الحراك الطلابي في سوريا.. جحيم القمع السياسي في عهد الأسدين

الحراك الطلابي في سوريا.. جحيم القمع السياسي في عهد الأسدين

استخدم النظام السوري العنف الشديد في مواجهة الحراك الطلابي في بدايات الثورة (أ.ف.ب)

دخل الحراك الطلابي في سوريا سباتًا عميقًا على المستوى السياسي منذ استلام حافظ الأسد لمقاليد السلطة بانقلاب عسكري نفذه عام 1970، تحت مسمى بات رائجًا بـ"الحركة التصحيحية"، حيثُ كانت سوريا تشهد خلالها حراكًا سياسيًا يتصدّر مشهده طلاب الجامعات، الذين استثمروا نشاط الأحزاب السياسية على مختلف تنوّعاتها الأيديولوجية، قبل أن تندثر بعد حملات القمع التي نفذتها الأفرع الأمنية تحت حجة محاربة جماعة "الإخوان المسلمين"، وتهم متنوعة بذريعة النيل من هيبة الدولة، وإضعاف الشعور القومي، وغيرها من باقي أصناف التهم القومجية.

منذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم بانقلاب عسكري في 1970، والحراك الطلابي في سوريا دخل حالةً من السبات العميق

الحركة الطلابية في سوريا ما بين 1950 و2000

كان من الصعب إيجاد مرجع واحد يوثق للحراك الطلابي في سوريا منذ مرحلة الانتداب الفرنسي عام 1919، وبحسب أكثر من مصدر متطابق، فإن الحراك الطلابي خلال الانتداب الفرنسي شهد تنظيم الطلاب مظاهرات كثيفة ترفض تقسيم سوريا والانتداب الفرنسي، مطالبة باستقلال البلاد، إضافة لتأسيس المنتديات السياسية، وتلا ذلك اتخذ العمل السياسي منحى نضاليًا ارتبط بالهم القومي العربي، بالإضافة للقضية الفلسطينية التي كانت لا تزال حديثة العهد في منتصف الخمسينات.

اقرأ/ي أيضًا: أحلام الطلاب السوريين لم تتكسر بعد

ولغياب أي مرجع رسمي يحدد بدقة تاريخ تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، اعتمدنا على النسخة العربية من موقع ويكيبيديا، والتي ورد فيها أن أول مؤتمر طلابي عقد في اللاذقية في آذار/مارس 1950 برئاسة حافظ الأسد، بالإشارة لانعقاد مؤتمرات مماثلة في دمشق وحلب دون ورود أسماء، وأُعلن عن تأسيس الاتحاد رسميًا في الثامن من آذار/مارس 1963، وهو ذات التاريخ الذي مهد لاستلام الجيل الأول للبعثيين مقاليد السلطة في سوريا، بانقلاب عسكري على الحكم.

وبالنظر لمجمل المراجع التي تتحدث عن نشأة الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، أو الحراك الطلابي خلال تلك الحقبة، نجد أنها انحصرت في شخص الأسد الأب، وجرى نسبها لاحقًا للمرحلة التي أعقبت تولي حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في سوريا، وهو ما يعطي صورة عامة عن الحياة السياسية إن كانت للطلاب الجامعيين، أو لمنتسبي الأحزاب التي عمل الأسد الأب على قمعها.

وبحسب وثيقة إلكترونية متوفرة على محرك البحث غوغل، يرجع تاريخها للدورة العادية الثانية التي عقدها المجلس المركزي للاتحاد الوطني لطلبة سوريا في أيلول/ سبتمبر 2006، فإنها تُعرف الاتحاد بالتالي: "الاتحاد الوطني لطلبة سوريا منظمة شعبية جماهيرية تعمل على تنظيم الطلبة في الجامعات والمعاهد وما في حكمها وإعدادهم من أجل تحقيق أهداف شعبنا في الوحدة والحرية والاشتراكية"، وللاتحاد فرع في كل جامعة تتبعه هيئة إدارية عن كل كلية التي يتبعها لجان طلابية، وجميعها يشرف عليها أشخاص يكون لهم تواصل مباشر مع الأفرع الأمنية.

خلال فترة حكم حافظ الأسد، تعرّضت الحياة السياسية السورية لعملية وأد ممنهجة، حيثُ جرى ملاحقة كافة الطلاب المنتسبين للأحزاب السياسية، عن طريق فصلهم من الجامعات، ولاحقًا اعتقالهم بتهم سياسية جعلتهم يقضون سنوات من عمرهم داخل المعتقلات، وكان أبرز الطلاب الملاحَقين ينتمون إما لجماعة الإخوان المسلمين أوالأحزاب اليسارية التي رفضت الانضواء ضمن مكونات الجبهة الوطنية التقدمية التي أسسها الأسد الأب لتمييع العمل السياسي، ومنع أي صوت معارض من الصعود.

التطوير والتحديث.. عودة القمع للحراك الطلابي (2000 – 2011)

بعد استلام بشار الأسد للسلطة في الاستفتاء الذي تخلله تعديل مادة الدستور التي تحدد سن الرئيس، كونه لم يستوف هذا الشرط، جرى الترويج لما عُرف بـ"مسيرة التطوير والتحديث"، مُظهرًا محاولات خجولة موجهة للغرب تدل على انفتاح ديمقراطي في الحياة السياسية، والذي كان مخالفًا على أرض الواقع بمنعه تشكيل جمعيات سياسية، فضلًا عن استمرار عمليات الاعتقال التعسفي بحق المعارضين، وهو ما كان ينطبق على الحراك الطلابي أيضًا.

ولعل انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان/أبريل 2005، كان مثالًا واضحًا على عدم إمكانية القيام بأي تغيير سياسي على كافة المستويات، بعدما اتجهت الأفرع الأمنية لقمع أي صوت معارض للنظام السوري، بدأتها باعتقال عشرات الموقعين داخل سوريا على إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي، بنفس المنحى اتجهت لقمع الأصوات الطلابية التي حاولت أن تشكل منبرًا مستقلًا عم مؤسسات النظام الرسمية.

وبرزت خلال هذه الفترة تجربتين، الأولى جاءت احتجاجًا على المرسوم رقم 6، الذي ألغى أي ألتزام لمؤسسات النظام الرسمية بتوظيف خريجي كليات الهندسة، حيثُ عمد النظام لتفريق الاعتصامات التي نفذت في مبنى كلية الهندسة بجامعة حلب، وقام بعدها باعتقال مجموعة من الطلاب كانوا يخططون لتنفيذ اعتصامات في جامعة دمشق، حكم على اثنين من أصل 12 معتقلًا منهم، بالحبس ثلاث سنوات بتهمة "النيل من أهداف الثورة".

لم يسمح النظام الأسدي لأي محاولة لتنظيم حركة طلابية مُستقلة بعيدًا عن أدوات السلطة المتمثلة في كيانات تابعة لها

أما الثانية فكانت عن طريق مجموعة من الطلاب الجامعيين وحديثي التخرج، قاموا بتأسيس تجمع شمس الذي نشط أفراده حينها بالتدوين حول الشأن السياسي عبر المنتديات الإلكترونية، وهو الأمر الذي لم يعجب النظام السوري فعمد لاعتقال أعضاء التجمع خلال الفترة ما بين 2005 و2006، حيثُ حكم على معظمهم بالسجن خمسة أعوام في سجن صيدنايا العسكري سيئ السمعة، الذي وصفته منظمة العفو الدولية في تقرير سابق لها بـ"المسلخ البشري", وكان معتقلو المجموعة من المشاركين في استعصاء سجن صيدنايا الشهير الذي قمعه ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة بعنف أسفر عن مقتل وجرح العشرات حينها.

اقرأ/ي أيضًا: دكتاتورية قانون تنظيم الجامعات في سوريّا

الحراك الطلابي خلال احتجاجات الثورة

إذا اعتمدنا أن نهاية عام 2013 كانت نقطة التحول النهائية للثورة السورية من مرحلة الاحتجاجات السلمية للحراك العسكري المعلن، فإنه خلال الفترة ما بداية احتجاجات الثورة في 2011 وحتى 2013، نُظمت في مختلف الجامعات السورية اعتصامات متتالية تدعم الحراك السلمي الذي يطالب بتغيير النظام السوري، إلا أنها لم تستطع أن تستمر طويلًا بسبب اشتداد القبضة الأمنية، وتحول أعضاء الاتحاد الوطني لطلبة سوريا لأداة بيد الأفرع الأمنية تقمع أي نشاط احتجاجي.

وقام النظام السوري عبر الشبيحة، بتنفيذ عمليات اقتحام دائمة لمباني السكن الجامعي لاعتقال الطلاب المشاركين في المظاهرات السلمية، أو أعضاء التنسيقيات الذين كانت غالبيتها من طلاب الجامعات. ويظهر أحد المقاطع التي توثق مثل هذه العمليات، استخدام عناصر النظام للرصاص الحي خلال اقتحامهم للسكن الطلابي في جامعة حلب.

وعلى الرغم من تأسيس الطلاب المعارضين للنظام السوري، كيانًا عرف باسم اتحاد طلبة سوريا الأحرار، لم يستطع تنظيم اعتصامات لفترات زمنية طويلة داخل الجامعات السورية، حيثُ كانت الوقفات المعارضة للنظام تتعرض للقمع بشكل سريع من قبل أجهزة الأمن ومن قبل الطلاب الموالين للنظام السوري الذي منحهم حرية التحرك لمهاجمة أي حراك سياسي معارض.

التضييق الأمني، وملاحقة أجهزة الأمن للطلاب المنخرطين في الاحتجاجات السلمية، دفع بالحراك الطلابي لابتكار وسائل بديلة للاحتجاج على قمع اعتصاماتهم، كان من بينها توزيع المناشير السرية التي تحرض على التظاهر ضد النظام السوري، ونشاط "سبيكرات الحرية" التي كانت تصدخ بالأغاني التي تحرض على التظاهر ضد النظام، وتطالب الأسد بالتنحي.

 

 

مع بداية احتجاجات الثورة السورية، شهدت الجامعات حراكًا طلابيًا دعمًا للثورة، لم يستمر طويلًا بسبب القمع الشديد الذي تعرض له

وبالنظر لما سبق من سرد سريع لمسار الحراك الطلابي في سوريا، فإنه منذ تولي حافظ الأسد لمقاليد السلطة عبر انقلاب 1970، جرى وأد أي حراك سياسي لطلبة الجامعات، وتمكن النظام من فرض هيمنته عبر الهيئة التدريسية أو الاتحاد الوطني على كافة مفاصل الحياة السياسية، والتي استطاع خلالها أن يبسط قبضته على كافة مقاليد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، خلال ما يقرب نصف قرن، بالاشتراك مع الأسد الابن الذي جرى توريثه للسلطة عبر الدائرة الضيقة التي كان يعتمد عليها الأسد الأب في حكمه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

طلاب سوريا.. إلى العسكرية در أو ادفع

طلبة سوريا مدعوون للثورة من جديد