الحبس بتهمة الضحك

الحبس بتهمة الضحك

ليلى نورس/ العراق

يُقال إن وجهها أصبح مثل برتقالة رائجة مر عليها الوقت ولم يقطفها أحد، يصْفَر يومًا بعد آخر. شفتاها ذابلتان، يحفرُ الشُحُوب جلد وجنتيها بمعولِ الحزن؛ ليدفن نظَارتها في لحدِ الزمن الجلدي، حتى عينيها الطافحتين بالحب وغزارة الخجل، أصبحتا مثل ورقتين متهرئتين ذابلتين سقطتا من كتابٍ قديم، منذ ثلاث سنوات ولم تخترق رطوبة البشاشة جدران قلبها، منذ ثلاث سنوات وهي حبيسة هذا المنزل الصغير في الحي الشعبي القديم؛ منذ ثلاث سنوات كنتُ واقفًا عند باب منزلنا الصغير المتهالك، مرت بجواري وهي ذاهبة إلى بيت جارتنا سعاد الخياطة، أطالت النظر في وجهي وضحكت، صُعقت كما يرتجف الصوفي في ذروة دورانه وهو يُراقص معشوقه، كما تقشعر مُخيلة العدمي من لسعة فكرةٍ وجودية، ابتسمت لي مرة أخرى، رأتها أمها وهي تبتسم لي، ركضت ورائها، مسكتها من ضفيرة شعرها وصفعتها براحة كفها اليابسة على خديها اللْينين اللامعين، خديها اللذان مثل نجمتين في ليلٍ فقد قمره بإعصار الخسوف، صفعتها مرة ثانية وصرخت عليها:

نحن عائلة مُحترمة ومن أكابر المدينة، كيف لمثلكِ أن يضحك بوجه أبن عاملة النظافة هذا؟!

لم تبالِي للصفعة القوية التي شملت معظم وجهها، وآثار أصابع الكف المتصلبة التي طُبعت على خديها المتوردتين، انتفضتْ بوجه أمها وهي ترجو منها أن لا تخدش مشاعري بصراخِها، رمقتني بعينيها الدامعتين وكأنها تقول لي: إنني فتاة ناعمة جدًا ولا أنتمي لخشونة هَذِه الأم أبدًا.

أما أنا كنتُ جبانًا في لحظتِها، لم أندفع بجنونٍ لإيقاف أمها عن إيذائِها وصفعها، ربما أنا المسؤول عن كل هذا الذي حدث لها، ولكن ماذا علي أن أفعل؟ افتقد القدرة على التدخل والانتفاضة كما فعلت هي من أجل مشاعري، وهل ابتسامة هذه الروح الطافحة بالبراءة والخجل كانت جريمةً لا تُغتفر؟ حتى ينهال عليها كل هذا العقاب!

منذ تلك الساعة المشؤومة ولم أرَ وجهِها الضاحك، أسألُ كل نساء الحي عنها ولا إجابة سوى أنها حبيسة غرفتها، جسدها الفضي فقد لمعانه، أركان معالمها السحرية تتهالك يومًا بعد آخر، حتى أن أكثر ضباط العالم تطرفًا وشراسة في معاقبة جنودِهم لا يستطيعون بلوغ غلاظة قلب هذه الأم اللاأم في معاقبة بنتِها. في أحيانٍ كثيرة يغزني الشعور بدبابيس الذنب على لا شيء أو كل شيء، لا أدري، أشعر بحقارتي وكأنني سبب سجنها في البيت طوال هذه السنوات، كان الأجدر بها ألا تبتسم لي في زقاقٍ يُحرر دعاة النحيب على التفاهات والتشيطن والجهل ويحبس البنات الضاحكات؛ فقط لأنهن ضاحكات! لا، لا أنا السبب، كان من الأفضل ألا أخرج من المنزل، وأقف عند الباب في تلك الساعة التي خرجت هي أيضًا، لا أعرف لماذا حظنا سيء إلى هذا الحد، كلما اقتربنا من الْحُلْم اتسعت المسافة وضاق ممر الحياة.

كيف لي أن أضحك ومحبوبتي حبيسة بسبب ابتسامتها لي بعد أن كسرت قيود البؤس الملتوية على وجهي بضحكتِها وأطلقت سعادتي بفضاء الوجود، روحها المتدفقة سيطرت على كلِ وجوديتي، أنها مميزة عن كلِ بنات هذا الحي برشاقة مشاعرها الساحرة، بجمالها، بعفويتها، خجل عينيها وحتى خطواتِها التي لا زالت تمشي وسط ذاكرتي، من وجهِها يُمكنك أن تتذوق روحها السائلة، عُذرية سجيتها وسكينة شخصيتها.

بعد مرور ثلاثة أعوام وعشرة أيام وثلاث ساعات وسبع دقائق على حبسِها في غرفتِها، وسجني في هذا الفضاء الذي لم يتسع لزفراتِها، كنت ضائعًا في دهاليز صمتٍ لا دليل فيها، ظلامٌ بهيم، وحدها تستطيع أن تستنطقني لأجد إجاباتي ضوء. هل أنا سر حبسها وتهالك جسدها وهي تستنزف ثلاثة أعوام من عمرِها، أمنْ أجل أن تبتسم لوجهٍ كالح وابن كناسة المدارس ضيَعت هذه السنوات ولا زالت تتهاوى؟ أم يا تُرى تلك الابتسامة العفوية ورقصة العيون الطافحة بالحب جعلتني أعيش عدم استقراري وأحطم الزمن بمعول الحنين إليها؟ لكننا لم نحطم بعضنا، بل كنا نُرتق فتوق الهواء بزفراتٍ نقية حتى لا يختنق، هنالك شيء آخر خلف كل هذا الحِطام، هم من يعتقدون أن الحفاظ على قِلاع الطبقية وقصور الأعراف يبرران تهديم الإنسان. بينما كنتُ أدون بمفكرتي هذه السطور وثرثرتي التي لا أجد من يحتضنها غير الحبر والورق، وبعد كل صفحة أكتبها أتمدد على فراشي وأُدندن بما قاله الشاعر گزار حنتوش:

بعد سنينْ

ستكرُ الأيام علينا ونرد مكتهلينْ

ليس بمقدوري أو مقدورك

أن نمنع هذي البلوى

قد نتلاقى بالصدفة

ونحن نجر خطانا التعبى بين الناس البطرينْ..

في هذه الأثناء طُرق الباب الخارجي، هلعت من مكاني لأفتح الباب، وجدته صبيًا جميل، وما أن نظر في وجهي حتى سألني:

- هل أنت إبراهيم؟
- الوجوه والأسماء مختلفة في مظهرها يا صغيري، لكن ما أن تقترب منها حتى تدرك أن لا قيمة لهذا الاختلاف غير المتجذر من الأصل.
- أرجوك دعك من التمنطق هذا، الوقت لا يستوعب لنصائح وتفلسف زائد، أجب على سؤالي باختصار لو سمحت، هل أنت إبراهيم ابن الــ ...
- نعم أنا إبراهيم أبن المرأة الكادحة والتي تعمل في مدارس الاحتياجات الخاصة، لا يهم أن يلقبها الناس بالكناسة أو أي شيء آخر، فهي كل ما يهمها أن تعيش بلقمةٍ حلال من ذراعيها.
أرسلتني خالتي لأخبرك بشيء، خالتي شروق.
- هل تتكلم بحق، مستحيل هذا! من أنت وماذا أخبرتك؟ تعال وأدخل للبيت وأكمل كلامك.
- أنا يوسف أبن أختها سهام، خالتي تمرُ بحالة صحية سيئة جدًا، وجدتي شفقت عليها اليوم، ستأخذها وخالي إلى الطبيب بعد الظهر، طلبت مني أن أخبرك بأنها ستذهب إلى الطبيب، وهي تريد رؤيتك حتى ولو من مسافةٍ بعيدة.

آه يا تلك اللحظة التي أمتزج فيها الضحك والبكاء، حاولت أن أقول شيء للصبي، حاولت أكثر من مرة ولم أفلح، غلقتُ الباب باندفاعٍ فور خروج الصبي ورجعت إلى الخلف، هل أبكي على تدهور صحة هذه الحورية في سحنِ أمها، أم أضحك لأني سآراني في وجهِها وأعود لوجودي الذي أعدمته سنوات الفراق؟

حاولت أن أمسكني من الفرح الذي يسرقني ولكن كل شَيْءٍ في يرتجف، قررت ألا أصمت أبداً هذه المرة، سأضع حدًا لهذا الحطام وأتخلص من شعوري بالخطيئة والحقارة، صحيح أنني ابن الكناسة، لكن هذا لا يبرِر أن أبقى صامتًا ولا أكون بابًا لهذِه الحبيسة الحُرة، لا أصدق أنني سأرى عيناها الواسعتان ويرمقاني بنظرةٍ أستعيد بها الْحُلْم.

ما أن دقت الساعة الثالثة ظهرًا حتى غلقت باب غرفتي الخشبي المتهالك، خرجت من البيت وتوجهت إلى شارع الأطباء، نزلت من السيارة مقابل ساحة الراية، حيث ضفاف شط الديوانية، ترجلت على الجسر الحديدي الصلب، الذي يربط صوب المدينة الكبير بصوبِها الصغير، لمحتُ سيارة أخيها البيضاء مركونة في الشارع الخدمي، المجاور لشط الديوانية القادم من نهرِ الفرات، سرتُ شمالًا، أفتشُ عن رائحتها بأنف الذاكرة وأنا أمرُ بمكاتب المحامين، مكاتب العقار والأثاث، أفران الفطائر والصمون الحجري، المقاهي والكافيتريات، بالمطاعم والصيدليات، الهثُ من عيادةٍ إلى أخرى، ومن صيدلية إلى أخرى، أخطو بحذرٍ بين العيادات، أختبأ بين زحام المرضى والمراجعين؛ خشية أن تراني أمها وتفعل بهــا مثلما فعلت قبل ثلاث سنوات.

مضت ساعتين وأنا أتسكع من عيادة طبيبٍ إلى أخرى، أرتطمُ بالكراسي المتبعثرة على الأرصفة وحول عربات باعة الشاي الثابتة، رائحة الشواء والأدوية والأماكن والناس كلها متشابهة إلا رائحتها، ما أن يستنشقها إنسان حتى يذوب بسحرها، تُجذب من يُثمن عفويتها من بعيد، وها أنا ثلاث سنوات ولم أستطيع التملص من سطوة هذه الرائحة، وقفت عند منتصف الشارع لأرى كل من يخرج أو يدخل لعيادات الأطباء، يا ترى هل رأتني من دون أن أعلم؟ لكنني كيف أعرف ذلك وحتى الآن لم أرها؟

ارتعشت ذاكرتي، تبعثر النبض في قلبِ الهواء من قشعريرة الرائحة، رائحة تسلبُ الروح من الجسد وتتلاشى بالهواء، أنها تشبه رائحتها، بدأتُ أستنشقها، أشمُ قربها، وقبل أن أهلعُ بسمعي لصدى النحيب الذي يرتطم بقفاي ورطوبة البكاء التي بللت أذني أليسرى، طرقتْ على كتفي كف، لقد كانت لحظةً وجوديةً لا تُوصف، تختزل الزمن العابر وكأنها تمسك حركة الزمن الجوهرية بذراع خجلها، استدرتُ بكل جوانحي وجوارحي، كمن يهلع من الغرق إلى  النجاة أو من النجاة إلى الغرق، لا أدري، وجهها الأبيض المتورد مصْفر، شفتاها ترتجفان، خرجت من عينيها دمعتين، تزحلقتا على وجنتيها نحو الرصيف، مددتُ كفي في المسافة التي بينهما، سقطتا على راحة كفي، مسحتُ بهما وجهي؛ لأسقي ظمأ الشوق، لم ننطق شيء، على بعد ثلاثة أمتار يقف أخوها الأكبر وأمها، ينظران لنا، سرحت مخيلتي تستجمع شظايا موقفٌ قديمٌ، لقد سببت كل هذا الذبول، الحطام، الاصفرار والخدوش، نظرتها لي كانت أعمق من القُبلة وأدفئ من الاحتضان، قلت لها:

- لماذا أخوك وأمك لم يكترثا لوقوفك بجانبي؟ قولي شيئًا، أرجوكِ، أي شيء.

نظرت لي بوهجٍ حزين يشبه أشعة الظلام في خُصرِ ليلٍ مُختل القمر والنجوم، ابتسمت لي، صُعقت، ابتسمت لي جدًا، أقبل علينا أخيها مذعورًا، مسكته أمهُ وقالت:

- دعها، ألمْ تسمع الطبيب ماذا قال؟ أنها مُصابة بسرطان الدم منذ عامين، ستموت بعد أيام، أنها في عِداد الأموات، والأموات لا يلحقون العار بنا نَحْنُ الأحياء مهما فعلوا، هل تفهم؟ أتركها معهُ، دعها تموت كيفما تشاء.
- ولكن السجانين القتلة يلحقهم العار، حتى عندما تبتلعهم الثرى، سيهرول خلفهم، يحفر الأرض بمعولِ بشاعتهم وينخر جماجمهم إلى الأبد.

هذا ما صرخت به شروق على أمها وهي ساخرة، ارتعبت أمها، انتفض أخوها، أمسكوها من ذراعيها وقادوها إلى السيارة ببشاعة متوحشة، التفتت إليّ، ابتسمت، ابتسمت جدًا، يسحبون بها بسرعة وقوة، عيناها تسيران ببطءٍ، يُغيبها الزحام عن عيني، أفتش عن ملامح وجهِها بين الناس، كان وجهها ضعيفًا وتتبثر عليه بقع داكنة وتشققات تلتف حول عينيها، كأنها أصبحت عجوزًا لا تقوى على الوقوف من غير اتكاء، أدركتُ في ساعتها أنها ذاهبة خارج هذا العالم، لا أدري حقًا، قد يكون العالم هو من ذهب خارجها، كلما ابتعدت عني أبتعد أنا عني بنفس المسافة، يزرق وجهها بالابتعاد، ترميني بابتسامة خضراء، لقد كانت آخر مرة تبتسم لي الحياة، غربت شروق عن هذا العالم في نفس تلك الليلة ولا شروق بعد، موتها كان بصاقاً حقيقيًا على وجه الحياة المتوحشة، واجابه تصفع الجُبن الذي جعل الحب يُبْصق علي ناقمًا، أمها صارت امرأه مجنونة، تتسول بالطرقات وتضحك بأسنانٍ حمراء، أما أنا العاشق الجبان، لا زلتُ أنتظر ابتسامتها منذ عشرين عام عند بوابة المقبرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بحضور الغربان الخمسة

الدنيا غرفة عاهرة