الحرب على إيران تضغط على سوق الأسمدة في مصر.. من يدفع الثمن؟
11 ابريل 2026
قفزت أسعار الأسمدة في السوق المحلية المصرية بنسبة قاربت 30% منذ نيسان/أبريل الجاري، بحسب ما أكده رئيس جمعية موزعي الأسمدة في مصر محمد الخشن، مدفوعة بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، في واحد من أبرز الارتدادات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران..
وجاءت هذه الزيادة بعد قرار وزارة الصناعة رفع سعر الغاز المورد لمصانع الأسمدة بنحو 21%، ليصل إلى 8.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وذلك في ظل الصعود الحاد الذي شهدته أسعار النفط الخام عالميًا، بعدما تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل خلال الفترة الماضية.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، أن رفع سعر الغاز الموجه لمصانع الأسمدة يأتي ضمن حزمة من الإجراءات الحكومية المرتبطة بتنظيم سوق الطاقة ودعم استقرار المنظومة الإنتاجية، لكنه شدد، في المقابل، على التزام الدولة بتوفير نحو 37% من إنتاج الأسمدة للقطاع الزراعي عبر وزارة الزراعة بسعر محدد، مؤكدًا أن هذه الحصة ستظل ثابتة من حيث الكمية والسعر..
وبحسب بيانات وزارة الزراعة، تنتج مصر سنويًا نحو 17.9 مليون طن من الأسمدة، تتوزع بين 6.7 مليون طن من اليوريا و7.8 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة لهذا القطاع في دعم النشاط الزراعي والإنتاجي في البلاد.
ولا يمكن النظر إلى ارتفاع أسعار الأسمدة باعتباره مجرد إجراء اقتصادي محدود التأثير، إذ تمتد انعكاساته إلى قطاعات إنتاجية وحيوية تمس الحياة اليومية للملايين من المصريين، بداية من الفلاح المصري وتكلفة الزراعة وإنتاجية الأرض، مرورًا بالأمن الغذائي، وصولًا إلى الضغوط المتزايدة على جيب المواطن مع احتمالات صعود أسعار السلع الغذائية خلال الفترة المقبلة.
ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالميًا، وقرار الحكومة رفع سعره للمصانع محليًا، قد يدفعان إلى إعادة تشكيل خريطة الأسعار والتوزيع، على نحو يهدد بتوسيع الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الحر، ويضع المنظومة بأكملها أمام اختبار أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة
132 دولارًا زيادة في سعر الطن
بحسب رئيس جمعية موزعي الأسمدة، قفزت أسعار الأسمدة في السوق الحرة إلى نحو 30 ألف جنيه (566 دولارًا) للطن، مقابل 23 ألف جنيه فقط (433 دولارًا) في بداية الشهر الجاري، بزيادة بلغت 7 آلاف جنيه (132 دولارًا)، بما يعكس موجة صعود حادة تضرب أحد أهم مدخلات الإنتاج الزراعي في مصر.
ويُعزى هذا الارتفاع، في المقام الأول، إلى زيادة سعر الغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 55% من إجمالي تكلفة إنتاج الأسمدة، باعتباره المادة الخام الأكثر تأثيرًا في هذه الصناعة، إلى جانب عوامل أخرى لا تقل أهمية، من بينها اضطراب سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الطاقة على المستوى العالمي..
وتكمن المعضلة الأساسية هنا، وفق هذه القراءة، في أن الأزمة لا ترتبط بنقص المعروض أو اختفاء الأسمدة من السوق المحلية، بقدر ما ترتبط بارتفاع أسعارها إلى مستويات تضع الفلاح والدولة معًا تحت ضغط متزايد، فتوفر السلعة لا يلغي خطورة الأزمة إذا باتت كلفتها تفوق قدرة قطاعات واسعة من المزارعين على تحملها، أو أصبحت تمثل عبئًا إضافيًا على منظومة الدعم والإنتاج الزراعي ككل..
وفي الأصل، تلتزم مصانع الأسمدة بتوريد جزء من إنتاجها المدعوم إلى المزارعين عبر الجمعيات الزراعية بسعر يبلغ نحو 6 آلاف جنيه (113 دولارًا) للطن، مقابل ما تحصل عليه من دعم من وزارة الزراعة، فيما تعمل على تعويض الفجوة السعرية من خلال البيع في السوق الحرة والتصدير إلى الخارج.
غير أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالميًا، وقرار الحكومة رفع سعره للمصانع محليًا، قد يدفعان إلى إعادة تشكيل خريطة الأسعار والتوزيع، على نحو يهدد بتوسيع الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الحر، ويضع المنظومة بأكملها أمام اختبار أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.
الحرب السبب الرئيسي
أرجع النائب إسلام عمر الفيشاوي، عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ، الزيادة الأخيرة في أسعار الأسمدة داخل السوق المصرية إلى الاضطراب العنيف الذي أصاب أسواق الأسمدة العالمية بفعل أزمة الطاقة، وما ترتب عليها من ارتفاع مباشر في تكاليف الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما انعكس بدوره على أسعار الغذاء عالميًا في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعين يومًا.
وأوضح أن التطورات الجيوسياسية الراهنة إلى جانب تراجع أو توقف صادرات بعض الدول مثل الصين وقطر، مرشحة لإعادة رسم خريطة الطلب العالمي على الأسمدة، بما قد يفتح أمام المصانع المصرية فرصًا لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل وتعظيم العوائد، مستفيدة من التحولات الجارية في السوق الدولية.
أما على المستوى المحلي، فأشار الفيشاوي إلى أن الدولة تحركت لحماية السوق المصرية عبر إلزام الشركات بتوجيه 37% من الإنتاج إلى الفلاح المصري و10% إلى القطاع الخاص، مع الإبقاء في الوقت ذاته على قدرة الشركات على التصدير، الذي سجل نحو 2.2 مليار دولار خلال عام 2025.
واعتبر أن صناعة الأسمدة باتت محكومة اليوم بمنطق "البقاء للأسرع لا للأقوى"، مؤكدًا أن ما تتمتع به مصر من استقرار يمثل "رأس مال غير منظور" يعزز قدرتها التنافسية، لا سيما مع وصول إنتاج الأسمدة الأزوتية إلى نحو 7.5 مليون طن.
وشدد في الوقت ذاته على أن تنويع مصادر الطاقة لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة حاكمة لضمان استمرار الصناعة وتوفير السلع الأساسية، مختتمًا بالتأكيد على أن أسعار الأسمدة لن تعود، في الأمد القريب، إلى مستوياتها قبل ستة أشهر، في ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية وغياب أي ضمانات حقيقية لتهدئة قريبة في الأسواق.
تداعيات قاسية
لا يمكن النظر إلى الأسمدة باعتبارها مجرد مدخل رئيسي في العملية الزراعية فحسب، بل بوصفها متغيرًا حاكمًا تتفرع عنه سلسلة واسعة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة ملايين المصريين بصورة مباشرة.
من هذا المنطلق، استهلت الدكتورة عزة إسماعيل، أستاذ المحاصيل الزراعية بجامعة الفيوم، قراءتها للتحركات الأخيرة في أسعار الأسمدة، محذرة من أن المسألة رغم وضعيتها الاضطرارية تتجاوز حدود السوق الزراعية إلى دوائر أكثر اتساعًا تمس الإنتاج والمعيشة والأمن الغذائي معًا.
وترى إسماعيل، في حديثها لـ"الترا صوت"، أن "المزارع يظل الحلقة الأولى والأكثر هشاشة في مواجهة هذه الموجة من الزيادات، لا سيما من ينتمون إلى الشرائح المتوسطة أو الأقل قدرة على امتصاص ارتفاع كلفة الإنتاج".
فمع صعود أسعار الأسمدة، يجد المزارع نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مر، إما تقليص الكميات المستخدمة، بما ينعكس سلبًا على إنتاجية المحصول، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية النفقات، بما يؤدي في النهاية إلى تآكل هامش الربح الموسمي وتقليص العائد الذي تعتمد عليه الأسرة الزراعية في معيشتها.
ولا تتوقف التداعيات عند المزارع وحده، إذ قد يمتد أثر هذه الزيادات إلى المحصول نفسه من حيث الكمية والجودة، فالأسمدة تمثل عنصرًا محوريًا في الحفاظ على جودة الإنتاج الزراعي، وأي اتجاه نحو خفض الاستخدام أو الاستعانة ببدائل أقل جودة وأرخص ثمنًا قد ينعكس مباشرة على الناتج الزراعي، ليس فقط من حيث حجمه، وإنما أيضًا من حيث قيمته الغذائية وجودته النهائية، ومن هنا، فإن الأزمة لا تهدد معادلة الربح والخسارة في الحقل فقط، بل تمس أيضًا جودة الغذاء المتداول في السوق.
أما الحلقة الأوسع في هذا المسار، فتتمثل في انعكاس ارتفاع كلفة السماد على أسعار المنتجات الغذائية في السوق المحلية، فبحسب إسماعيل، من الطبيعي أن يُحمّل جزء معتبر من هذه الزيادة على السعر النهائي للمنتج، بما يعني أن المواطن والمستهلك سيكونان الطرف الذي يتحمل الكلفة في نهاية المطاف.
ووفق هذا المنطق، قد تمتد الموجة التضخمية بصورة غير مباشرة إلى أسعار اللحوم والألبان والدواجن، بحكم ارتباطها بكلفة الأعلاف والإنتاج الزراعي عمومًا.
وفي المحصلة، تحذر أستاذ الزراعة من أن هذه التداعيات مجتمعة تعني مزيدًا من الضغط على الأمن الغذائي المصري، وهو ملف شديد الحساسية لأي اضطراب في كلفة الإنتاج أو الاستيراد، وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الأسمدة لا ينبغي التعامل معه كمسألة قطاعية محدودة، بل كعامل ضاغط قد يترك أثرًا مباشرًا على توافر السلع الأساسية وأسعارها، وعلى قدرة ملايين المصريين على تأمين احتياجاتهم اليومية من الغذاء.
التقديرات المتداولة تشير إلى ارتفاع أسعار تصدير الأسمدة بنحو 90% خلال الشهر الأخير، بالتوازي مع تضاعف الطلب على المنتج المصري، بما يعكس تحسنًا واضحًا في فرصه داخل الأسواق الخارجية في لحظة يشهد فيها المعروض العالمي قدرًا كبيرًا من الاضطراب
فرصة جيدة للتصدير
على الجانب الآخر من المشهد، تبرز قراءة مختلفة ترى في الارتفاع العالمي لأسعار الأسمدة فرصة مواتية للمصانع المصرية لتعظيم عوائدها الربحية وتوسيع حضورها التصديري، في ظل الطفرة التي شهدتها الأسعار الدولية خلال الفترة الأخيرة.
فالتقديرات المتداولة تشير إلى ارتفاع أسعار تصدير الأسمدة بنحو 90% خلال الشهر الأخير، بالتوازي مع تضاعف الطلب على المنتج المصري، بما يعكس تحسنًا واضحًا في فرصه داخل الأسواق الخارجية في لحظة يشهد فيها المعروض العالمي قدرًا كبيرًا من الاضطراب.
وفي هذا السياق، يرى شريف الجبلي، رئيس مجموعة شركات "بولي سيرف للأسمدة والكيماويات"، أن مصر تمتلك فرصة كبيرة للاستفادة من هذه التحولات، خاصة مع اتجاه بعض الدول، وفي مقدمتها روسيا، إلى تقييد صادراتها تحت ضغط تداعيات الحرب، وهو ما يفتح المجال أمام المنتج المصري لاقتناص حصص جديدة في الأسواق الدولية.
أما محمد عامر، عضو غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات، فيلفت إلى أن السوق العالمي يتحرك في ظل حالة من الاضطراب المزدوج، بين ارتفاع الأسعار من جهة وندرة المعروض من جهة أخرى، بما قد يدعم استمرار التصدير حتى في حال تراجع بعض عناصر القدرة التنافسية.
لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن أي قرار بزيادة التصدير أو تقليصه سيظل مرهونًا أولًا باحتياجات السوق المحلية، وأن الحكومة قد تتجه، إذا ظهرت مؤشرات نقص في المعروض، إلى كبح الصادرات أو وقفها مؤقتًا، انطلاقًا من أولوية تأمين احتياجات القطاع الزراعي وحماية السوق الداخلي.