طائر الحداة في أستراليا (Cosmos Magazine)

مخيفة درجة التفاهة العالية في تقرير نشرته قناة تلفزيونية، حول اعتقاد فحواه أن طائر الحدأة هو من يساعد على انتشار النار في أستراليا.

يمكن أن نعتبر أن البقر الذي تسبّب بجنون البقر أشد خطورة، وأن الخنازير التي تسبب الحمى ألزم للقتل

المثير هو كيفية حرف الأمر ليناسب عقلية يراد لها أن تزدهر، عقلية تؤمن بالخرافة، وتلجأ لها، لتجعل من أي معلومة ذات طابع علمي دليلًا راسخًا على تفوق الدين. ولولا أن محطة تلفزيونية لها صيتها الذائع هي من تقوم بطرحه، لما استأهل الأمر حتى الالتفات.

اقرأ/ي أيضًا: موت مليار حيوان في حرائق أستراليا.. لماذا لم تهرب هذه الحيوانات من الجحيم؟

طائر شرير! يراد من الصيغة الإعلانية أن تحقّق الدهشة، فيفغر المسلم فاهه ويصلي بخشوع على رسول الله "ص" حين يعلم بأن حديثًا نبويًا كان قد ورد على لسان الرسول بضرورة قتل هذا الطير. وبغض النظر عن صحة الحديث من عدمه، من قوته أو ضعفه، فهذا مبحث لا يجدي الخوض فيه، سيما مع من أغلق عقله على ما آمن به كحقيقة راسخة لا تقبل الشك ولا التشكيك، وكأن ورود هذا الحديث سيحقق للمسلمين معجزة كبرى.

يستدعي ذلك بالطبع في نفوس المهللين قصة الطير الأبابيل، ومعجزات الانتقام الرباني من الكفرة، وغيرها من القصص التي تثلج قلوب المؤمنين الذين يشفي الله صدورهم بتعذيب الظالمين. وكأن ما يقع من كوارث حكر على الناس دوننا كمسلمين. أو أن البلاء الذي نشهده لا يلقي بظلاله على دولنا، أو أننا نعيش في بلاد مزدهرة وعامرة بالخير والجمال والبهجات، وحصنتها معتقداتنا التي لا تقبل الشك ضد المصائب.

على ذلك يمكن أن نعتبر أن البقر الذي تسبّب بجنون البقر أشد خطورة، وأن الخنازير التي تسبب الحمى ألزم للقتل، وأن القردة التي يعتقد بأنها مصدر الإيدز يجب أن تفنى، وأن الطيور بأنواعها ناقلة للأيبولا وتستلزم حرقها، وأن القطط الأليفة قد تسبب السحايا فيجب سحلها في الشوارع وقس على ذلك.

تثيرك التعليقات التي تقرؤها بمجرد انتشار التقرير الإخباري، والتي تعلي من شأن الإسلام وتخسف الأرض بالملل الأخرى. دون أن يتساءل أي معلق جاهل حول معنى الآية الكريمة: "وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطيرُ بجناحيه إلّا أُممٌ أمثالُكُم مّا فرّطنا في الكتاب من شيءٍ ثُمّ إلى ربّهم يُحشرُون".

كيف وصلت السذاجة بنا إلى هذا الحد؟ لنتقبل الكثير من الهراء الذي تتخمنا به محطات فضائية، مكرسة المال والوقت لنشر الجهل، إما أن الأمور تسير على غاربها، أو أنها تسير وفق سياسة ممنهجة، وفي الحالتين فالنتيجة مزرية. أين نحن من العلم في وقتنا الحالي؟ هل ستنقذنا من خيباتنا وتخلفنا معتقدات تمتلك صفة القداسة، لكن يدحضها العلم حاليًا؟

لنتأمل الخبر مجددًا؛ محطة إعلامية بحجم الجزيرة، تطلق صفة الشر على طائر، ألا يعلم محررو القناة بأن سلوك الحيوانات الغريزي لا تقيده مفاهيم أخلاقية؟ فلا البعوض ولا الذباب ولا باقي الحشرات، تتقصد نقل العدوى؟ ولا العقارب والأفاعي تتقصد القتل العمد ولا تخطط جرميًا للأمر.

يستحق الموضوع التأمل حقًا في حالنا وما نحن عليه، ولكنه يستدعي السخرية أيضًا.

يبدو أن طائر الحدأة قد قرر خوض العملية في هذا التوقيت بالذات لغاية في نفسه، بعد أن عاش سنين طوالًا في أستراليا محبطًا، دون أن تتاح له إمكانية خطف عود ثقاب من مكان ما ولا اقتناص الفرصة لسرقة جمرة من سائح يشوي لحومًا في مكان ما، والحمد لله أننا انتبهنا أخيرًا لشره الداهم. قد يكون التلوث البيئي من صنيعة الغربان والله أعلم، وقد تقف العقارب وراء التصحر دون أن ندري.

قد يكون التلوث البيئي من صنيعة الغربان والله أعلم، وقد تقف العقارب وراء التصحر دون أن ندري

تقف غالبًا أمام هذه الترهات مصعوقًا، فإما أن ترذل نفسك بالكتابة عنها وهو ما تعافه نفسك وعقلك ويسبب لك الإرهاق، أو أن تصمت كما يحدث غالبًا "وتمقت الصدفة التي جعلت منك ضحية كمشاهد".

اقرأ/ي أيضًا: "أهلًا بك في الجحيم".. حرائق فريدة من نوعها تجتاح أستراليا

حسنًا، سأبالغ في حذري مستقبلًا حين يمر قربي حيوان مارق، وأنصحكم جميعًا بالتبليغ الفوري عن أي حيوان مشتبه به قد يثير الريبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجانب الأكثر مأساوية في مأساة الأمازون

وجه السياسة القبيح في الأمازون.. حكاية غابات تناضل من أجل البقاء