الجيل اليتيم في البلاد التي اختارها المهرّبون

الجيل اليتيم في البلاد التي اختارها المهرّبون

من أعمال الفنان ناصر حسين

كان "مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية" القديم في شارع بارون بحلب، يقع في الطابق الثاني في مبنى يعود بنائه إلى بداية القرن العشرين. يشغل الطابق الأول منه ـ وهذا شيء من القدرـ عيادة الطبيب النفسي الذي أشرف على علاج الفنان لؤي كيالي.

المركز شقة كبيرة. تشغل فيه المراسم قاعتين، إحداهما كبيرة مخصصة لمراسم الطلاب الشباب، والثانية أصغر ومخصّصة للطالبات. هذا الفصل فرضه، عام 1983، مدير المركز الذي استمر في شغله حتى عام 2010.

كنا محرومين كذكور من رؤية لوحات فتحي محمد "العاريات"، لأن تلك اللوحات موجودة ضمن قاعة الطالبات الممنوع علينا دخولها.

في كتاب "تاريخ الفن" لعفيف بهنسي، الذي يدرّس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لا يوجد ذِكر لأي فنان سوري من أي مرحلة من المراحل

شارع بارون هو شارع تجاري طويل، مكاتب وعيادات ومطاعم، ومقاهي الفنانين والمثقفين مثل "الموعد" و"القصر"، ودور السينما أيضًا. ومن أشهر مبانيه فندق بارون الشهير الذي ارتاح فيه يومًا كلّ من أغاتا كريستي ولورنس العرب وجمال عبد الناصر.

اقرأ/ي أيضًا: مروان.. التجريد الأكثر واقعية

في شارع بارون لا يقل عن ثلاث دور للسينما، تعرض أفلامًا تجذب جيل المراهقين، وقبل وصولنا إلى المركز لا بد أن تمر عيوننا على رسوم العري ذات الحجوم الكبيرة التي تعلو أبواب دور السينما، رسوم لأجساد ممثلات شهيرات تغيرت ملامحهن بسبب رداءة الرسم، في الوقت ذاته كنا محرومين في مركز الفن من عاريات فتحي محمد الساحرات.

كان الطفل الذي كنته آنذاك يفهم بشكل عفوي أن هناك تناقضًا ما هنا. أعتقد أن تناقضات كثيرةً أخرى عشناها لاحقًا كجيل فني خلال العشرين سنة الأخيرة، ساهمت لدرجة ما في تكوين طرق تفكيرنا. أهمها، وربما "أخطرها"، أنه لم تتح لنا الفرصة أن نتعرف حتى نظريًا على تجارب الروّاد في الفن السوري.

في كتاب تاريخ الفن "الضخم" لـ عفيف بهنسي، الذي يدرّس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لا يوجد ذِكر لأي فنان سوري من أي مرحلة من المراحل. وبغياب أي متحف للفن السوري (قسم الفن الحديث في المتحف الوطني في دمشق لا يمكن أن يكون مثالًا لمتحف)، يدخل دارس الفن كليةَ الفنون ويخرج دون معرفة نظرية وبصرية عن الأثر الذي تركه أسلافه، إلا في حالات خاصة لها علاقة بالاجتهاد الشخصي.

المحترف السوري الشاب خلال السنوات العشرين الأخيرة تخلى عن الكثير من المواضيع التي كانت النقطة الذهبية في تكوينه العام. مواضيع اختلفت بشكل ملحوظ لدى غالبية الفنانين: المدينة، الشارع، القرية، البيت، الغرفة، المنظر الطبيعي.. كل تلك المفردات التي شاهدناها في أعمال أساتذتنا وزملائنا حتى جيل السبعينات، كلها غابت. حتى موضوع الأمومة، أو معلولا، وهو الموضوع الأثر خلال فترة السبعينات والثمانينات. كذلك لوحات العري، والأساطير، وأمجاد التاريخ العربي، وانتصاراته أيضًا، اختفت كلها.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي حصل؟

من أعمال فنية عن معلولا والأمومة ودمشق القديمة والربوة وكفر جنة والمعري ومعركة حطين وعدنان المالكي وصلاح الدين الأيوبي، وفلسطين (حتى أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن نذير نبعة وبرهان كركوتلي فنانان فلسطينيان لكثرة الأعمال والملصقات التي نفذاها عن فلسطين وشهدائها)، إلى أعمال جديدة أصبح فيها الإنسان بلا هوية، لا يلبس زيًّا يشير إلى انتمائه، وعلى الأغلب تغطي جسده مساحات لونية مجردة من أي دلالة، ويعيش ضمن فراغ لوني لا أثر فيه عمومًا لأي مكان.

كيف غابت كل تلك المواضيع والمفردات "عنا" وعن نتاجنا؟

قدر اَخر هنا أيضًا، غير المصادفة أن تكون عيادة طبيب لؤي كيالي تقع تحت مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية، هو أن عميد كلية الفنون الجميلة بدمشق بداية التسعينات كان شقيق مدير مركز فتحي محمد في حلب! وهو قدر لم يكن لنا رضا فيه.

مند بداية الثمانينات وبعد أحداث الإخوان المسلمين، بدأت هيمنة شخصيات أمنية على مفاصل المؤسسات السورية بشكل عام ومنها المؤسسات التعليمية والثقافية والفنية.

الصراع بين النظام الذي سعى للهيمنة المطلقة وقد نجح، وبين الإخوان المسلمين الذين حاولوا تحجيب الكثير مما هو نيّر في سوريا، وقد نجحوا أحيانًا؛ نتج عنه أن النظام اتبع سياسة كسب ودّ رجال الدين من كل الطوائف، الذين فرضوا من خلال صفقة متبادلة بعض شروطهم.

بدأ تداعي المناخ الثقافي الذي كان سائدًا مع تداعي الحريات.

كان لا يمر معرض بدون ندوة تقام عنه، مسرح، سينما، حتى المقهى الذي كان ركنًا أساسيًا من هياكل الثقافة السورية.

في مقهى القصر الذي ذكرته سابقًا، كان الكثير من روّاده من الفنانين، خلال فترة الثمانينات، يعرضون أعمالهم على جدرانه، وذلك لفترات قصيرة ومن ثم تستبدل الأعمال بأعمال أخرى جديدة. كانت تلك إحدى الفرص النادرة ليشاهد الجمهور المحدود أعمالهم بغياب وجود قاعات في تلك المرحلة. استمر إيفاد الطلاب من قبل وزارة التعليم للدراسة خارج البلد (لكن بشروط مختلفة) للحصول على درجة الدكتوراه في أبحاث نظرية في الفن، ليعودوا فيما بعد أساتذة للأقسام العملية! ومنهم من حظي بفرصة الإيفاد لأسباب لا تشملها الموهبة (باستثناء بعض الأسماء التي تستحق التقدير).

الفترة التي أتحدث عنها، فترة التسعينات، حُرمنا فيها التعلم في مراسم بعض المعلمين كمحمود حمّاد وفاتح مدرس، أو إلياس زيات وندير نبعة. إنهم معلمون لديهم ما يعطونه وهذه إحدى فضائلهم.

كل ما سبق جعل منا جيلًا يتيمًا وجد مع دخول الإنترنت لاحقًا آباءً جددًا للتبني.

بعد سبع سنوات من التوحش في القتل، عاد المكان إلى أعمالنا، وهو ما أهملناه سابقًا، بعد أن تدمّر في الواقع

بعد سبع سنوات من التوحش في القتل، عاد المكان إلى أعمالنا، وهو ما أهملناه سابقًا، بعد أن تدمّر في الواقع، الأم بعد أن أصبحت مفجوعة، الشهيد الذي لم نقدّر تضحيته، وربما اعتبرنا وجوده بالعمل الفني يتعارض مع الحداثة، البيت، معلولا وهو الموضوع الأثر، أصبحنا نتمنى وجود شخصيات معاصرة تشبه عدنان المالكي لننجز له تمثالًا. تحول العمل الفني لدى الكثير منا من شكل نُلبسه موضوعًا لموضوع نُلبسه شكلًا. أصبحنا بشكل مفاجئ أمام مواضيع لم نعرها اهتمامنا في السابق ولم تكن تعنينا، كل هذا يحدث وأغلبنا يعيش الآن في الشتات، بعيدًا عن وطن لم يتسعّ لنا.

اقرأ/ي أيضًا: نذير نبعة.. مرسومًا بتراب الأرض

في الشتات اكتشف أغلبنا أيضًا أننا لم نكن في الحداثة، ولم نكن سوريين، والغرب لا يعنيه موضوعنا الراهن الكئيب مما يسبب لنا إرباكًا. ورغم أن الفن المرئي السوري الشاب متنوع الأساليب والتقنيات لكن عددًا قليلًا من منجزه ينتمي للفنون "المعاصرة"، ووجود عدد كبير من الفنانين السوريين في بلدان أوروبية، أخذت غالبية مؤسساتها الفنية على عاتقها تشجيع هذه الاتجاهات المعاصرة، سيشكل لهم إرباكًا وتحديًا اَخر في ذات الوقت. حتى الأكاديميات العريقة لتدريس الفن والمعروفة تاريخيًّا بتدريس الفنون التقليدية كالنحت والرسم تحول اهتمامها إلى الفنون المعاصرة، كأكاديمية الفن في دُسلدوف حاليًا، التي تحتوي فقط على ثلاثة مراسم للتصوير، أما في السنة القادمة فمن المحتمل ألا يبقى سوى مرسمين بعد تقاعد أحد الأساتذة.

قرأنا سيرة أساتذتنا في كتب تاريخ الفن العربي غير الحكومية، كان كل منهم قد اختار بلدًا معينًا لسبب ما من أجل أن يتابع تعليمه فيه، فقد كانوا مهتمين بتطوير ما بدأوا به فنيًا ووجده في ذاك البلد.

مع جيلنا الآن الموضوع مختلف، "المهرّب" هو الذي اختار البلد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

3 تجارب سورية في الفن الرقمي

الفوتوغرافي نذير حلواني.. حين يكون هو المدينة