الحالة الغريبة لألكسندر إسحق.. هل سيبتلع الذكاء الاصطناعي كرة القدم؟
22 يناير 2026
إليك حقيقة الأمر، الذكاء الاصطناعي أصبح شبحًا يطارد الجميع، حتى كرة القدم لم تسلم منه ومن أفاعيله، فلم تعد تُدار فقط من على الخطوط أو داخل غرف الملابس؛ والعصر الجديد للعبة بات يُحركه رقم مخفي داخل شريحة دقيقة، أو إنذار يصدره نموذج قبل ثوانٍ من الكارثة.
وهو ما حدث فعلًا فور انتهاء مباراة ليفربول وكريستال بالاس بالدوري الإنجليزي الممتاز 2025، حيث أكدت تقارير صحفية أن قرار استبدال اللاعب ألكسندر إسحق جاء بعد بلاغ أصدرته أداة ذكاء اصطناعي يستخدمها ليفربول لمثل هذه المواقف، والتي أشارت إلى ارتفاع احتمالية تعرض اللاعب لإصابة وشيكة، فما حقيقة هذا الأمر؟
حماية رؤوس الأموال
في حالة إسحق، لم تعتمد الخوارزمية المُصممة من قبل شركة STATSports، على مقاييس الحمل التقليدية كالمسافة المقطوعة أو السرعة القصوى، بل ركزت على مؤشر ميكانيكي حيوي دقيق يُعرف باسم "توازن الخطوة" (Step Balance)، يقوم بقياس ضغط اللاعب على كل قدم، اليمنى واليسرى، أثناء الجري، ثم عرضها كنسبة مئوية، ما يمثل نقلة نوعية في الوقاية، حيث انتقل التركيز إلى قياس جودة الحركة نفسها، وبناء عليه استنتجت الخوارزمية أن اللاعب كان على وشك الإصابة، كيف ذلك؟
"الذكاء الاصطناعي أصبح شبحًا يطارد الجميع، حتى كرة القدم لم تسلم منه ومن أفاعيله"
لأن التوزيع غير المتكافئ للقوة بين القدمين أشار إلى وجود خلل في كفاءة المشي/الجري أو إلى أن اللاعب يقوم بحماية جانب معين من جسمه بسبب إجهاد أو ألم غير مُصرح به، بمعنى أن اللاعب يُحمل على قدم أكثر من قدم أثناء الجري مما يؤدي إلى اختلال في توزيع القوة، ما يعني أن القراءات التي تبتعد عن نسبة التوزيع المثالية، ألا وهو 50% لكل قدم، تعد مؤشرًا قويًا لزيادة خطر إصابات الأنسجة الرخوة، مثل إصابات الفخذ أو العضلات الخلفية، وهي تحديدًا أنواع الإصابات التي عانى منها اللاعب سابقًا.
ومن ثم جاء قرار الاستبدال، وهو قرار، عندما تفكر فيه بهدوء، رائع بكل المقاييس، رائع وذكي للغاية حتى على المستوى المالي والاستراتيجي، فعندما يكون للاعب قيمة سوقية مرتفعة وسجل إصابات معقد، فإن أي مؤشر دقيق (مثل توازن الخطوة) يحمل ثقلًا أكبر في عملية اتخاذ القرار ببساطة لأن تكلفة أي إصابة أخرى للاعب بهذا الحجم تعني خسارة المزيد من الأموال، مما يدفع المدربين إلى إعطاء الأولوية للوقاية الفورية حتى على حساب الاعتبارات التكتيكية خاصة في الدقائق الأخيرة من المباراة.
علاوة على ذلك، توفر هذه الخوارزمية دليلًا موضوعيًا لا يمكن للاعب تجاهله أو إخفائه، ففي كثير من الأحيان، يصر اللاعبون على الاستمرار في اللعب رغم شعورهم بالإرهاق أو الألم الطفيف، خوفًا من فقدان مكانهم أو بسبب ضغط المنافسة.
هنا، يتدخل الذكاء الاصطناعي ليزود الجهاز الفني ببيانات لا تقبل الجدل حول حالة اللاعب الحقيقية، مما يحول القرار الفني إلى قرار وقائي، ويحمي اللاعب من المخاطرة بنفسه تحت الإجهاد، وهنا إليك السؤال: هل معنى ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيخدم اللعبة ويجعلها أكثر متعة؟
حسنًا، ليست هناك إجابة واضحة فالأمر معقد ومركب ومتشابك للغاية، أو دعنا نقول نعم ولا، نعم لأن مثل تلك التقنيات تخدم كرة القدم فعلًا كما شاهدنا في المثال السابق، ولا لأن المستقبل قد يحمل لنا أبعادًا أخرى أكثر خطورة، ولذلك يجب أن نسأل: إلى أين سيأخذنا الذكاء الاصطناعي، وما حدود تحكمه في المستقبل؟
أين نحن؟
ولكن قبل أن نتوقع ما هو المستقبل، يجب أن نعرف أين نقف أولًا، صحيح أننا لسنا في زمن المسخ كما قال عادل إمام في فيلم عمارة يعقوبيان، ولكننا نقف عند الحافة، الذكاء الاصطناعي يساعدنا ولا يسيطر علينا، نقطة التقاء عدة مصالح مع بعضها البعض، مصالح الأندية والشركات واللاعبين والمدربين، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا مركزيًا في تطوير الأداء واتخاذ القرار، وكلما ازدادت دقة البيانات المتعلقة باللاعبين وخصومهم، تحسن تحليل الخوارزميات وقدرتها على كشف أنماط اللعب وصياغة التوصيات التكتيكية.
خاصة مع وجود عدة تقنيات مثل أنظمة التتبع البصريComputer Vision وأنظمة تتبع GPS لمراقبة تحركات اللاعبين أثناء المباريات والتدريبات، مما يوفر بيانات دقيقة عن السرعة، والتسارع، والتمركز داخل الملعب، كما تعمل الرؤية الحاسوبية على معالجة كل إطار من زوايا التسجيل المتعددة وتحويل اللقطات إلى رؤى واضحة وقابلة للتنفيذ يمكن للفرق استخدامها فوريًا، متجاوزة حدود الإرهاق والتشتت البشريين.
من أبرز الأمثلة على هذا الأمر هو نموذج Stats Bomb 360، والتي توفر رؤية شاملة لمواقع اللاعبين حول كل لقطة في المباراة، مما يساعد الأجهزة الفنية على فهم التمركزات والمساحات المتاحة بشكل أوضح وأسرع من المشاهدة التقليدية.
ولديك أيضًا الملاعب الافتراضية والتي تتيح للمدربين اختبار التشكيلات وهياكل الضغط في بيئة افتراضية تُسمى "الملعب الآمن" (Safe Playground) قبل المخاطرة بها في الملعب الحقيقي، وقد أثبتت الدراسات بالفعل جدوى هذه المنهجية، فعلى سبيل المثال، تعاون نادي ليفربول الإنجليزي مع Google DeepMind لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين استراتيجيات الركلات الركنية، هذا المستوى من الدقة التكتيكية يرفع من مستوى الكفاءة المطلوبة في الطاقم الفني لترجمة مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى قرارات على أرض الواقع.
وفي مجال التحكيم، أسهم الذكاء الاصطناعي في رفع مستويات العدالة -مع الاعتذار لجماهير الدوري الإسباني بالطبع- خصوصًا في حالات التسلل، فقد اختبر الفيفا، على سبيل المثال لا الحصر، أنظمة شبه أوتوماتيكية تعتمد على كاميرات متخصصة وأجهزة استشعار في الكرة تسجل مواقع اللاعبين والكرة مئات المرات في الثانية لتوليد نموذج ثلاثي الأبعاد يحدد بدقة لحظة التسلل، ويُرسل إشعارًا فوريًا للحكم.
أما في مجال صحة اللاعبين والطب الرياضي فيستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل البيانات الصحية والأنماط الحركية غير الطبيعية ومستويات الإجهاد البدني للكشف عن إشارات الإصابة المبكرة، والتنبؤ باحتمالية تعرض اللاعبين للإصابات قبل تفاقمها عن طريق ما يعرف باسم البيوميكانيك التوليدي Generative Biomechanics - BIGE.
حيث طور باحثون من جامعة كاليفورنيا نموذجًا فريدًا من نوعه، يدمج بين الذكاء الاصطناعي التوليدي مع قيود البيوميكانيك، أي علم حركة الجسم، مثل الحد الأقصى للقوة التي يمكن أن تولدها العضلة، والأهم من ذلك، يمكنه توليد أفضل التمارين للاعبين الذين يحتاجون إلى إعادة التأهيل بعد الإصابة، وهو طفرة كبيرة بالفعل للمستقبل، طفرة تحول التدريب والتأهيل إلى علم متخصص بالكامل، يعتمد على القيود التشريحية لكل فرد على حدى.
كما يتكامل الذكاء الاصطناعي أيضًا مع علم المناعة أيضًا في تقديم رعاية صحية تنبؤية، فمثلًا: يستخدم نادي برشلونة تقنية "العمر المناعي"Immune Age بالتعاون مع شركة Omniscope، وهي تقنية تسمح بمراقبة الالتهاب والشيخوخة البيولوجية والتنبؤ بالإصابات باستخدام بيانات الخلية.
هذا الجمع بين علم البيوميكانيك الذي يعالج الحركة الخارجية للجسم وعلم المناعة الذي يعالج الإجهاد البيولوجي الداخلي، يعطي نموذجًا حيًا لمفهوم الرياضي الرقمي، فجسم الإنسان هنا أصبح عبارة عن أرقام ونقاط على شاشة تلتقطها الخوارزميات وتعالجها بالطريقة الأمثل، ما يعني زيادة في القيمة الاقتصادية لأصول النادي البشرية.
هل اكتفيت من كل ذلك؟ حسنًا، هنا لابد التنويه عن أن هذه بعض المزايا فقط، نقطة في بحر كبير ومتشعب للغاية، ولذلك وجب الانتقال للنقطة الثانية، لأن كل هذه المميزات فرضت ما يمكن وصفه بسباق تسلح بين الأندية.
حرب باردة أصبح فيها التنافس والنجاح مرتبطًا بمدى قدرة النادي على تحويل الكميات الهائلة من البيانات التي تجمع بواسطة الحاسوب، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة التعقب، إلى رؤى واضحة وقابلة للتنفيذ على الفور، وهذا السباق، هو الذي سيحدد شكل ومصير المستقبل.
الحفاظ على جوهر اللعبة
بناء على كل ما سبق، دعنا لا نخدعك أكثر من ذلك: المستقبل مجهول للغاية، ولا أحد يستطيع بالضبط تحديد إلى مدى سيصل هذا الذكاء الاصطناعي، ولكن بشكل عام، تستطيع الخوارزميات معالجة مئات الآلاف من تقارير الكشافين والبيانات الكمية وتقييم اللاعبين والتنبؤ بمسارهم المهني بكفاءة تفوق القدرة البشرية بكثير.
يجب على الأندية إيجاد توازن دقيق بين دقة التقنيات والسحر البشري، بين الذكاء الاصطناعي وبين الغباء البشري الطبيعي، لتضمن أن التكنولوجيا تخدم اللعبة، ولا تجردها من خصوصيتها وجاذبيتها
ومع ذلك، لا يزال الكشاف والمدرب البشري لا غنى عنهما لتقديم السياق النوعي والمنظور الأخلاقي، والذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، لا يستطيع تقييم السمات النفسية والاجتماعية الدقيقة للاعب، مثل شخصيته، وقدرته على التكيف مع ثقافة النادي، أو مدى تأثير البيئة المحيطة به على أدائه.
وربما يستطيع الذكاء الاصطناعي إطالة مسيرة اللاعبين وحمايتهم، ولكن التوقعات تشير إلى استحالة أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الموهبة البشرية، لأن كرة القدم تتجاوز مجرد مجموعة من البيانات القابلة للقياس.
إن جوهر اللعبة هو الفن والشغف، شكل من أشكال التعبير الإنساني الطبيعي، والغبي في بعض الأحيان، فلا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد الحدس، أو الإبداع، أو العاطفة التي تميز الأداء البشري في اللحظات الحاسمة، كما لا يمكنه أن يحل محل الموهبة والجهد والتضحية التي يقدمها اللاعبون.
ومع ذلك، يجب على الأندية إيجاد توازن دقيق بين دقة التقنيات والسحر البشري، بين الذكاء الاصطناعي وبين الغباء البشري الطبيعي، لتضمن أن التكنولوجيا تخدم اللعبة، ولا تجردها من خصوصيتها وجاذبيتها العاطفية التي يعشقها الجمهور، ففي نهاية المطاف، سيظل التنافس والشغف البشري هما القوة الدافعة للعبة.







