الحد الأدنى للأجور.. القليل الذي لا يتوفر لكل المصريين
30 يوليو 2025
في شباط/فبراير 2025 أقر المجلس القومي للأجور في مصر رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع الخاص إلى 7000 جنيه (142 دولارا) ليتساوى مع العاملين في القطاع العام، على أن يدخل حيز التنفيذ في الشهر التالي مباشرة، وكانت هي الزيادة السابعة في الأجور خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.
صاحب هذا القرار احتفاء إعلامي واسع النطاق، فيما اعتبره البعض خطوة لا تتناسب مطلقًا مع معدلات التضخم التي تسير بمعدلات جنونية، لتأكل كل زيادة مقررة في الرواتب والأجور، وتستمر معها معاناة متوسطي ومحدودي الدخل في مفرمة الحياة بكل همومها وضغوطها التي أفسدت عليهم حياتهم وحولتها إلى جحيم لا يٌطاق.
ويٌعرف الحد الأدنى للأجور بأنه الأجر الذي يكفي لأن يعيش المواطن في مستوى معيشي مقبول ومتوسط، فهو أقل مبلغ ممكن لتحقيق تلك المعادلة، ومع ذلك فهو أقل بكثير من التقديرات التي طرحها البعض بشأن المبلغ المطلوب لضمان حياة متوسطة للأسرة في مصر، والتي حٌددت بنحو 12500 جنيهًا كحد أدنى شهريًا للأسرة المكونة من أربعة أفراد.
يٌعرف الحد الأدنى للأجور بأنه الأجر الذي يكفي لأن يعيش المواطن في مستوى معيشي مقبول ومتوسط
ورغم أن الحد الأدنى للأجور لا يلبّي احتياجات الأسر المصرية المتوسطة، فإنّ الشريحة التي تتقاضى هذا الحد الأدنى لا تمثّل غالبية المصريين. فهناك ملايين من المواطنين لا يشملهم القرار أصلًا، ما يعكس غياب العدالة في توزيع الدخل، ويُبرز في الوقت ذاته تدنّي الأوضاع المعيشية لشريحة واسعة من الشعب المصري، الأمر الذي يزجّ سنويًا بمئات الآلاف في دائرة الفقر والعوز، على الرغم من الجهود التي تبذلها الدولة لاحتواء هذه الأزمة.
تآكل القيمة الشرائية
تُقاس الأجور بقيمتها الشرائية لا بقيمتها النقدية، وعليه فإن الاعتماد على الأرقام الكبيرة باعتبارها مؤشرًا على رخاء معيشة المصريين يُعدّ مقياسًا مضللاً وغير موضوعي، بل ويتناقض أحيانًا مع الواقع الفعلي بشكل لافت. فعندما ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 7000 جنيه، هلّل البعض متوهمين أنهم بذلك قد ودّعوا الفقر والعوز إلى غير رجعة.
غير أن الأزمة تتضح عند تتبع مسار تطور الحد الأدنى للأجور مقارنة بمعدلات التضخم وانهيار قيمة العملة المحلية (الجنيه). فمثلًا، في عام 2014 كان الحد الأدنى 1200 جنيه، بينما بلغ اليوم 7000 جنيه؛ أي أنه ارتفع خلال 10 أعوام أكثر من خمسة أضعاف.
لكن عند قياس هذا الرقم بقيمته الشرائية، تتكشف الفجوة الحقيقية؛ إذ كان مبلغ 1200 جنيه في 2014 يعادل نحو 170 دولارًا، بينما تعادل الـ7000 جنيه حاليًا نحو 142 دولارًا فقط، أي أن القدرة الشرائية الفعلية للأجور اليوم أقل مما كانت عليه قبل أحد عشر عامًا.
وقد بلغت معدلات التضخم السنوية نحو 23.95% مطلع هذا العام، وهو رقم مرتفع يُلقي بظلاله على حياة المواطنين اليومية. فعلى سبيل المثال، ارتفع إيجار الوحدة السكنية من 900 جنيه في 2014 إلى ما يزيد عن 7000 جنيه اليوم، وارتفع سعر كيلو السكر من 6 جنيهات إلى 35 جنيهًا، ولتر الزيت من 20 جنيهًا إلى نحو 70 جنيهًا، فضلًا عن ارتفاع أسعار سائر السلع والخدمات الأساسية.
كل ذلك أدى إلى تآكل أي زيادات في الأجور، ليصبح الحد الأدنى — رغم ارتفاعه العددي — عاجزًا عن تلبية الحد الأدنى للاحتياجات المعيشية. وهو ما ينعكس سلبًا على الأمن والاستقرار المجتمعي، ويُضعف من تماسك البنية الاجتماعية، ويهدد قدرتها على الصمود في مواجهة التحديات المتصاعدة.
المحرومون الحد الأدنى
ليس كل العاملين في الدولة المصرية يستفيدون من الحد الأدنى للأجور، إذ يقتصر تطبيقه على العاملين في القطاع العام الحكومي، الذين يُقدّر عددهم بنحو 5 إلى 6 ملايين موظف، إلى جانب 11 مليونًا من العاملين في القطاع الخاص، من أصل ما يقرب من 30 مليون مصري يشكّلون إجمالي قوة العمل في البلاد.
وفي المقابل، يوجد أكثر من 13 مليون عامل يُصنّفون ضمن "العمالة الموسمية غير المنتظمة"، وهي فئة لا ترتبط بعقود عمل ولا ينطبق عليها قانون العمل، وبالتالي تُستثنى بطبيعة الحال من أي قرارات تتعلق بحقوق العمال من أجور ورواتب وعلاوات وإجازات وغيرها. وتُعرف هذه الفئة بكونها ذات طبيعة عمل غير مستقرة أو دورية، وتفتقر إلى أي غطاء تأميني أو حماية اجتماعية.
وهؤلاء محرومون بطبيعتهم من الحد الأدنى للأجور، إذ يعملون بأجر يومي غير ثابت يحدده صاحب العمل من دون أي رقابة أو مراجعة من الجهات المختصة بحقوق العمال، ويتراوح عادةً بين 100 و250 جنيهًا يوميًا (ما يعادل 2 إلى 5 دولارات). وينضم إليهم شرائح اجتماعية أخرى، مثل الأطفال والطلاب والمتقاعدين وأصحاب الأعمال الصغيرة ومقدّمي الرعاية المنزلية، والذين يقعون بدورهم خارج مظلة الحد الأدنى للأجور.
وفي ذات السياق ليس كل العاملين في القطاع الخاص يحصلون على الحد الأدنى للأجور، فكثير منهم يعمل بأجر أقل من القانوني في المنشآت غير الرسمية، وهو ما كشفته الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) والتي كشفت عن تضاعف العمل خارج المنشآت الرسمية من 12% في عام 2006 إلى 23% في عام 2018، وبحلول عام 2023، كان 44.3% من جميع العاملين ينخرطون في القطاع الخاص خارج المنشآت الثابتة، ويحصلون على أجور منخفضة دون التمتع بالحماية القانونية أو الضمان الاجتماعي.
حتى العاملين في القطاع الخاص الرسمي، فهناك جزء لا يشمله الحد الأدنى للأجور، خاصة العاملين في المؤسسات الصغيرة التي تعاني من أزمات مادية تدفعها للتحايل من أجل عدم الالتزام بقوانين العمال والتي من بينها الأجور والرواتب، فقد تٌبرم عقودا مع العمال بأرقام معينة لكن ما يتم تقاضيه فعليًا أقل بكثير مما هو مكتوب في العقد، وبسبب البطالة وقلة الفرص يضطر الكثير من المصريين القبول بهذا التحايل.
يوجد أكثر من 13 مليون عامل يُصنّفون ضمن "العمالة الموسمية غير المنتظمة"، وهي فئة لا ترتبط بعقود عمل ولا ينطبق عليها قانون العمل، وبالتالي تُستثنى بطبيعة الحال من أي قرارات تتعلق بحقوق العمال
الأجور.. أزمة تطبيق لا قرارات
يقول أحمد متولي، وهو عامل في أحد المصانع بمدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية (شرق مصر)، إنه أبرم عقدًا مع المصنع منذ نحو عامين، وكان الراتب المدون في العقد 8000 جنيه (163 دولارًا) مقابل العمل لمدة 10 ساعات يوميًا، إلا أن ما كان يتقاضاه فعليًا لا يتجاوز 6800 جنيه (138.7 دولارًا)، بينما يُستقطع الباقي من راتبه تحت بند "تأمينات صحية واجتماعية"، رغم أنه غير مؤمَّن عليه في الأساس.
ويضيف في حديثه لـ"الترا صوت" أن كثيرًا من أصحاب المصانع يستعينون بالطلاب في الأعمال الموسمية ويمنحونهم رواتب تقل كثيرًا عن الحد الأدنى للأجور، لتجنّب تعيين عمال دائمين يطالبون بالراتب الرسمي المُحدد. وغالبًا ما تكون تلك التعاقدات لفظية، من دون أي عقود أو ضمانات قانونية، ما يسمح لصاحب العمل بفصلهم في أي وقت من دون التزامات.
وتؤكد هذا الواقع "أم محمد"، التي تعمل عاملة نظافة في إحدى المدارس الخاصة بالقاهرة، وتقول إن راتبها لا يتجاوز 2500 جنيه (51 دولارًا)، أي ما يزيد قليلاً عن ثلث الحد الأدنى للأجور، وتعمل أيضًا من دون عقد رسمي. وتضيف في حديثها لـ"الترا صوت": "قبل نهاية العام الدراسي الأخير طلبت من المديرة رفع راتبي، لكنها رفضت وقالت لي: استقيلي إذا لم يكن الأجر مناسبًا لك"، وتتابع: "نظرًا لحاجتي الشديدة للمال، اضطررت إلى الموافقة والاستمرار".
ويشير قانونيون إلى أن أزمة الأجور لا تكمن فقط في تآكل قيمتها بسبب التضخم، بل في تطبيق قرارات الحد الأدنى على أرض الواقع. فليس كل ما يُقرّ يلتزم به أصحاب الأعمال، لا سيما في القطاع الخاص، حيث يلجأ كثيرون إلى التحايل للتهرب من الالتزامات المادية تجاه العمال، وسط غياب شبه تام للرقابة الفعالة من الجهات المختصة.
وتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الفقر في مصر لنحو 29.7% وفق بحث الدخل والإنفاق لعام 2020، أي أن أكثر من 30 مليون مصري تحت خط الفقر، لا يتجاوز دخلهم اليومي دولارًا واحدًا، وسط تقديرات أن الرقم الفعلي أكبر من ذلك بكثير، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية التي شهدتها الدولة مؤخرًا بعد قرار التعويم 2016 وأثقلت كاهل الملايين من متوسطي ومحدودي الدخل.