الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة
7 سبتمبر 2026
حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة من أن تزايد حرائق الغابات وموجات الحر الشديدة، المدفوعة جزئيًا بتغير المناخ، يهدد بإعاقة الجهود العالمية لتحسين جودة الهواء وحماية صحة الإنسان، في وقت باتت فيه الحرائق مصدرًا متناميًا للتلوث حتى في المناطق التي نجحت في خفض انبعاثات الصناعة ووسائل النقل.
ونقلت "رويترز" عن المنظمة، في تقريرها السنوي بشأن جودة الهواء والمناخ، أن العلاقة بين تلوث الهواء وتغير المناخ وثيقة إلى درجة تجعل التعامل مع كل منهما بصورة منفصلة أقل فاعلية، داعية إلى سياسات منسقة تعالج القضيتين معًا.
ويأتي التحذير في وقت شهد فيه عام 2026 موجات حر وحرائق مدمرة في مناطق مختلفة من العالم، ولا سيما في أوروبا، حيث تعرضت دول مثل إسبانيا وفرنسا واليونان لحرائق واسعة بالتزامن مع درجات حرارة مرتفعة وجفاف شديد.
الحرائق.. مصدر متزايد للتلوث
لطالما ركزت سياسات مكافحة تلوث الهواء على المصادر التقليدية، مثل المصانع والسيارات ومحطات الطاقة. وأسهم تشديد القواعد البيئية في عدد من الدول المتقدمة في تقليص هذه الانبعاثات. لكن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تشير إلى أن هذا التقدم يواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في الدخان الناتج عن حرائق الغابات.
حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل
وقال لورينزو لابرادور، المسؤول العلمي في المنظمة، لرويترز إن منطقة ما قد تتمتع بمستويات منخفضة نسبيًا من التلوث، لكن وصول دخان الحرائق إليها يمكن أن يؤدي إلى تدهور جودة الهواء بصورة كبيرة.
وتكتسب هذه المشكلة أهمية خاصة لأن دخان الحرائق لا يبقى بالضرورة في المنطقة التي اندلع فيها الحريق، بل يمكن أن ينتقل لمسافات طويلة بفعل الرياح، ما يجعل المجتمعات البعيدة عن مناطق الحرائق معرضة أيضًا لمستويات مرتفعة من الملوثات.
الخطر الأكثر إثارة للقلق
من أبرز الملوثات التي يسلط التقرير الضوء عليها الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5، وهي جسيمات صغيرة للغاية يمكن أن تتغلغل عميقًا في الجهاز التنفسي وتصل إلى مناطق حساسة من الرئتين. وترتبط هذه الجسيمات بمخاطر صحية خطيرة، من بينها أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.
وأظهرت بيانات المنظمة أن تركيزات PM2.5 خلال عام 2025 تجاوزت متوسطها طويل الأجل في شمال كندا وأجزاء من روسيا وغرب ووسط أفريقيا، نتيجة ارتفاع نشاط الحرائق. كما سجل شمال غربي إسبانيا مستويات مرتفعة عقب حرائق استثنائية اندلعت في أواخر الصيف.
وتزداد خطورة دخان الحرائق مقارنة ببعض مصادر التلوث التقليدية بسبب تركيبته المعقدة؛ فالحرائق لا تحرق الأشجار والنباتات فقط، وإنما يمكن أن تلتهم المباني والسيارات ومواد صناعية مختلفة، ما يضيف مواد كيميائية ومعادن وبلاستيك ومواد بيولوجية إلى الدخان.
موجات الحر تغذي الحرائق
لا تنظر المنظمة إلى الحرائق باعتبارها مشكلة منفصلة عن ارتفاع درجات الحرارة، فارتفاع الحرارة يؤدي إلى تجفيف التربة والنباتات، ما يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة لاشتعال الحرائق وانتشارها بسرعة، في حين تؤدي موجات الحر الطويلة إلى إطالة الفترة التي تبقى خلالها النباتات والغطاء الأرضي شديدي الجفاف.
وكانت المنظمة قد حذرت من أن موجات الحر أصبحت أكثر تكرارًا وشدة واستمرارًا، مع اتساع رقعتها نتيجة ارتفاع حرارة الكوكب. وفي أوروبا، ساهمت مجموعة من العوامل في الظروف المناخية القاسية هذا الصيف، بينها ارتفاع حرارة البحار والتربة الجافة واستمرار أنظمة الضغط الجوي المرتفع التي تحبس الهواء الساخن فوق مساحات واسعة.
وهذا يعني أن العلاقة بين الحرارة والحرائق قد تتحول إلى حلقة متفاقمة، فارتفاع الحرارة يجفف البيئة، والجفاف يزيد خطر الحرائق، والحرائق تطلق مزيدًا من الملوثات والغازات، بينما يؤدي تغير المناخ بدوره إلى تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لموجات الحر والحرائق.
ارتفاع مقلق في دخان الحرائق
وتشير دراسة أوردها تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن أحداث الدخان الناجمة عن الحرائق الشديدة تضاعفت بشكل كبير خلال العقود الماضية، إذ أصبحت هذه الأحداث أكثر تكرارًا بنحو ثلاثة أمثال مقارنة بما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي. وتقدر الدراسة أن هذه الزيادة ربما أسهمت في نحو 100 ألف وفاة إضافية سنويًا خلال الفترة بين 2010 و2018.
ولا تكمن المشكلة في حجم الحرائق وحده، بل في طبيعتها وشدة احتراقها. فالنيران الأكثر حرارة وشدة تنتج كميات كبيرة من الجسيمات والمواد الكيميائية التي يمكن أن تبقى في الغلاف الجوي وتنتقل إلى مناطق بعيدة.
وفي تموز/يوليو، أظهرت بيانات أوروبية أن حرائق في فرنسا وإسبانيا تسببت بالفعل في ارتفاعات حادة في مستويات PM2.5، مع وصول التركيزات في بعض المدن إلى مستويات شديدة الخطورة.
خطر لا يقتصر على الرئتين
يحذر الخبراء من أن تأثير دخان الحرائق لا يتوقف عند تهيج الجهاز التنفسي. فاستنشاق الجسيمات الدقيقة والمواد السامة الموجودة في الدخان يمكن أن يسبب التهابات في أنحاء الجسم، ويرتبط بمضاعفات رئوية وأمراض القلب والأوعية الدموية. وتزداد المخاطر عندما يتعرض السكان للدخان على مدى عدة أيام، خصوصًا في المناطق التي تشهد حرائق واسعة النطاق أو تتعرض بصورة متكررة لموجات الدخان.
وهذا يضيف عبئًا جديدًا على أنظمة الصحة العامة، التي تواجه أصلًا ارتفاع المخاطر المرتبطة بموجات الحر نفسها، بما في ذلك الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
ملوثات لا تزال خارج نطاق الرصد الكافي
ولا يقتصر تحذير المنظمة على PM2.5 والأوزون القريب من سطح الأرض، إذ دعت أيضًا إلى تحسين مراقبة ملوثات وهباءات جوية أخرى، من بينها الكربون الأسود والجسيمات البلاستيكية الدقيقة. وترى المنظمة أن هذه المواد منتشرة في الغلاف الجوي، لكنها لا تخضع للمراقبة بالمستوى الكافي، ما يحد من قدرة العلماء والسلطات على تقييم آثارها بصورة دقيقة.
ويمثل تحسين أنظمة الرصد خطوة أساسية، خصوصًا مع اتساع نطاق انتقال دخان الحرائق. فالمعلومات السريعة حول اتجاه الدخان وتركيز الملوثات يمكن أن تساعد السلطات على إصدار تحذيرات صحية واتخاذ إجراءات لحماية السكان.
أزمة مناخية تعقد مكافحة التلوث
المفارقة الأساسية التي يطرحها التقرير هي أن الدول قد تنجح في خفض التلوث الناتج عن الصناعة والنقل، لكنها قد تجد نفسها أمام مصدر آخر يصعب التحكم فيه بالوسائل التقليدية. فالحرائق مرتبطة بعوامل مناخية وطبيعية، لكن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف يجعل الظروف التي تؤدي إلى الحرائق الشديدة أكثر احتمالًا، بحسب المنظمة وخبراء المناخ.
وفي أوروبا، التهمت الحرائق خلال صيف 2026 مساحات واسعة في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا واليونان، فيما شهدت القارة أيضًا انخفاضًا قياسيًا في مستويات عدد من الأنهار وارتفاعًا شديدًا في درجات الحرارة.
كما أن الحرائق لا تضر بجودة الهواء فقط، بل تعرقل جهود مكافحة تغير المناخ نفسها، إذ تطلق الأشجار والنباتات المحترقة كميات من ثاني أكسيد الكربون كانت مخزنة في الغابات.
خسائر تتجاوز البيئة
ولا تتوقف آثار الحرائق عند الصحة والبيئة، إذ تتزايد تكلفتها الاقتصادية أيضًا، فقد أظهرت تقديرات أوردتها رويترز في وقت سابق من العام أن خسائر الحرائق المؤمن عليها عالميًا بلغت نحو 42 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بمتوسط سنوي يقارب 4 مليارات دولار خلال الفترة 2000-2024.
ويعني ذلك أن الحرائق باتت مشكلة اقتصادية وأمنية وصحية إلى جانب كونها قضية بيئية، مع ارتفاع تكاليف مكافحة النيران وإعادة بناء المناطق المتضررة وتعويض الخسائر في المنازل والبنية التحتية والزراعة.
دعوة إلى سياسات موحدة
وترى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن مواجهة المشكلة تتطلب تجاوز الفصل التقليدي بين سياسات المناخ وسياسات جودة الهواء. فخفض انبعاثات غازات الدفيئة يمكن أن يساعد على الحد من تفاقم الاحترار على المدى الطويل، بينما يتطلب التعامل مع الآثار الحالية الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة جودة الهواء، وإدارة الغابات والغطاء النباتي، ورفع قدرة المدن والمجتمعات على التعامل مع موجات الدخان والحرارة.
وتتزامن هذه الدعوة مع تحذيرات أممية أخرى من أن العالم يقترب من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يزيد من حدة الظواهر المناخية المتطرفة ويضاعف الضغوط على النظم البيئية والمجتمعات.