الجيش اللبناني بين التجاذبات السياسية والانقسامات الطائفية

الجيش اللبناني بين التجاذبات السياسية والانقسامات الطائفية

من عناصر الجيش اللبناني (Adobe Stock)

تجمع بين الجيش اللبناني والمكونات الحزبية والطائفية، علاقة حساسة، أشبه بمن يمشي في حقل ألغام، إذ إنه دائمًا ما يعلق كل طرف في لبنان آماله ورهاناته على دور الجيش، وحين تخيب هذه الآمال أو لا ترتقي للتوقعات السياسية والطائفية، فإن الانتقاد يكون جاهزًا.

العلاقة حساسة بين الجيش اللبناني والمكونات الحزبية والطائفية، إذ تعلق الرهانات على دور الجيش، وحين تخيب الآمال تصبح الانتقادات جاهزة

وبعد اندلاع الانتفاضة اللبنانية، وقف الجيش أمام محطة مفصلية جديدة، واتجهت أنظار جميع القوى السياسية والشعبية وحتى الإقليمية والدولية إلى كيفية تعاطي قيادة الجيش مع الانتفاضة وما تخللها من قطع للطرقات وغيرها من أساليب الاحتجاج. يضاف إلى ذلك، ترقب لأداء الجيش من قبل الأطراف المناوئة للانتفاضة.

اقرأ/ي أيضًا: عيد الجيش اللبناني.. إعلانات لتسويق "الهيبة "

إذًا، لا يسلم الجيش من انتقادات من قبل الأطراف كافة، في حين ثمة صعوبة في إرضاء الجميع، خاصة مع تصريح القيادة المستمر بأن الجيش يقف على الحياد، ومهمته حماية أمن الوطن والمواطنين وحقهم في التظاهر السلمي. فكيف تنعكس التجاذبات السياسية والمحاصصة الطائفية على دور الجيش اللبناني في الداخل؟

محطات مفصلية

بإلقاء نظرة على الموقع الرسمي للجيش اللبناني عبر الإنترنت، تطالعنا محطات تاريخية لبطولات الجيش ومواجهاته منذ لحظة تأسيسه وحتى اليوم. تضم المحطات التاريخية أحداثًا مهمة ومفصلية في لبنان، مثل تحرير جنوب لبنان عام 2000 وحرب تموز/يوليو عام 2006 وحرب نهر البارد عام 2007 ومعركة فجر الجرود عام 2017 ومكافحة المجموعات الإرهابية المختلفة في تواريخ عدة.

ما يغيب عن ذكره في الموقع الرسمي للجيش اللبناني محطات ذات أهمية كبرى في تاريخ "العيش المشترك" اللبناني مثل أحداث السابع من آيار/مايو 2008، حيث الصراع المسلح بين المكونات السياسية والطائفية في لبنان. فلا يرد ذكر هذا الحدث ويتم التغاضي عن ذكره وكأنه لم يحدث!

حينها وقف الجيش اللبناني على الحياد، ولم يتدخل في المعارك لصالح أي جهة، وتم سحب أغلب عناصره إلى الثكنات تاركًا الأرض للمسلحين، حيث انتشرت المعارك داخل بيروت وفي جبل لبنان، مسفرةً عن مقتل ما يزيد عن 70 شخصًا وجرح العشرات من المدنيين والمسلحين.

أحداث السابع من آيار/مايو أخضعت الولاء السني إلى الاختبار، بعد نشر الجيش في العاصمة باعتباره قوة محايدة، إلا أن حياده المعلن انتقد من جانب قوى "14 آذار" المتحالفين مع سعد الحريري، الذين اتهموا الجيش بالاصطفاف فعليًا مع حزب الله. 

قدم بعض الضباط استقالاتهم بسبب عدم تحرك الجيش لحماية المواطنين، وكان الاعتراض نابعًا من ضباط الطائفة السنية. العقيد غسان بلعة، ضابط سني عالي الرتبة، كان أول مَن قدم استقالته، وتبعه العميد عبد الحميد درويش، وهو قائد عسكري من الشمال.

وبحسب بحث نشر من قبل مركز كارنيغي عام 2016، فإن "اللواء أشرف ريفي، مدير عام قوى الأمن الداخلي آنذاك، وهو سني، صور الاستقالات على أنها رسالة إلى قائد الجيش ميشال سليمان، إذ قال إن الاستقالات أظهرت حاجة القوات المسلحة اللبنانية إلى التحرك من أجل حماية المواطنين اللبنانيين كافة، بمَن فيهم السنة"، مضيفًا: "رئيس الجمهورية حينها، ميشال سليمان، اعتبر أن سياسيين شجعوا الضباط على الاستقالة، إلا أن أيًا منهم لم يستقل فعليًا".

أما الخطباء السنة المتشددون فذهبوا لأبعد من ذلك، إذ اتهموا القوات المسلحة اللبنانية بالتحرك فقط ضد المجموعات السنية في لبنان لصالح حزب الله، خاصة بعد مواجهات في شمال لبنان أدت لمقتل شيخ سلفي، ومن ثم إنهاء حالة الشيخ السلفي أحمد الأسير في صيدا، والمعارك مع المجموعات المسلحة في عرسال، وذلك أيضًا بحسب بحث كارنيغي.

بعد أحداث السابع من آيار/مايو 2008، انتقل ميشال سليمان من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية. وفي نهاية فترة رئاسته، ساد التوتر بين سليمان وحزب الله، خاصة بعد تصريحه بأن المعادلة الثلاثية الذهبية "جيش شعب ومقاومة" إنما هي "معادلة خشبية"، ليرد حزب الله: "نعتقد بأن قصر بعبدا بات يحتاج في ما تبقى من العهد الحالي، إلى عناية خاصة، لأن ساكنه أصبح لا يميز بين الذهب والخشب".

يتبين من خلال هذه الأزمة، عمق العبء الذي يقع على الجيش اللبناني في التعامل مع الأحزاب السياسية والطائفية في لبنان، حيث الجميع ينتظر من الجيش أن يتخذ موقفًا من القضايا لصالحه، ما يهدد وحدته الداخلية بفعل هذه التجاذبات. 

في المقابل، يتأكد بما لا يقبل الجدل، ارتباط وجدة الجيش بضمانه الوقوف على الحياد في المعارك السياسية والطائفية. لكن، هل يمكن النجاح في هذا النهج في ظل ما تشهده الساحة اللبنانية من صراعات سياسية وطائفية في الشارع؟

الحرب الأهلية

يمكن استخلاص العبر من العودة إلى الماضي، خاصة في ظل الانشقاقات الكبيرة التي شهدها الجيش خلال فترة الحرب الأهلية على مدار 15 سنة، ويذكر منها: الملازم أول السني أحمد الخطيب، الذي انشق عن صفوف الجيش في العام 1976 لإنشاء جيش لبنان العربي دعمًا لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ويذكر الموقع الرسمي للجيش اللبناني في الفقرة المخصصة للمرحلة الممتدة بين عامي 1975 و1990: "اندلعت أحداث الفتنة في لبنان لأسباب عديدة، أبرزها انعكاسات الصراعات الإقليمية على الساحة الداخلية، وبروز العامل الإسرائيلي الرامي إلى ضرب وحدة اللبنانيين وصيغة العيش المشترك في ما بينهم".

ويتابع: "إزاء فقدان القرار السياسي الموحد للدولة، غيب دور الجيش بمفهومه الوطني الشامل، ولم يتمكن من ردع الفتنة. وهذا ما حصل مع مطلع التسعينات، من خلال وثيقة الوفاق الوطني التي وضعت حدًا للأحداث الداخلية، وأعادت للجيش دوره المنشود في إرساء عهد جديد من الأمن والاستقرار".

ترمي هذه الفقرة المسؤولية الكاملة للصراع في الداخل اللبناني على انعكاسات الخارج، ويتخذ الجيش بذلك موقفًا حياديًا من الصراعات الداخلية الطائفية والسياسية، عازيًا عدم قدرة لبنان على تحقيق "الوحدة والعيش المشترك" إلى أسباب خارجية!

وفي الفقرة التالية، يبرر الجيش اللبناني تغييبه وشل قدرته على الفعل والعمل وضبط الأمن وردع الفتنة، بسبب فقدان القرار السياسي للفرقاء في لبنان، ما يعني طغيان الديناميكيات الطائفية على الجيش.

إعادة توحيد الجيش

بين عامي 1982 و1990 عانى الجيش اللبناني من إقحامه في المعارك الداخلية، ووصلت به الأمور عام 1988 إلى انقسام قيادته نتيجة انقسام البلاد، بين حكومة العماد ميشال عون العسكرية، وحكومة الرئيس سليم الحص. 

وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990 جرت عملية عسكرية لبنانية سورية، نجم عنها الإطاحة بالجنرال عون ونفيه إلى باريس، ومن ثم توحيد الجيش أو بالأحرى بناء مؤسسته من جديد الذي كان قائده العماد حينها إميل لحود، وذلك على إثر توقيع اتفاق الطائف في 30 أيلول/سبتمبر 1989.

تعيينات سياسية وطائفية

الهويات الطائفية عنصر دائم وبالغ الأهمية داخلٌ في هيكلية الجيش اللبناني. ففي البحث المعنون "الولاءات وتشكيل الجماعات في سلك الضباط اللبنانيين"، الذي نشره مركز كارنيغي، يذكر أنه "لا يزال الجيش عرضة لخطر أن تحل الانتماءات السياسية أو الطائفية للضباط محل ولائهم للمؤسسة وقائدها الأعلى". 

ويشرح البحث العلاقات المعقدة التاريخية والإستراتيجية للضباط الشيعة والسنة والمسيحيين داخل الجيش، وعلاقات الجماعات الطائفية بالجملة، وانعكاسها على وحدة الجيش وتماسكه: "تم بعد الحرب الأهلية استحداث حصة غير رسمية بواقع 50% من الطلبة المسيحيين مقابل 50% من الطلبة المسلمين للالتحاق بالمدرسة الحربية، وكذلك التعيينات في كافة المراكز الأساسية في الجيش اللبناني وقوى الأمن المختلفة".

هذه العلاقة المعقدة انعكست أيضًا في التعيينات التراتبية، ففي الجيش الذي يبلغ قوامه 60 ألفًا، ثمة ما يزيد عن 500 عميد، وهو ضعف عدد الجنرالات في الجيش الفرنسي الذي يضم إجمالي 200 ألف عنصر!

الهويات الطائفية عنصر دائم وبالغ الأهمية داخل في هيكلية الجيش اللبناني وينعكس حتى على التعيينات وتوزيع القيادات داخل الجيش

كما أن الأعضاء الخمسة في المجلس العسكري، الذي هو أعلى هيئة في الجيش، فيمثلون الطوائف اللبنانية: السنة والشيعة والدروز والروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس، في حين يُمَثَّل الموارنة بقائد الجيش. وبسبب الخلافات والتجاذبات السياسية، ظلت بعض المناصب القيادية في الجيش اللبنانية، شاغرة لأشهر طويلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة: "الجيش والسياسة" مدخلًا لفهم الدولة الوطنية العربية

الجيش اللبناني أغانٍ بكامل العتاد