاملة للاستيراد.
التوتّرات تربك توازنات الميزانية
يرى المحلل المالي والاقتصادي، محمد جدري، أن قانون المالية لسنة 2026 بُني على مجموعة من الفرضيات المتفائلة، أبرزها تحقيق نمو في حدود 4.8%، وضبط التضخم عند 2%، وحصر عجز الميزانية في 3%، إلى جانب افتراض استقرار أسعار النفط في سقف لا يتجاوز 70 دولارا للبرميل.
لكن جدري، يؤكد في حديثه لـ"موقع الترا صوت"، أن هذه "الفرضيات تصطدم اليوم بواقع دولي متقلب يرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط، إذ أنه خلال الربع الأول من السنة، بدأت مؤشرات هذا الارتباك تظهر بوضوح، خصوصًا على مستوى الفاتورة الطاقية".
أربك الارتفاع الحاد لأسعار الوقود توازنات الميزانية، خصوصًا مع اضطرار الحكومة إلى اتخاذ إجراءات استعجالية بتخصيص 648 مليون درهم شهريًا لدعم مهنيّي قطاع النقل، والحفاظ على ثمن غاز البوتان عند مستوى ما قبل الأزمة
وأوضح المتحدث ذاته، أنه "بعدما أنهى المغرب سنة 2025 بكلفة طاقية في حدود 10 مليارات دولار، يلوح في الأفق شبح تكرار سيناريو 2022، حين تجاوزت هذه الفاتورة 16 مليار دولار. وهذا الفارق لن يمر دون كلفة، بل ستتحمله خزينة الدولة، وسيكون على حساب القدرة الشرائية للمواطنين".
ويلفت المحلل المالي والاقتصادي، إلى أن "كل هذه النفقات غير المتوقعة ستؤثر على توازنات الميزانية خلال ما تبقى من الولاية الحكومية، ما يعني احتمال تراجع نسبة النمو إلى أقل من 4%، وصعوبة الحفاظ على عجز الميزانية في حدود 3%، فضلًا عن ارتفاع متوقع في مؤشر المديونية، الذي كان يُراد له أن ينخفض إلى 67%؛ لأن الحكومة ستضطر للاستدانة لسدّ فجوة ارتفاع أسعار الطاقة".
تبعية طاقية تفاقم الهشاشة
يعتبر رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، أن جوهر الإشكال يكمن في التبعية الطاقية، خصوصًا أن المغرب الذي يستورد نحو 90 % في حاجياته الطاقية، يظل مكشوفًا بشكل شبه كامل أمام تقلبات الأسواق الدولية.
وقال الغنبوري في تصريحه لـ"موقع الترا صوت": إن "أي ارتفاع في أسعار النفط أو تكاليف الشحن ينعكس بشكل مباشر على المالية العمومية، وعلى كلفة الدعم، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين"، مبرزًا أن "هامش الضغط على الميزانية يرتفع، ومعه تزداد الحاجة إلى تعبئة موارد إضافة للحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية".
ويُحذّر تقرير حديث صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"، من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود خلال فترة الصراع إلى رفع كلفة دعم الطاقة إلى ما بين 20.9 و22.8 مليار درهم سنة 2026، وهو مستوى يفوق بكثير الاعتمادات المرصودة في قانون المالية والمحددة في 13.77 مليار درهم.
يقظة اقتصادية وسيادة طاقية
يذهب رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، إلى أن آثار هذه الأزمة لن تتوقف عند الميزانية، بل "تمتد إلى النسيج الإنتاجي وسلاسل الإمداد، حيث يؤدي اضطراب مسارات الشحن وارتفاع كلفة المدخلات إلى الضغط على قطاعات استراتيجية مثل السيارات، والطيران، والصناعات الغذائية الموجهة للتصدير".
وسجل الغنبوري في حديثه لـ"موقع الترا صوت"، أن الرهان لم يعد فقط في تدبير المقاصة أو امتصاص الصدمات الظرفية، بل في بناء قدرة وطنية على الصمود في وجه مثل هذه التقلبات الدولية.
في هذا السياق، يشدد الغنبوري، على خيار "الانتقال الطاقي باعتباره ضرورة استراتيجية لا تقبل التأجيل، من خلال تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، مع تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، وتنويع الشركاء ومسارات التوريد".
كما يطرح المصدر نفسه، أهمية "إرساء يقظة اقتصادية استباقية، قادرة على التفاعل مع التحولات الدولية، ليس فقط لتفادي الأزمات، بل لتحويلها إلى فرص لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر استقلالية".